بين ارتفاع الأسعار وتشدد المشايخ... هل يحتفل الجزائريون بأعياد الميلاد؟

الأحد 29 ديسمبر 201903:02 م

يكتسي شارع ديدوش مُراد في العاصمة الجزائرية، هذه الأيام باللونين الأحمر والأخضر، حيث زُينت واجهات محلاته بشرائط حمراء وخضراء، إضافة إلى مستلزمات احتفالات رأس السنة الميلادية، مُعظمها صينية المنشأ، بينما تغيب دمى البابا نويل، وشجرة الميلاد.

الحد الأدنى من الاحتفال

ورُغم الحركة والانتعاش الكبيرين الذين يشهدهما هذا الشارع، الأبرز في العاصمة الجزائرية، النازل من كنيسة "القلب المقدس"، يمتد من مبنى "البريد المركزي" والكنيسة، ويمر على مبنى الجامعة المركزية، وساحة موريس أودان، إلا أن الإقبال عليها ضعيف.

تقول إحدى العاملات في أحد المتاجر المُطلة على مبنى الجامعة المركزية "بن يوسف بن خدة" لرصيف22: "أغلب الزوار يكتفون بالاستفسار عن الأسعار، ويهمون بالخروج بسبب ارتفاعها، فالأسعار شهدت ارتفاعاً ملحوظاً مقارنة بالعام الماضي، ومُعظم المحلات المنتشرة على طول الشارع كانت شبه فارغة".

ويحاول بعض الجزائريين الحفاظ على مظاهر الاحتفال بحدها الأدنى، حتى أنهم يستغنون عن شراء الكعكات والحلويات الخاصة برأس السنة، على غرار كعكة "لابيش" التي تُزين محلات الحلويات عشية حلول السنة الجديدة، وهذه الحلوى أصلها فرنسي، وتعنى جذع الشجرة أو الحطبة المخصصة للتدفئة.

ويقول محمد صاحب أحد المخابز في شارع ديدوش: "الطلب على هذه الكعكات المصنوعة من الفواكه الجافة أو الطازجة ومختلف الكريمات تراجع بشكل كبير في السنوات الأخيرة بسبب غلاء أسعارها حيث يصل بعضها إلى 80 دولاراً، بسبب تقهقر الدينار الجزائري، وتراجع القدرة الشرائية للجزائريين، حيث يكتفي العديد من محدودي الدخل بالاحتفال بالمناسبة في البيت بعيداً عن المطاعم الفاخرة والفنادق الفخمة".

يحتفل الشاب العشريني كمال مع عائلته بحلول العالم الجديد، يروي لرصيف22، وهو شاعر من محافظة الجنقة، تلك الأجواء في منزله: "والدتي تعكف على تحضير طبق الكسكس باللحم، والخضر، إضافة إلى الشاي والمكسرات التي تلتف حولها العائلة في السهرة".

ويعتبر تلك المناسبة فرصة لاجتماع العائلات الجزائرية، يقول: "الكثير من العائلات الجزائرية، تعتبر أن الاحتفال برأس السنة الجديدة، فرصة لاجتماع أفراد العائلة أو الأسرة أو الأصدقاء والأحباب على مائدة واحدة".

"الحياة تكون عادية عشية حلول السنة الجديدة، فبابا نويل لا يراه الأطفال سوى في الأفلام التي تبث على القنوات الأجنبية فقط، فالكل هُنا يرفضون الاحتفال بهذه المناسبة"
"تدني القدرة الشرائية للمواطن الجزائري لا يسمح لقطاع عريض من الجزائريين بالاحتفال برأس السنة، والمستهلك الجزائري أصبح يعتمد على المواد الأساسية فقط، بينما يضع هذه الاحتفالات في خانة الكماليات"

ليس كل العائلات تحتفل بتلك الطريقة، يقول كمال، فمظاهر الاحتفال بهذه المناسبة تختلف من منطقة إلى أخرى، والمجتمع الجزائري متعدد الثقافات.

الاحتفالات في المدن الكبرى

يختلف فادي تميم، عضو في جمعية حماية المستهلك الجزائرية، مع كمال، حيث يرى أن الاحتفالات تنحصر في المدن الكبرى فقط، وتنعدم في القرى والمداشر، والجزائر العميقة.

يقول تميم لرصيف22: "الوضع الاقتصادي للبلاد، وتدني القدرة الشرائية للمواطن الجزائري لا يسمح لقطاع عريض من الجزائريين بالاحتفال برأس السنة الميلادية، والمستهلك الجزائري أصبح يعتمد على المواد الأساسية فقط، بينما يضع الاحتفالات برأس السنة الميلادية في خانة الكماليات".

في المقابل يفضل قطاع آخر من الجزائريين، استقبال العام الجديد خارج أرض الوطن، بحسب مثناني أحمد أشرف، صاحب وكالة للسياحة والأسفار في مدينة مفتاح (مدينة صغيرة تقع شمال الجزائر).

ويشير أشرف إلى تفضيل الجزائري للوجهة التونسية، بالنظر إلى الأسعار المنخفضة وسهولة التنقل، ويقول لرصيف22 إن السياحة الصحراوية تأتي في المرتبة الثانية، فقطاع من السياح الجزائريين يبحثون عن الرمال، والطبيعة خاصة الشباب، والكهول، ومن بين المناطق التي يُفضل الجزائريون زيارتها: وادي سوف، مدينة الألف قبة وقبة، وتيميمون عروس الصحراء الجزائرية.

بينما ترى أحلام، صاحبة وكالة للسياحة والأسفار في مدينة "الشراقة" في الضاحية الغربية للعاصمة الجزائر، أن "السياحة خارج الوطن تلقى نصيباً أكبر منها داخل الوطن، فالجزائريون أصبحوا في السنوات الأخيرة يتوجهون بشكل كبير إلى تونس بحكم أسعارها المنخفضة، وبدرجة أقل إلى تركيا التي أبهرت السياح الجزائريين بفعل مناظرها الخلابة".

تشرح أحلام وجهة نظرها أكثر، في تصريح لرصيف22: "تركيا وتونس، دولتان تهتمان كثيراً باحتفالات رأس السنة الميلادية، حيث تقيمان على شرفها برامج ثرية لاستقطاب السياح الأجانب".

تحريم الاحتفال في خطب الجمعة

وتختلف الأوضاع كثيراً في بعض المدن، خاصة التي تحمل صبغة دينية محافظة، مثل تلك التي تقع في الضاحية الشرقية بالجزائر العاصمة، مثل الحراش، قهوة شرقي، الرغاية، والرويبة، حيث لا تكتسي شوارعها عادة الأخضر والأحمر في موسم عيد الميلاد، وتزين معظم الفنادق المنتشرة في هذه المدن الساحلية بشجرات يتيمات، وتختفي كعكات الميلاد من أفران المعجنات، فقطاع عريض من الجزائريين في هذه المناطق لا يحتفلون برأس السنة، ويرونه احتفالاً مخالفاً للشريعة الإسلامية.

وتقول جميلة، سيدة جزائرية في الأربعينيات من العمر، أم لخمسة أطفال لرصيف22: "الحياة تكون عادية عشية حلول السنة الجديدة، فبابا نويل لا يراه الأطفال سوى في الأفلام التي تبث على القنوات الأجنبية فقط، فالكل هُنا يرفضون الاحتفال بهذه المناسبة لأنه مخالف للشرع وقد يخرج الإنسان من الملة".

وتضيف المتحدثة، أن "أشجار الميلاد يتم نصبها فقط في الفنادق الفخمة، والتي يقصدها خليط من الجنسيات الأجنبية".

"أشجار الميلاد يتم نصبها فقط في الفنادق الفخمة".

ويُكثر الأئمة في تلك المناطق في خطب الجمعة الحديث عن حرمة الاحتفالات بأعياد الميلاد، يقول نقيب أئمة الجزائريين، جلول حجيمي، إن الاحتفال بأعياد الميلاد أمر عادي للمسلمين، لكن بدون "منكرات" و"محرمات"، في إشارة منه إلى الشرب في الحانات، والتدخين، والحفلات الصاخبة.

ويعود حجيمي، في تصريح لرصيف22، ويصف الاحتفال بأعياد الميلاد بأنها "عبادة غير صحيحة"، ولا تنتمي للمسلمين، وتعكس آراؤه معظم ما يسمعه الناس في خطب الجمعات في مدن العمق الجزائري، البعيدة عن العاصمة.

ويشير حجيمي إلى أن الاحتفال بهذه المناسبة تراجع بقوة، وانحصر في مناطق معينة، وأرجع ذلك إلى ما سماه "الخطاب المسجدي"، ووصفه بـ"المعتدل" و"الراقي"، حيث باتت هناك خطب مخصصة لتحذير الشباب من ممارسة "المحظورات"، و"المحرمات"، مثل الخمور، والرقص، والاختلاط.

ويُرجع مُحمد حديبي، ناشط سياسي حالي ونائب برلماني سابق، الانقسام المسجل داخل المجتمع الجزائري حول الاحتفالات برأس السنة الميلادية إلى وجود مجتمعين متناقضين في التوجه ونمط الحياة، وأحياناً في التوجهات الدينية والعقائدية.

يرى حديبي في تصريحات لرصيف22 أن الأغلبية المطلقة تصبغ حياتها بصبغة مسلمة، ترفض مثل هذه الاحتفالات، بينما هناك نمط آخر، يختار نمط حياة مختلف عن الأغلبية، ونمط معيشتها، وهو ما ترك الصراع يتجدد في كل مرة وفي كل مناسبة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard