"كل ما تحلّي تحرمي"... أغرب ألفاظ الطلاق في مصر وتعامل الشرع مع أصحابها

الجمعة 10 يناير 202004:34 م

بوجه تعلوه ملامح الخوف والترقب، تتعثر فاطمة في خطواتها وهي تحتضن طفلتها أثناء توجهها برفقة زوجها إلى لجنة الفتوى في الأزهر. وصلت الشابة الثلاثينية برفقة زوجها أسامة إلى هناك لتعرف الموقف الشرعي بعدما هددها زوجها بالطلاق لمنعها من زيارة بيت أبيها، بقوله: "تكوني طالق لو رحتي بيت أبيك، لا يحللك شيخ ولا نبي"، إلا أنها ذهبت ولم تمتثل لطلبه. 

كان أسامة قد وافق على الذهاب معها على مضض بعدما أكدت له عدم جواز أن يقربها ولا أن يخلو بها حتى يفتي شيخ بذلك، قائلة: "عيشتنا مع بعض بقت حرام، فقد حرمتني زوجة لك للأبد".

العبارة التي قالها أسامة لزوجته ليست الوحيدة، فهناك قائمة طويلة من العبارات الغريبة التي تفنن المصريون في قولها لزوجاتهم لدى رمي الطلاق عليهن، منها: "أنت طالق شافعي ومالكي وحنبلي وأبو حنيفة، حبلك على غاربك، أنت حرة، أنت طالق وكل ما تحلّي تحرمي".

"ألفاظ غريبة تضعنا في حيرة شديدة"

يعلق وكيل كلية الشريعة والقانون الأسبق وعضو لجنة الفتوى في الأزهر فتحي الفقي بالقول: "تفنن المصريون في الطلاق، فابتكروا ألفاظاً غريبة تضعنا في حيرة شديدة، وكل يوم نسمع جديداً".

ويشير إلى بعض الحالات التي وردت إليه في لجنة الفتوى في الأزهر، ويروي واحدة منها قائلاً: "جاءني شخص يستفتيني، قال لزوجته أنت محرمة لو فعلت هذا الأمر، وكل ما تحلين تحرمين ـ هذه الصيغة المشروطة تسمى بالطلاق المعلق ـ وعندما فعلت هذه المرأة ما حذرها منه زوجها تكون قد طُلقت ثلاث طلقات، لأنه كلما أعادها إلى عصمته طُلقت أتوماتيكياً".

ويضيف: "هذه الفتوى وجدتها في مجلدات دار الإفتاء عام 1956، وكنت أعتبرها من النوادر، حتى فوجئت بهذا الرجل يستفتيني فيها، ودُهشت كيف يمكن لرجل عامي أن يأتي بلفظ مماثل".

"شخص آخر جاء يستفتيني، كان قد قال لزوجته إنها ستكون طالقاً بالثلاثة لو عملت كذا وكذا، وإن حللك شيخ يحرّمك عشرة".

"إحنا مجتمع مالوش كتالوغ، بنمشي على أي شكل"، يعلق الفقي ويردف: "شخص آخر جاء يستفتيني، كان قد قال لزوجته إنها ستكون طالقاً بالثلاثة لو عملت كذا وكذا، وإن حللك شيخ يحرّمك عشرة".

يوضح وكيل كلية الشريعة أن الزوجة قالت إنها كانت حائضاً في هذا الوقت، و"بالرجوع إلى أئمة الفقه، وجدنا أن ابن تيمية حللها وقال لا يقع الطلاق حين تكون المرأة حائضاً، لكن جمهور الفقهاء قالوا إن الطلاق وقع وهي محرمة، لأنه قال: إن حللك شيخ يحرمك عشرة"، حسب الوكيل الذي يستنكر هذه المسألة بالقول:"ماذا نفعل في ألفاظ طلاق مثل هذه، هم يعذبوننا بألفاظ طلاقهم".

"سكتة النفس"

يدرس طلاب المعاهد الأزهرية مقررات من كتاب "الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع"، حيث جاء في باب الطلاق أحكام كثيرة تجعل اليمين تقع لأبسط الألفاظ وأتفهها أحياناً، منها "ولو قال لها (للزوجة) إِن كلمت رجلاً فأنت طالق، فكلمت أباها أو أحداً من محارمها ثم طلقت لوجود الصفة، وإن قال قصدت منعها من مكالمة الأجانب قبل منه لأنه الظاهر".

وفي موضع آخر من الكتاب، جُعل لـ"سكتة النفس" (أخذ النفس) أهمية في وقوع الطلاق من عدمه، فجاء: "ويصح الاستثناء في الطلاق (أي أن يقول أنت طالق إلا واحدة أو أنت طالق إلا اثنتين) لوقوعه في القرآن والسنّة وكلام العرب، ولصحته شروط خمسة منها وصْل حلف يمين الطلاق بالاستثناء، فلو انفصل زائداً على سكتة النفس ضرّ (أي قال لها أنت طالق ثلاثاً إلا واحدة تُحسب طلقتين فقط، أما إذا قال أنت طالق ثلاثًا ثم سكت مدة زمنية تزيد عن مدة النفس ثم أكمل كلامه بقوله إلا واحدة، تحسب ثلاث طلقات)".

وينظر البعض إلى أن هذه الفتاوى تشدد في الطلاق، إذ جعلت الطلاق يقع، ولا يُقبل فيه استثناء إذا زاد الزوج في يمينه عن سكتة النفس.

"الطلاق في مصر لا يتم على مضبطة القرآن"

يُرجع الباحث في شؤون التراث الإسلامي أحمد عبده ماهر تعدد حالات الطلاق في مصر والتفكك الأسري إلى فتاوى الأزهر وهيئة كبار العلماء التي تقول إن الطلاق المعلق يقع حال تحقق شرط وقوعه، معتبراً أن "الطلاق المعلق لا يقع حتى لو تمت دواعيه، لأن الرجل حين يقول للمرأة أنت طالق إذا خرجت من المنزل مثلاً وخرجت، لا يقع الطلاق، لأن الرجل لم يعط المرأة العصمة في طلاق نفسها، فإذا أحبت أن يتم طلاقها تخرج من المنزل، وإذا لم تحب أن يتم طلاقها فلا تخرج" .

ويستهجن ماهر فتاوى الأزهر بشأن وقوع الطلاق المعلق لأنه، من وجهة نظره، "يعزز إبراز الرجل عضلات سلطاته على شريكة حياته، فأخلاق الرجل الشرقي لا تتسم بالفروسية بقدر ما تتسم بالعصبية والجهالة. لذلك نرى أن الطلاق أصبح انتقامياً".

ويقول ماهر: "للأسف، يزعم الأزهر دائماً أنه وسطي، مع أنه يموج في الخطيئة والهوجائية الفقهية، هي وسطية شفهية لا قوام لها، فهو يسارع إلى هدم البيوت على أصحابها، بإجازته الطلاق عبر الهاتف والطلاق المعلق والطلاق الشفهي من دون شهود، ومن دون حكم من أهل الزوج وحكم من أهل الزوجة، على نحو يخالف القرآن، لذلك كثرت حالات الطلاق".

ويوضح أن القرآن رسم ضوابط للطلاق وجعل له مقدمات: "وإن خفتم شقاقاً بينهما فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها"، ولذلك لا بدّ من وجهة نظر ماهر أن يتم الطلاق بحكم من أهله وحكم من أهلها وشاهدي عدل، أما "الطلاق بالمشافهة فليس من الضوابط التي رسمها القرآن وحددها"، مشدداً على أن "الطلاق في مصر لا يتم على مضبطة القرآن".

ويضيف شارحاً: "يعتمد الأزهر في فقه الطلاق على حديث لا أجيزه، ينسبونه زوراً لرسول الله وهو ثلاث جدهن جد وهزلهن جد، النكاح والطلاق والعتاق"، متسائلًا: "كيف يمكن للهازل والمازح أن يتم طلاقه؟".

إن حللك شيخ يحرمك عشرة"، "أنت طالق شافعي ومالكي وحنبلي وأبو حنيفة، حبلك على غاربك"، "أنت طالق وكل ما تحلّي تحرمي".... قائمة طويلة من العبارات تفنن المصريون في قولها لزوجاتهم لدى رمي الطلاق، والشرع ينتقد استخدامها 
"يزعم الأزهر دائماً أنه وسطي، مع أنه يموج في الخطيئة والهوجائية الفقهية، هي وسطية شفهية لا قوام لها، فهو يسارع إلى هدم البيوت على أصحابها، بإجازته الطلاق عبر الهاتف والطلاق المعلق والطلاق الشفاهي من دون شهود"

ويواصل ماهر بالقول: "نحن المصريين ليس عندنا ثقافة إنهاء الحياة الزوجية، إذ تأخذ النهاية دوماً شكل الخصومة والانتقام. هذه الطريقة تعبّر عن قلة تربية وسوء فهم للدين"، مبينًا أن "الطريقة الصحيحة التي نربي عليها أبناءنا هي إن لم نستطع أن نعيش معاً زوجين، فمن المفترض أن نعيش صديقين".

وعن "الظهار" (حين يشبّه الرجل زوجته بامرأة محرّمة عليه)، يقول ماهر: "لا أحد يقيم الظهار، لأن الناس تستسهل الطلاق. ففي الظهار حرمان للرجل وللمرأة".

في السياق ذاته، يوضح الرئيس الأسبق للجنة الفتوى في الأزهر عبد الحميد الأطرش أن "أنت علي كظهر أمي" لفظ ظهار وليس لفظ طلاق، وعقوبته تحرير رقبة، فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، موضحاً: "لو صام 59 يوماً متواصلة، ثم فطر يوماً واحداً، فلا بد أن يعيدها من جديد، فمن لم يستطع فإطعام 60 مسكيناً، ولا بد أن يقرر طبيب مسلم بأنه لا يستطيع".

"الطلاق ليس فيه شفاهي وتحريري"

يستنكر الأطرش ما قاله ماهر عن أن فتاوى الأزهر في الطلاق تسببت بخراب الكثير من البيوت، موضحاً أن "الأزهر يفرّق بين الطلاق الصريح، وهو اللفظ الذي لا يحتمل سوى الطلاق كأن يقول الرجل: أنت طالق، فيقع مباشرة ولا نرجع فيه إلى نية الزوج أو سؤاله، وبين الطلاق المعلق على شرط أو أمر في المستقبل، مثل أنت طالق إن خرجت من المنزل، ونرجع فيه إلى نية من تلفظ به".

ويضيف: "نحن لا نقرّ بوقوع الطلاق إلا إذا تأكدنا أن القائل يقصد الفراق بينه وبين زوجته، أما إذا كان ينوي التهديد فقط فيحمل على التهديد، وتهديده فيه كفارة يمين وهي إطعام 10 مساكين أو صيام 3 أيام".

ويستطرد الأطرش: "يأخذ الأزهر بأيسر الحلول وأهونها على الناس، فنفتي بأن إدخال الطلاق على الطلاق لا قيمة له، فإذا طلق الرجل زوجته، وبعد أيام قال لها أنت طالق تُحسب طلقة واحدة، لأن إدخال الطلاق على الطلاق لا قيمة له، فلا بد أن يملك عليها حق الرجعة، حتى تحسب طلقة ثانية، أما إذا تلفظ بطلقة ثانية ولم يراجعها فلا تحسب إلا طلقة واحدة".

من ناحية ثانية، يستنكر الأطرش دعاوى عدم الأخذ بالطلاق اللفظي غير المسجل على اعتبار أن "الطلاق ليس فيه شفاهي وتحريري. تكون المرأة مطلقة شرعاً. أما قانوناً فلا بد أن يثبت ذلك في القسيمة".

ويدافع الفقي عن الحديث الذي دعا ماهر إلى إزالته من مضبطة فقه الأزهر ("ثلاث جدهن جد وهزلهن جد، النكاح والطلاق والعتاق")، قائلاً: "فله موضع وهو للحث على أنه لا يجوز المزاح في الطلاق لأنه نقض للميثاق الغليظ ولا يجوز التلاعب به".

ويفنّد الفقي ما قاله ماهر بأن الطلاق المعلق لا يقع لأنه لم يعط المرأة العصمة حتى تطلق نفسها، مبيّناً أن هذا الرأي رائج عند فقيه اسمه أشهب كان قد قال إن "الزوج إذا علق الطلاق على خروجها مثلاً، فخرجت هي قاصدة إيقاع طلاقه فلا يقع لأنه كمن فوّض إليها الطلاق"، وهو رأي يأخذ به كذلك بعض أتباع المذهب المالكي، بينما اتفق جمهور الفقهاء على وقوع الطلاق حال وقوع الشرط.

"ألفاظ الطلاق المتعددة أضرّت بالمرأة"

ترى أستاذة علم الاجتماع في جامعة الزقازيق هدى زكريا أن ألفاظ الطلاق المتعددة التي يستخدمها الرجل في الطلاق الصريح أو المعلق، أضرت كثيراً بالمرأة، خاصة إذا كان غير مسجل، مشيرة إلى أن "الكثير من الرجال استفادوا من الطلاق الشفاهي، كأن يقول الرجل لزوجته أنت طالق، ثم يتركها بدون إثبات طلاق، فلا هي زوجة له ولا يمكنها أن تتزوج من غيره".

"الكثير من الرجال استفادوا من الطلاق الشفاهي، كأن يقول الرجل لزوجته أنت طالق، ثم يتركها بدون إثبات طلاق، فلا هي زوجة له ولا يمكنها أن تتزوج من غيره".

وتشدد زكريا على ضرورة تسجيل الطلاق، موضحة: "مثلما يذهب الأشخاص للمأذون كي تسجل الزواج بألفاظ الزواج، فمن المفترض أن يقصدوه لتسجيل الطلاق بألفاظ الطلاق. وكما نوثق الزواج كذلك من المفترض أن نوثق الطلاق"، معتبرة أن من شأن هذا الأمر أن يحل العديد من المشاكل الاجتماعية المرتبطة بالطلاق الشفاهي.

وتتطلع زكريا إلى وجود تشريع أكثر إحكاماً لا يتقيد بألفاظ الطلاق المتعددة، ولا يعتمد إلا على الموثق منها على نحو ما فعلت دول إسلامية عديدة، منها ماليزيا التي حسمت الموضوع قانوناً ووضعت تشريعات.

بالعودة إلى قصة فاطمة وزوجها أسامة، فاللفظ الذي قاله الأخير "إن خرجت إلى بيت أهلك فأنت طالق، لا يحللك شيخ، ولا يحللك نبي"، فقد أفتى له الفقي بالقول: "كلامك في الهواء، ولا يؤخذ به، لأن الشيخ لا يحلل ولا يحرم، والنبي لا يحلل ولا يحرم"، ولو أنه عاقب أسامة بـ"الصيام ثلاثة أيام أو بإطعام عشرة مساكين"، ثم تلا عليه قوله تعالى "ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام".

هنا انفرجت أسارير فاطمة وأسامة، وزالت عن وجهيهما ملامح الخو والفراق والطلاق.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard