لماذا يمرّ الوقت بلمح البصر عندما نكون سعداء؟

الجمعة 27 ديسمبر 201906:21 م

تخيلوا أنفسكم في السرير بسبب أزمة صحية مستجدة. ليس هناك الكثير لفعله. تقرؤون بضع سطور من إحدى الروايات، إلا أن التعب يسيطر عليكم فيمنعكم من التركيز، تقررون حينها تشغيل التلفاز، غير أنكم تعجزون عن متابعة أي برنامج. يبدو أن كل شيء عالق في مكان ما. الساعات تمرّ ببطء شديد وكأنها "دهر".

كيف يتعامل دماغنا مع الوقت؟ لماذا نشعر بأن الوقت "يطير" عندما نكون سعداء في حين أننا ننظر باستمرار إلى عقارب الساعة، والتي تبدو لنا "متوقفة"وجامدة في مكانها، حين نشعر بالملل؟

تعامل الدماغ مع الوقت

"الوقت بطيء جداً بالنسبة لأولئك الذين ينتظرون، وسريع جداً بالنسبة لأولئك الذين يخافون، وطويل للغاية بالنسبة لأولئك الذين يحزنون، وقصير جداً بالنسبة لأولئك الذين يفرحون، ولكن بالنسبة لأولئك الذين يحبون، فالوقت هو الخلود". (هنري فان ديك).

تعمل الساعات الأكثر دقة في العالم بطريقة منتظمة، بحيث أنها لا تتأخر إلا ثانية واحدة كل 300 مليون سنة، غير أن الدماغ يأخذ تلك الثواني الإيقاعية ويخلق لنفسه معنى خاصاً بالوقت، فنشعر أحياناً بأن عقارب الساعة تتسارع وينتهي الوقت بلمح البصر، في حين أنه في بعض الأحيان يمر الوقت ببطىء شديد فنخاله يزحف "كالسلحفاة".

لماذا لا يستطيع الدماغ البشري أن يحافظ على ثبات الوقت ودقته مثل الساعة العادية؟

في الواقع، إن الدماغ لديه إدراكه الخاص للوقت.

تعمل الساعات الأكثر دقة في العالم بطريقة منتظمة، بحيث أنها لا تتأخر إلا ثانية واحدة كل 300 مليون سنة، غير أن الدماغ يأخذ تلك الثواني الإيقاعية ويخلق لنفسه معنى خاصاً بالوقت، فنشعر أحياناً بأن عقارب الساعة تتسارع وينتهي الوقت بلمح البصر، في حين أنه في بعض الأحيان يمر الوقت ببطىء شديد

فقد أوضح عالم الأعصاب في مركز كولومبيا الطبي الدكتور مايكل شادلن أن إدراك الوقت للدماغ يعتمد على توقعاته له، فالدماغ يمكنه أن يمثل احتمال حدوث شيء ما على أنه لن يحدث.

وفي هذا الصدد، قال شادلن لموقع live science: "كل فكر له آفاق مختلفة، ففي الكتاب مثلاً تكمن الآفاق في نهاية كل مقطع لفظي ونهاية كل كلمة ونهاية كل جملة، وإلى ما ذلك"، كاشفاً أن الوقت يمضي وفق طريقة توقعنا لهذه الآفاق.

وأوضح شادلن أنه عندما نشغل أنفسنا بشيء ما، فإن دماغنا يتوقع "الصورة الكبيرة" ويرى كل الآفاق، سواء كانت قريبة أم بعيدة، ما يجعل الوقت يبدو وكأنه "يطير"، وفي المقابل عندما نشعر بالملل، فإن دماغنا يتوقع الآفاق الأقرب، مثل نهاية الجملة، عوضاً عن نهاية القصة، فتغدو الآفاق غير متماسكة، ما يجعل الوقت يبدو وكأنه "يزحف" ببطىء شديد.

هذا وأكد مايكل أنه لا يوجد جزء واحد في الدماغ مسؤول عن كيفية إدراكنا للوقت، بحيث أنه من المحتمل أن يشارك في هذه العملية أي مجال يثير الفكر والوعي.

بدوره، أوضح عالم الأعصاب في مؤسسة شامباليمود، جو باتون، أن هناك العديد من آليات إدراك الوقت في الدماغ، التي لا دخل لها بالساعة البيولوجية أو بكيفية ارتباط جسمنا بالدورة اليومية للأرض، بحيث تتضمن إحدى هذه الآليات السرعة التي تقوم بها خلايا الدماغ بتنشيط بعضها البعض، وتشكيل شبكة عند القيام بنشاط ما، مشيراً إلى أنه كلما كانت مسارات تلك الخلايا العصبية أسرع، كلما وجدنا أن الوقت يمرّ بشكل أسرع.

أما الآلية الأخرى فتنطوي على المواد الكيميائية في الدماغ، فقد وجد باتون أن مجموعة من الخلايا العصبية المسؤولة عن إطلاق الدوبامين (هرمون السعادة) تؤثر على طريقة إدراك الدماغ للوقت: عندما يكون المرء مستمتعاً، تكون هذه الخلايا أكثر نشاطاً ويتم إطلاق الدوبامين بمستويات عالية، وعليه يحكم العقل على أن الوقت يمر بشكل أقل من الوقت الفعلي، وبالعكس تماماً، عندما لا يكون المرء مستمتعاً فإن هذه الخلايا تفرز كميات أقل من الدوبامين، فيبدو أن الوقت يمر ببطء أكثر من المعتاد.

العلاقة بين الشخصية والوقت

كم مرة شعرتم أن الوقت يمر بسرعة عندما يكون يومكم حافلاً بالنشاطات، وكم مرة شعرتم بأن الوقت بطيء عندما كنتم تنتظرون بفارغ الصبر حدوث شيء ما (فكروا مثلاً في الطفل الذي يسأل مراراً وتكراراً عن الوقت المتبقي لفتح الهدايا)؟

الحقيقة أنه ليس من الواضح لماذا أدمغتنا ليست دقيقة بشكل منهجي عند تتبع الوقت، ولكن يمكن لهذا أن يكون مرتبط بمسألة التطلع إلى شيء ما، وفق ما كشفته عالمة الأعصاب ميران أيريش، من جامعة سيدني، بالقول: "إذا كنا ننتظر حدوث شيء ما، يمكن أن يمتد الوقت ونشعر أنه قد مضى وقت أطول".

هذا ويمكن للوقت أن يبدو بطيئاً في حال كان المرء يتمتع بشخصية مندفعة، فيشعر بالغضب والقلق عندما لا يحصل على الفور على ما يريده.

ففي دراسة أجراها عالم النفس الألماني مارك ويتمان، أجبر خلالها الناس على الجلوس في غرفة دون أن يفعلوا شيئاً لمدة 7 دقائق ونصف، واللافت أن المشتركين شعروا بأن الوقت قد مر بشكل مختلف، اعتماداً على شخصيتهم، فالبعض اعتبر أن المدة كانت عبارة عن دقيقتين ونصف، في حين أن الأشخاص المندفعين شعروا بأن المدة وصلت إلى 20 دقيقة، ما يعني أن العوامل الخارجية ليست وحدها المسؤولة عن تصورنا للوقت، إنما تلعب شخصيتنا دوراً في هذا المجال.

أين ذهب كل هذا الوقت؟

في سياق الحديث عن إشكالية الوقت، هناك سؤال قد يتبادر إلى ذهننا: لماذا نشعر بأن الزمن يمر بسرعة كلما تقدمنا في العمر؟

يشعر الكثير منّا بأن الوقت يمر بشكل أسرع كلما تقدم به العمر، وهو إحساس يمكن أن يؤدي إلى الشعور بالندم.

وفي هذا الصدد، تقول الأخصائية في علم النفس كلوديا هاموند، أن الإحساس بأن الوقت يمر بسرعة مع التقدم في العمر هو واحد من أكبر الألغاز المرتبطة بالإحساس بالوقت.

وقد أسفرت بعض المحاولات الرامية إلى حل هذا اللغز عن بعض النتائج المثيرة.

ففي العام 2005، أجرى كل من مارك فيتمان وساندرا لنهوف، وهما عالمان نفسيان كانا يعملان في جامعة لودفيج ماكسميليان في ميونخ، مسحاً شمل 499 شخصاً، تراوحت أعمارهم بين 14 و94 سنة، بحيث طُلب من المشتركين وصف شعورهم بسرعة مرور الزمن، بتعبيرات تبدأ من وصفه بأنه يمر "ببطء شديد" إلى وصفه بأنه يمر "بسرعة شديدة".

وقد تبيّن أنه بالنسبة للفترات الزمنية القصيرة، مثل أسبوع أو شهر أو حتى سنة، لم يبد أن تصور الأشخاص للوقت يزداد مع التقدم في العمر، بحيث أن معظم المشتركين شعروا بأن عقارب الساعة تمرّ بسرعة أكبر، أما بالنسبة للفترات الزمنية الأطول، كعقد من الزمن، فقد برز نمط محدد بين المشتركين: يميل كبار السن إلى الاعتقاد بأن الوقت يمر بشكل أسرع، وعندما طُلب منهم أن يتأملوا ما مضى من حياتهم، فإن المشتركين الذين تجاوزوا سن الأربعين شعروا بأن الوقت قد مر ببطء في طفولتهم، لكنه بعد ذلك أخذ في التسارع بانتظام خلال سنوات المراهقة حتى بلوغهم سن الرشد.

هناك أسباب وجيهة وراء المشاعر التي يختبرها كبار السن، فعندما يتعلق الأمر بكيفية إدراك للوقت، يمكن أن يقدّر البشر طول الحدث من منظورين مختلفين: المنظور الاستشرافي أثناء وقوع الحدث والمنظور الاسترجاعي، أي بعد انتهاء الحدث، بالإضافة إلى أن النظرة إلى الوقت تختلف باختلاف ما نقوم به وشعورنا حياله.

في الواقع، إن الانخراط في عمل جديد يجعل الوقت يبدو وكأنه يمر بسرعة أكبر في وقت أداء ذلك العمل، أما إذا تذكرنا هذا العمل لاحقاً، فسوف يبدو أنه استغرق وقتاً أطول من تجارب أخرى أكثر رتابة.

والحقيقة أن الدماغ البشري يعمل على تحويل التجارب الجديدة إلى ذكريات، ويكون حكمنا على الوقت، من المنظور الاسترجاعي، ويستند على عدد الذكريات الجديدة التي نخلقها خلال فترة معينة، فكلما ازداد مثلاً عدد الذكريات الجديدة التي نبنيها خلال إحدى الرحلات في عطلة نهاية الأسبوع، كلما بدت هذه الرحلة أطول عندما ننظر إليها في وقت لاحق، هذه الظاهرة أطلقت عليها كلوديا هاموند، مصطلح "مفارقة الإجازة" Holiday Paradox، وهي تقدم واحدة من أفضل الأدلة التي تساعدنا على فهم لماذا يبدو الوقت وكأنه يمضي بسرعة أكبر كلما تقدمنا في العمر.

ومن الطفولة إلى مرحلة بدايات البلوغ، يكون لدينا العديد من التجارب الجديدة كما أننا نتعلم مهارات جديدة لا حصر لها، ولكن كبالغين، تصبح حياتنا أكثر رتابة، فنمر بفترات أقل من اللحظات المميزة، ونتيجة لذلك تبدو السنوات المبكرة من عمرنا ذات حضور أكبر نسبياً في ذاكرة السيرة الذاتية، وعند تأملها تبدو وكأنها استمرت زمناً أطول.

بإمكاننا أن نبطئ وتيرة مرور الزمن في وقت متأخر من حياتنا، فيمكننا تغيير تصوراتنا للزمن من خلال الحفاظ على نشاط الدماغ، تعلم مهارات وأفكار جديدة باستمرار، استكشاف أماكن جديدة وخوض مغامرات تعيد لنا أيام شبابنا وتذكرنا بما مضى

بمعنى آخر عندما نقوم باسترجاع ذكريات الطفولة، يبدو كل شيء وكأنه جديد بالنسبة لنا، لأن دماغنا كان قد شكل وقتها خلايا عصبية كثيفة، لكي نتذكر المناسبات والمواقف والتجارب، لكن عند البلوغ، نكون قد مررنا بالعديد من المواقف، عندها لا يستعجل دماغنا على حفظ هذه الذكريات، فنعود بالذكريات إلى الطفولة والشباب، ونسأل أنفسنا: أين ذهب كل هذا الوقت؟

هذا بالطبع قد يكون مصدر قلق بالنسبة للأفراد الذين يشعرون بأن الوقت ينفذ منهم، إلا أنه يعني أنه بإمكاننا أن نبطئ وتيرة مرور الزمن في وقت متأخر من حياتنا، فيمكننا تغيير تصوراتنا للزمن من خلال الحفاظ على نشاط الدماغ، تعلم مهارات وأفكار جديدة باستمرار، استكشاف أماكن جديدة وخوض مغامرات تعيد لنا أيام شبابنا وتذكرنا بما مضى، فنحن نكتب قصة حياتنا في كل دقيقة ومع كل نبضة قلب ونفس نتنفسه، وعليه من المهم أن نتعلم كيف نعيش الوقت الذي أُعطي إلينا.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard