من حليف موثوق إلى "خائن"... التيارات الشيعية الموالية لطهران تشيطن الرئيس العراقي

الثلاثاء 31 ديسمبر 201905:53 م

طوال خمسة أيام، لم تكف وسائل الإعلام العراقية الموالية لطهران عن شيطنة الرئيس العراقي برهم صالح، عبر اتهامه بالخضوع للإرادة الأمريكية ونكث العهود المبرمة بين التحالف الشيعي والكردي في إدارة الحكم في البلاد، لا سيما بعد رفضه تكليف مرشح "كتلة البناء" (بزعامة هادي العامري ونوري المالكي) محافظ البصرة أسعد العيداني بتشكيل الحكومة العراقية المرتقبة.

وأعلن رئيس الجمهورية، في 26 كانون الأول/ ديسمبر، أن ترشيح العيداني لمنصب رئيس الحكومة المؤقتة هو ترشيح دستوري، لأنه جاء من أكبر الكتل النيابية داخل البرلمان العراقي، لكنه رفض تكليفه لعدم رغبة الشارع الاحتجاجي به، وحقناً للدماء التي من الممكن أن تُراق في مختلف ساحات التظاهر في البلاد.

وبعد بيان صالح الذي أكد استعداده فيه للاستقالة من منصب رئيس الجمهورية، طالب "تحالف البناء" الموالي لإيران البرلمان العراقي باتخاذ الإجراءات القانونية بحق الرئيس، متهماً إياه بخرق الدستور والحنث باليمين.

ربيع العلاقة مع طهران وخريفها

حزبياً، ينتمي الرئيس العراقي إلى "الاتحاد الوطني الكردستاني" الذي أسسه الرئيس العراقي الراحل جلال طالباني، وهو الحزب الكردي الثاني بعد "الحزب الديمقراطي الكردستاني" بزعامة مسعود بارزاني، داخل إقليم كردستان العراق.

ويمتلك الاتحاد الوطني علاقة استراتيجية مع إيران، لا سيما بعدما استعان بدعمها في القتال أيام الحرب الأهلية بين الحزبين الكرديين (1994- 1997)، بينما لاذ بارزاني بقوات صدام حسين لدحر قوات طالباني عن مناطق نفوذه. ومنذ ذلك الوقت، بات التحالف عميقاً بين الاتحاد الوطني والأحزاب الشيعية العراقية المعارضة للنظام العراقي السابق.

وكان صالح (59 عاماً) يُعَدّ الرجل الثاني داخل حزبه بالتوازي مع القيادي كوسرت رسول، وكلاهما شغل منصب نائب الأمين العام للاتحاد، لكن الصراع على زعامة الحزب بعد رحيل طالباني أفضى الى انشقاق صالح في أيلول/ سبتمبر عام 2017، معلناً تشكيل حزب جديد حمل اسم "تحالف العدالة من أجل الديمقراطية"، لكن مساعي إيرانية قادها الجنرال قاسم سليماني تمكنت من إعادة صالح إلى حزبه الأم بغية ترشيحه لمنصب رئيس الجمهورية، الذي هو عادة من حصة الاتحاد الوطني الكردستاني في السلطة المركزية في بغداد.

وكانت المساعي الإيرانية لإعادة صالح الى حزبه قد أتت نتيجة الصراع الحزبي الداخلي على ترشيح شخصية مقبولة لمنصب رئيس الجمهورية في بغداد.

امتعاض التيارات السياسية الشيعية الموالية لإيران من موقف الرئيس برهم صالح كان متوقعاً، بعد رفضه مرشحها لتشكيل الحكومة المؤقتة في ظل الاحتجاجات العارمة التي يشهدها العراق، والرافضة للوجود الإيراني

اتهمته بـ"الخيانة" و"الخرق الدستوري" و"الخضوع للإرادة الأمريكية"... قوى "تحالف البناء" تعتبر رفض تكليف صالح مرشحها لتشكيل الحكومة ضربة للتوافق السياسي، في ظل شيطنته إعلامياً عبر الفضائيات التابعة لها

يقول السياسي العراقي فالح الحمامي لرصيف22: "شخصية برهم صالح، كانت الأنسب لتبوؤ منصب رئيس الجمهورية، لكونه مقبولاً داخل الوسطين الشيعي والسني، ولا يمتلك نزعة انفصالية واضحة على غرار ما كشفته القيادات الكردية أيام الاستفتاء على تقرير مصير كردستان مع العراق نهاية عام 2017".

ويضيف أن "برهم صالح خطّ لنفسه خطاً معتدلاً، تمكن من خلاله من كسب ود الأطراف الشيعية التي دعمت رغبة إيران في زعامته للعراق، خصوصاً بعد الجدل الحزبي داخل الاتحاد الوطني الكردستاني، وعدم وجود شخصية من الممكن أن تحدث توازناً بين المركز والإقليم، فضلاً عن علاقات البلاد الدولية مع العالم".

وأفضى التوافق الكردي الشيعي إلى وصول صالح لرئاسة الجمهورية، وعادل عبدالمهدي لرئاسة الوزراء، فضلاً عن توافق سني جانبي مع الإيرانيين أدى الى تسمية محمد الحلبوسي رئيساً للبرلمان العراقي بدعم من التحالفين الشيعي (تحالف البناء تحديداً)، وكتلة الحزبين الكرديين الرئيسيين في كردستان.

لهذه الأسباب كان امتعاض التيارات السياسية الشيعية الموالية لإيران متوقعاً من صالح بعد رفض مرشحها لتشكيل الحكومة المؤقتة في ظل الاحتجاجات العارمة التي يشهدها العراق، والرافضة للوجود الإيراني والقوى المدعومة منها.

حرج سياسي

وفي التفاصيل أنه منذ عشية انتهاء المدة الدستورية لتكليف المرشح بتوليف الحكومة المؤقتة، كان قادة تحالف البناء قد أبرقوا رسالةً لرئيس الجمهورية تطالبه بتكليف مرشحهم أسعد العيداني صباح يوم 26 كانون الأول/ ديسمبر.

وقال مصدر مطلع في رئاسة الجمهورية إن "الرئيس برهم صالح تلقى رسالةً حملت توقيع نوري المالكي وهادي العامري ومحمد الحلبوسي وخميس الخنجر وفالح الفياض وقيس الخزعلي"، مبيناً أن "الموقعين على الرسالة طالبوا الرئيس بتكليف العيداني تشكيل الحكومة".

وكشف المصدر لرصيف22 أن "الرئيس كان في حرج سياسي، ووضع لا يحسد عليه، نتيجة الضغط الجماهيري الذي يطالبه بتكليف شخصية من خارج المنظومة السياسية النافذة والمتهمة بالفساد، وضغط الحلفاء السياسيين من الشيعة والسنة المؤتلفين في كتلة تحالف البناء".

وأشار الى أن "رئاسة الجمهورية عقدت ليلتذاك اجتماعاً مع هيئة مستشاريها لبحث أزمة تكليف المرشح لرئاسة الوزراء"، مبيناً أن "خياري الاستقالة أو الرضوخ طرحا في الاجتماع، لكن ثمة تهديداً إيرانياً بتخريب وضع صالح التنظيمي داخل حزبه، الاتحاد الوطني الكردستاني، لا سيما أن الأخير يشهد انتخابات داخلية".

من جهته، ينسب أستاذ العلوم السياسية محمد نعناع قدرة صالح على رفض المقترح الإيراني لإدارة المرحلة المؤقتة في العراق إلى "ذكاء الرئيس الشاب"، موضحاً أن "أمام صالح مستقبلاً سياسياً، وهو يحاول كسب الجماهير، لا سيما في بغداد، لما يحظى به من مقبولية لدى الوسطين الجماهيريين الشيعي والسني، خاصةً أن المرحلة المؤقتة هي 6 أشهر".

"صالح لا يتعامل مع الإيراني من منظار عقائدي، كما يتعامل الكثير من الساسة الشيعة المؤمنين بولاية الفقيه، بل هو حليف للإيرانيين لا أكثر، ومن الممكن أن يختلف معهم، كما يحصل حالياً".

ويعتبر في حديثه لرصيف22 أنه "كان من الصعب على رئيس الجمهورية القبول بالعيداني مرشحاً لرئاسة الحكومة على الرغم من التوافق الشيعي الكردي على إدارة البلاد منذ نهاية الانتخابات الماضية"، مؤكداً أن "صالح لا يتعامل مع الجانب الإيراني من منظار عقائدي، كما يتعامل الكثير من الساسة الشيعة المؤمنين بولاية الفقيه، بل هو حليف للإيرانيين لا أكثر، ومن الممكن أن يختلف معهم، كما يحصل حالياً".

شيطنة الرئيس إعلامياً

وفي سياق ذي صلة، اعتبرت قوى "تحالف البناء" تلويح صالح بالاستقالة من رئاسة الجمهورية وعدم تكليف مرشحها الحكومي، ضربة للتوافق السياسي.

ولم تكتف نشرات الأخبار لفضائيات أحزاب التحالف بنشر خبر عدم التكليف، بل ساهمت في تأويل رد فعل الرئيس العراقي لمصلحة المحتجين بـ"الخيانة" تارة و"الخرق الدستوري" تارة أخرى.

وقالت "قناة العهد"، التابعة لزعيم "عصائب أهل الحق" قيس الخزعلي (لديه كتلة من 15 مقعداً في البرلمان)، أن "صالح تعرض لضغوطٍ سياسية من أطراف مرتبطة بالسفارة الأميركية في بغداد بغية دعم التظاهرات التي تريد واشنطن من خلالها القضاء على النظام الشيعي في العراق".

واعتبرت القناة في افتتاحية نشرة أخبارها المسائية أن "الخرق الدستوري كان واضحاً من قبل رئيس الجمهورية".

أما "قناة الاتجاه" التابعة لـ"كتائب حزب الله" في العراق، فقد وصفت سفر صالح إلى مدينة السليمانية، شمال العراق، عقب إصداره بيان اعتذار تكليف العيداني، بأنه "تنفيذ لأوامر خارجية بهدف عرقلة التكليف وتأزيم الأوضاع وصولاً الى تحقيق مخططات تسعى الى مرشح على مقاسها".

واستعادت قناة "آي نيوز" الفضائية، الأرشيف الخبري للاستفتاء على انفصال كردستان عن العراق، ودور برهم صالح فيه، ووصفت مختلف الزعامات الكردية السياسية بـ"الانفصاليين".

ودعت القناة التابعة لميليشيا "كتائب سيد الشهداء"، بزعامة أبو آلاء الولائي، الحشد الشعبي الى أن "يضع حداً للمهزلة السياسية والأمنية في البلاد".

وظهر النائب عن "تحالف الفتح"، المقرب من طهران، عدي عواد في برنامج "وجهة نظر" على فضائية "دجلة" التابعة للزعيم السني جمال الكربولي، وهو يوجه إهانات لصالح، مطالباً العراقيين بـ"البصق على وجهه".

الاستقالة أو الإقالة

بدورهم، خيّر نواب من "تحالف الفتح" (48 مقعداً في البرلمان) رئيس الجمهورية بين الاستقالة أو الإقالة على خلفية رفض مرشحهم، وهو رفض جاء بمثابة دعمٍ معنوي لساحات التظاهر الرافضة سياسة القوى الإسلامية الحاكمة في العراق.

ويقول عبد الأمير تعيبان، نائب عن "الفتح"، لرصيف22: "الخطوة الأخيرة للرئيس برهم صالج لم تكن مبررة، والحجج التي أعطاها لم تكن منطقية، والدستور يحتم عليه تكليف مرشح الكتلة الأكبر بالبرلمان"، مبيناً أن "اعتراضه (صالح) على مرشح معيّن ليس دور رئيس الجمهورية بل الكتل المتنافسة، وإذا اعترض على مرشح معين يصبح طرفاً سياسياً غير محايد".

في حين يعتبر النائب محمد الغبان أن "عدم تكليف مرشح الكتلة الأكبر يدخل البلاد في فوضى ويهدد السلم الأهلي وسلامة ووحدة العراق"، لافتاً الى أن أمام صالح "الاستقالة أو الإقالة".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard