"لا وقت لدينا للعزاء"... الأسلوب الإيراني في الترويج لاستبدال "القائد الخارق"

السبت 4 يناير 202004:26 م

عند تعيينه خلفاً لأحمد وحيدي في قيادة "فيلق القدس" في الحرس الثوري عام 1998، كان قاسم سليماني "محط ثقة" علي خامنئي الذي اختاره آنذاك حسب ما تضمن بيانه باعتباره "واحداً من قدامى المحاربين في الحرب العراقية - الإيرانية وقائد فيلق كرمان المسمى بفيلق 41 ثار الله الذي صاحب إنجازات عديدة". لكن سليماني الذي رقّاه خامنئي من رتبة عقيد إلى لواء عام 2011 تحوّل منذ ذلك الوقت إلى بطل أسطوري في إعلام النظام.

أصبح سليماني أكثر المؤهلين لثقة "القائد" باعتباره حاملاً لواء الحفاظ على الثورة الإسلامية من "الشيطان الأكبر" ومن إسرائيل والأهم من كل متربص بها في الشرق الأوسط. "حبيب المرشد" - كما كان يوصف - كرسته الدعاية الإيرانية صاحب قدرات خارقة، يتنقل بين البلدان والأخطار بهالة تجعله عصياً على الأعداء.

"لا وقت لدينا للعزاء"

مثّل سليماني صورة النظام الأصيلة عن نفسه، فكان من الطبيعي أن تُسبغ عليه صفات "الجبار" و"العاشق" و"البطل القومي". أُعطي صلاحيات مطلقة في بلدان الوكلاء، وصُرفت لمشروع توغله الإستراتيجي فيها أموال طائلة، وتم تحضيره للعب دور سياسي، حتى أنه نافس الرئيس ووزير الخارجية في صلاحيات خاصة كأن يحضر الرئيس السوري بشار الأسد للقاء المرشد دون علمهما.

أسلوب اعتمدته إيران الثورة الإسلامية مع قياداتها: إفراز القيادات/ الأيقونات التي مهما كبر حجم استهدافها يبقى حرصها الدائم على التأكيد بأن المشروع أهم من أن يتأثر بغيابهم.

لكن من قيل إيرانياً في "بطولته" إن أمريكا لو أرسلت أبطالها الخارقين كـ"سبايدرمان وباتمان وسوبرمان" فلن تنال منه، قُتل بضربة أمريكية استهدفت موكبه إثر وصوله إلى مطار بغداد الدولي، في مشهد بدا للوهلة الأولى أقل ملحمية من أن يكون مشهد النهاية لمسيرة "البطل الإيراني الخارق". 

لكن سليماني كان كذلك "الشهيد الحي" حسب وصف خامنئي له، وقد عكس مقتله وسرعة تعيين البديل له أسلوباً إيرانياً كرسته الجمهورية الإسلامية بعناية فائقة في الترويج لقوتها. وفق هذا الأسلوب، يكون هو القائد الأسطورة في حياته، ومع أنه يتحوّل إلى دافع للمضي قدماً عند وفاته وبالأحرى مقتله، فإن غيابه لا يغيّر شيئاً في صورة الجبروت التي تختار إيران لتدعيمها على الفور قائداً آخر كما لو أن شيئاً لم يحصل.

هو أسلوب اعتمدته إيران الثورة الإسلامية مع قياداتها كما مع قيادات وكلائها في لبنان والعراق واليمن وفلسطين بشكل أساسي: إفراز القيادات/ الأيقونات التي مهما كبر حجم استهدافها يبقى حرصها الدائم على التأكيد بأن المشروع أهم من أن يتأثر بغيابهم.

هذا الخطاب انتقل بطبيعة الحال لجمهور الجمهورية الإسلامية، في الداخل وفي "بلدان الوكلاء". وفي معرض نعيهم لسليماني، استحضر كثر قصة رواها الرئيس الإيراني الأسبق محمد علي رجائي عن حادثة تفجير المركز الجمهوري الإسلامي أول الثمانينيات عندما دخل على آية الله الخميني لينقل له خبر سقوط أكثر من 70 قيادي في التفجير، فكان رد الأخير بأن "اذهبوا وعيّنوا مكان الذي استشهدوا… لا وقت لدينا للعزاء".

رافق استحضار الحادثة تأكيد على عدم التأثر بالخسارة، فـ"بدل سليماني هناك مئة سليماني" في "أمة تنجب الأبطال دون توقف".

رسالة التعيين السريع

وكما هو متوقع أتت رسالة خامنئي لتعيين اسماعيل قاآني خلفاً لسليماني شديدة السرعة، مع تأكيد على عدم توقف العمل والنهج برحيله. صاحب ذلك مديح لقدرات قاآني "التي لا تختلف عن سلفه"، وطلب مباشر من خامنئي لجميع الكوادر بالتعاون التام مع القائد الجديد.

فكيف يمكن لـ"الأسطورة" التي لا يضاهيها أحد أن تتجسّد في رجل آخر بسرعة قياسية؟ وهل يمكن للكاريزما أن تُبنى بهذه البساطة؟

في ما ساقه محللون من سيناريوهات الرد الإيراني على الولايات المتحدة بعدما استهدفتها الأخيرة بالمباشر، منتهكة خطاً أحمراً عريضاً سبق رسمه ضمنياً بتحييد المباشر واللعب في مساحات الوكلاء، بأن الظرف الإيراني ليس مناسباً للتصعيد بسبب التدهور الاقتصادي الداخلي أو بسبب الحراك الشعبي في العراق الرافض لطهران أو في لبنان، لكن مسألة الحفاظ على الصورة في المنطقة تبقى حتمية.

من هنا يمكن إدراج التعيين السريع لقاآني ومديح مؤهلاته في إطار الحفاظ على صورة العمل المستمر، وكما قال مساعد الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما لشؤون الشرق الأوسط السفير دينيس روس فإن "خامنئي لا يريد بأي حال أن يظهر ضعيفاً".

الأمر نفسه، يوضحه أستاذ العلوم السياسية في جامعة طهران حسن أحمديان بالقول إن المرشد الأعلى قرر اختيار خليفة سليماني بهذا الشكل العاجل والسريع، كرسالة مفادها أنه "لن يحدث فراغ في قيادة هذه القوة، وأن الرد آت بالقيادة الجدیدة".

عكَس مقتل سليماني وسرعة تعيين البديل له أسلوباً إيرانياً كرسته الجمهورية الإسلامية بعناية فائقة في الترويج لقوتها. وفق هذا الأسلوب، يكون "القائد الأسطورة" في حياته، لكن غيابه لا يغيّر في صورة الجبروت التي تختار سريعاً لتدعيمها قائداً آخر 

"في حين كان سليماني أكثر مباشرة في خطاباته وفي شخصيته الجذابة التي تحرك الرجال بمفردات بسيطة، بدا أسلوب قاآني أكثر جموداً يتلطى فيه وراء الخطاب الرسمي ويستخدم مصطلحاته"... الأسلوب الإيراني في الترويج لاستبدال "القائد الخارق"

ثمة رسالة أكبر وراء سرعة الاختيار يشير إليها كذلك أحمديان في حديثه لرصيف22 قائلاً: "في سرعة الاختيار تأكيد على أن نهج إیران الإقلیمي ومدرسة سلیماني لن ينتهيا باغتياله، بل هما مستمران بالزخم ذاته".

وبالنسبة لأحمديان، فإن "المهمة ستكون تنفيذ رد على المستوى نفسه لإعادة تثبیت الردع وتأكيد أن السیاسة الإیرانیة وتحالف جبهة المقاومة في المنطقة سيستمران وفق النهج المقاوم الذي أرساه سلیماني ورفاقه أمام محاولات إضعاف هذا المحور".

عامل الكاريزما

كما سليماني، يُعد قاآني من قدامى المحاربين ضد العراق وكان خلال تلك الحرب قائداً لـ"الفرقة 21 الإمام الرضا" و"فرقة 5 نصر". تدرّج في الحرس الثوري، فخدم في منصب رئيس هيئة الأركان المشتركة لاستخباراته، قبل توليه منصب نائب قائد "فيلق القدس" بعد تسلم سليماني منصب القيادة. شارك في الحرب السورية كمستشار عسكري، ويُعرف عنه تنظيره الكبير لسياسة التشكيلات الشعبية في بلدان المنطقة وقد شارك في هندسة وتصدير تلك السياسة. 

ومع أنه وُضع عام 2012 على لائحة العقوبات، لكنه برز بشكل أساسي بالتزامن مع زيارة الأسد لطهران، مدافعاً عن "خيار الحرس الثوري" وقتها وعدم وجود حاجة للتنسيق السياسي لها. كل ذلك يدعم، من وجهة نظر إيرانية، مكانة قاآني، لكن الرجل الذي بقي داخل عباءة سليماني لوقت طويل يُعرف كذلك بافتقاره للكاريزما.

يقيم بحث نشره "المعهد الأمريكي لأبحاث السياسة العامة" عام 2012 مقارنة بين سليماني وقآني في السياسات وفي الجوانب الشخصية. ومن أبرز ما يشير إليه البحث هو افتقار الثاني للكثير من سحر الأول في التأثير على من يعملون تحت أمرته وعلى من يتعاونون معه.

بحسب البحث الذي طرح احتمال تولي قاآني قيادة "فيلق القدس" بعد الحديث عن إمكانية دخول سليماني عالم السياسة، فإن سليماني يبدو قائداً كاريزمياً محبوباً ممن هم تحت أمرته، وهو أمر تذكره المصادر المفتوحة بإسهاب، في وقت ثمة مصدر واحد يشير إلى قاآني كقائد محبوب في مقابل ما يُقال عن كونه رجلاً متواضعاً واجه العديد من التحديات من رجاله.

يضيف البحث موضحاً أن ثمة اختلاف كذلك في أسلوب الشخصين، ففي حين كان سليماني أكثر مباشرة في خطاباته وفي "شخصيته الجذابة التي تحرك الرجال بمفردات بسيطة" بدا أسلوب قاآني أكثر جموداً يتلطى فيه وراء الخطاب الرسمي ويستخدم مصطلحات الموقف الرسمي حتى في نقاشاته الداخلية.

وفي تحليل مفصل (كمي ونوعي) لمسيرة كل من سليماني وقاآني، توصل كاتب البحث علي ألفوني إلى خلاصة يمكن استحضارها أمام المشهد الحالي: "في مواجهة الانقسامات المتزايدة بين النخب الحاكمة في الجمهورية الإسلامية ، والعقوبات الأشد قسوة ضد إيران ، وتهديد الضربات العسكرية ضد المنشآت النووية الإيرانية ، يبحث النظام عن شخصية عامة قادرة على توحيد الأمة… تجربة قاآني في ساحة المعركة، ودوره داخل الحرس الثوري الإيراني، ومعرفته البعيدة بالقائد الأعلى قد تساعده كبديل لسليماني، لكن لا شك أن قاآني المفتقر للكاريزما والتميّز سيواجه صعوبة بالغة في ملء غياب سليماني".

كان ذلك عام 2012، فكيف سيكون الحال مع ضربة "موجعة ومربكة" تلقتها إيران بهذا الحجم؟ التحديات كبيرة بينما لا تبدو السيناريوهات المحتملة للرد عليها بهذه الرحابة.

"صورة" القائد البديل

يُعيدنا ما سبق إلى أحداث عدة شهدت خلالها إيران ضربات بالغة ضد قادة حرصت على أسطرتهم، ولو بنسب مختلفة، ثم أعقب غيابهم حرص بالغ على إبداء عدم التأثر برحيلهم. من هؤلاء مثلاً كان عباس الموسوي الذي الذي اغتالته إسرائيل عام 1992 برفقة الشيخ راغب حرب، ثم عُيّن بعده حسن نصرالله أميناً عاماً لـ"حزب الله" اللبناني".

مع الوقت، شكلت حالة نصر الله مادة خصبة للنقاش حول أساليب بناء صورة القائد ومأسستها واستخدامها كوسيط، فتعدّدت الدراسات حول دور السياقات الاجتماعية والسياسية والثقافية في بناء صورته تلك على مراحل.

وبالاستناد إلى "دليل التسويق السياسي" (1999) لكل من كنوت بيرغمان ووُلفرام ويكرت، يمكن إيجاد شرح للحرص الإيراني على أسطرة قيادييها، فـ"في الأوقات العصيبة، يساعد القائد الكاريزماتي على إعطاء معنى لاتجاهين: الموضوعي والعاطفي"، ليصبح "مديراً وقائداً".

حتى وإن كانت الكاريزما قابلة للصناعة بأدوات البروباغندا، لكن الظروف تلعب دوراً مفصلياً بدورها في صناعتها وفي تفكيكها.

وعلى مستوى الكاريزما، قدّم مايكل هاكمان وكريغ جونسون (2004) قائمة تضمنت سلوكيات يتدرب عليها "القائد" في بناء كاريزماه ومنها امتلاك رؤية فريدة من نوعها لكنها قابلة للتحقق، التصرف بطريقة غير تقليدية، إظهار الاستعداد لمواجهة المخاطر، إظهار الثقة والخبرة، والقدرة الشخصية.

لكن حتى وإن كانت الكاريزما قابلة للصناعة بأدوات البروباغندا، لكن الظروف تلعب دوراً مفصلياً بدورها في صناعتها وفي تفكيكها، فالظروف الإقليمية والعداء الخارجي حين يكرّس صورة "انتصار القائد" تأتي الأزمات الداخلية والخارجية لتفقده تأثيره مهما عظمت آلة الدعاية المكرسة لأجله.

ومن الأمثلة كذلك على ما سبق كان التعامل الإيراني مع اغتيال عماد مغنية الذي لعب دوراً ميدانياً مفصلياً داخل حزب الله في لبنان ودول أخرى منها العراق وسوريا، حيث كان الإصرار على أن قدرة الحزب لم تتأثر بغيابه في وقت أصر منفذو الاغتيال ومؤيدوه على الخسارة الموجعة التي تلقاها الحزب.

هو الخطاب نفسه الذي رافق اغتيال رئيس المجلس السياسي الأعلى صالح الصماد في اليمن العام الماضي، فكان مرة أخرى التأكيد على "المواجهة المستمرة" في مقابل التوعد بالحساب القاسي.

هذه المرة الضربة أكثر وجعاً وإرباكاً لإيران من سابقاتها، أكثر وجعاً بسبب ما حققه سليماني خلال فترة نشاطه وإرباكاً لأنها أتت في المباشر، ما جعل السكوت والرد عنها في المقام نفسه تقريباً لناحية الخطورة على إيران… وإلى أن يتبلور شكل الرد، ستلعب إيران في المساحة التي تتقنها حيث "التهديد بالحساب" وصناعة "الصورة" لقائد بديل.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard