"تخليت عن أحلامي وكبرت بسرعة"...ماذا يعني أن تكوني أما تونسية في الصغر؟

الجمعة 27 ديسمبر 201904:24 م

يروّج المجتمع التونسي مفاهيم عن الأمومة تصب غالباً في كونها تجربة مدهشة، تستحق الخوض مبكراً، والصور المتداولة لأطفال باسمي الثغر، مهندمين إلى جانب أمهات فرحات، لا تروي بصدق ما يجري وراء الأبواب المغلقة.

راوية عمري (25 عاماً) موظفة، تزوجت منذ سنتين من حبيبها الذي يكبرها بسنة، بعد قصة حب جارفة، وهي الآن أم لطفل بعمر السنة وأربعة أشهر.

لم تخطط هي وزوجها للإنجاب مبكراً، واتفقا على تمضية سنتين أو أكثر دون أطفال، للاستمتاع والسفر، لكن الأمور لم تجر على هواهما، ودفعتهما ضغوط العائلة للتخلي عن اتفاقهما، وبالتالي أصبحت راوية أمّاً قبل عمر الـ23.

"سجينة الأمومة في عمر مبكر"

تقول راوية لرصيف22: "وجدت أمي تسألني هل أنت حامل؟ لماذا تأخرت؟ أخبرتها أنني لا أنوي تجربة الأمومة الآن، ولكنها ألحَّت، وظلَّت تقنعني بأن الناس يتحدثون عن وجود مشاكل لديها وزوجها بالإنجاب".

بدأت والدة راوية تتحدث معها عن السحر والشعوذة، وعن وجود ظروف "وهمية" تمنع حملها، حاولت جاهدة إقناعها ببطلان هواجسها، لكنها ظلت تصر حتى استسلمت هي وزوجها لضرورة الإنجاب لتجنب هذا الإلحاح، وكلمات حماتها أيضا بين الحين والآخر عن فرحتها فيما لو أنها شاهدت حفيدها بأسرع وقت ممكن.

"منتشية بإحساس كائن صغير يعيش داخلي".

"في فترة الحمل استطعت التأقلم مع الحالة"، تضيف راوية، "فقد كنت منتشية بإحساس أن هناك كائناً صغيراً يعيش داخلي، وبدأت أستسيغ فكرة أنني سأصبح أمّاً في القريب. أعددت الملابس، والسرير، وكل مستلزمات الطفل القادم، معتقدة أنه الأمر الأكثر تعقيداً لكن كانت مجرد خيالات. جاءت ابنتي وكانت سعادتي بقدومها لا توصف، وسرعان ما اكتشفت أنني لست مستعدة لهذا الدور، بكاء طفلتي المستمر بات يزعجني، ولا أعرف كيف أوقفه، تغيير الحفاضات المستمر، وأشياء كثيرة باتت ترهقني، رغم مساعدة حماتي التي تسكن على مقربة مني".

وعن تجربتها النفسية كأم، تقول راوية: "لا أنكر حبي لابنتي وسعادتي بوجودها الآن بعد أن استسلمت لدور الأم، ولكن مازلت أقول ليت هذا حدث بعد سنوات. لم يعد بوسعي الخروج مع زوجي لأي مشوار طويل، فتفكيري بات محصوراً حولها، فكرة السفر تأجلت لمواعيد غير معلومة، فلا أستطيع تركها عند جدتيها والسفر بأريحية، وليس بوسعي تحميلها مشقة السفر وهي في هذا العمر. وجدتني سجينة هذا الوضع في عمر مبكر".

أما عن تأثير مشاعرها تلك في علاقتها بابنتها، تقول: "ابنتي الآن قدَر أريد أن أجعله جميلاً، وأمنحه كل الحب، ولكن لن أغفر لأمي لأنها المسؤولة عما آلت إليه حياتي".

"سرعان ما اكتشفت أنني لست مستعدة لهذا الدور، بكاء طفلتي المستمر بات يزعجني، تغيير الحفاضات المستمر، وأشياء كثيرة ترهقني، ليته حدث بعد سنوات"
"جلست أمام المرآة، أتحسس جسدي، كم شاخ في عمر كان يفترض أن يكون في منتهى نضارته، تأملت حياتي: ما الذي تحقق فيها من الأحلام؟ لا شيء سوى إنجاب الاطفال"

رغم تأخر سن الزواج في تونس عموماً، إلا أنه في الكثير من المناطق، بما فيها الحضرية، مازالت الأسر تتجه للزواج المبكر، بل وتؤمن ببعض الأفكار المتوارثة اجتماعياً، والتي تؤيد أن مسألة الإنجاب بسرعة كفيلة بكبح جماح الرجل، وربطه أكثر ببيت الزوجية، على غرار ما حدث مع رتاج.

تقول رتاج، (32 عاماً)، تعمل مدرسة في العاصمة تونس: "أقنعتني والدتي والمحيط الذي نشأت فيه أن الطفل يربط الرجل بالبيت، ويثنيه عن الإقدام عن تركه والذهاب إلى امرأة أخرى، لهذا تخليت عن دراستي الجامعية لأنجب طفلي الأول. رغم صعوبة المهمة لصغر سني إلا أن مساعدة والدتي مكنتني من تخطي امتحان الأمومة بنجاح".

"لا شيء في شبابي سوى الإنجاب"

في البداية رأت رتاج سعادة زوجها الكبيرة بالطفل، وشجعها لننجب أطفالاً آخرين بسرعة، الأمر الذي جعلها تتوهم أن نظرية والدتها بشأن الرجل والأطفال صحيحة، تقول لرصيف22: "لهذا اندفعت نحو الإنجاب دون الانتباه لكوني أتخلى عن حلم مواصلة دراستي الجامعية، ودخول سوق الشغل، وتحقيق استقلاليتي. مع مجيء ابني الرابع لم أر ذات الفرح على وجه زوجي، فخفت وبدأت أتساءل ما السبب؟ عندها اكتشفت بمرارة أن الإنجاب جعلني أكبر بسرعة، وأفقدني بريقي كأنثى في عمر مبكر، وشعرت أن زوجي بات يبحث عن تلك الأنثى الجميلة الأنيقة خارج البيت".

"وأذكر أنني جلست يوماً أمام المرآة"، تقول رتاج عن أكثر اللحظات تأثيرا فيها، "أتحسس جسدي لأرى كم شاخ وكم فقد من رشاقته، في عمر كان يفترض أن يكون في منتهى نضارته، تأملت حياتي: ما الذي تحقق فيها من الأحلام التي أردت؟ لا شيء سوى إنجاب الاطفال والانغماس في تربيتهم للحد الذي نسيت فيه الاهتمام بنفسي".

"طالبت زوجي بتحمل المسؤولية معي، وأن دوري لن ينحصر كمربية أطفال".

"كانت أصعب مواجهة أخوضها مع نفسي، جاءت متأخرة نعم ولكن المهم أنني أفقت. وفي أحد الأيام أعددت نفسي كما ينبغي لامرأة في عمري أن تكون، وانتظرت عودة زوجي، شاهدت اندهاشه بهذا التحول، عندها أجلسته في زاوية وسألته لماذا تركني أقع في فخ إنجاب هذا العدد في هذا العمر؟ لماذا لم يذكرني بأحلامي وبجمالي الذي بدأ يتلاشى باكراً؟ لماذا تركني أسقط فيما طرق الأبواب في الخارج؟ كانت إجاباته باهتة ومرتبكة، ولكنني كنت مصرة على تدارك ما حدث، فطالبته بتحمل المسؤولية معي وأن دوري لن ينحصر كمربية أطفال. عقدت اتفاقاً أن يخصص مربية تساعدني في العناية بالأطفال، فيما أتفرغ لاستكمال دراستي الجامعية، وأن يساعدني في إيجاد عمل مناسب لي، باعتباري سأدرس ذات الاختصاص الذي يمتهنه أو ننفصل".

"أنجبت مبكرا بإرادتي"

ليست كل البنات اللواتي أنجبن مبكرا، يشعرن بالأسف، بعضهن هي التي اختارت الإنجاب، وتمكنت من إقامة التوازن بين طموحها، وتربية الأطقال، مثل منوبية (24 عاماً)، وهي صاحبة مشروع فلاحي، أم لطفلين، الأكبر بعمر الخمس سنوات والثاني بعمر السنتين، أنجبت بإرادتها في عمر الـ19. رغم أنها كانت متفوقة في دراستها، لكنها اختارت الانقطاع والزواج والإنجاب، وتنفيذ مشروع فلاحي ناجح في قريتها، في محافظة سيدي بوزبد.

تقول منوبية: "رغم نبوغي الدراسي، ولكن شغفي بتكوين أسرة كان أكبر، لهذا لم أتردد عندما اقترح خطيبي آنذاك الزواج، وباتفاق بيننا أنجبت بسرعة. والأمومة بالنسبة لي هي أحد أجمل تجارب حياتي على الإطلاق، رغم صعوبتها ودقتها، ولكنني وجدت نفسي مهيأة لاستقبالها، وقد ساعدني وجود أمي إلى جانبي في البداية على تجاوز بعض الصعوبات. وجود أبنائي في عمري الصغير لم يشعرني بأنني أكبر بل على العكس، كان يعيدني إلى طفولتي أكثر أي وقت مضى، كما لم يمنعني من تحقيق المشروع الذي كنت أصبو إليه في قريتي".

تقول منوبية لرصيف22: "الأمومة المبكرة حفزت بداخلي هاجس الإبداع، والعطاء، والمسؤولية، أكثر من أي شيء آخر".

ويرى الخبير الاجتماعي سامي نصر أن الأمومة المبكرة ليست إشكالاً حقيقياً إذا تم تهيئة الظروف الملائمة لها، وإذا كانت بناء على اتفاق الزوجين، لكنها تصبح مشكلاً حقيقياً فيما لو تمت بضغوط من العائلة الموسعة أو المجتمع عموماً.

ويقول نصر لرصيف22: "لا يمكن التعميم والحكم على الأمومة المبكرة على أنها مشكلة، لأنها لا تشكل عائقاً أمام نجاح المرأة، فيما لو قرار الإنجاب يأتي بناء على رغبتها وبالاتفاق مع زوجها، لأن ذلك يعني أن المسؤولية ستكون مشتركة. بل يمكننا الذهاب لاعتبار هذه المسألة أمراً مقبولاً بالنسبة للأزواج الذين يريدون الإنجاب في عمر مبكر، من منطلق إيمانهم بأن فرصة اللعب والصداقة مع أبنائهم تكون أكبر في هذا السن، وأنها تصبح أكثر صعوبة في سن متأخرة".

"لكن عموماً مسألة الأمومة المبكرة وعدمها أصبحت أمراً مرتبطاً بنمط حياة المجتمع التونسي"، يستدرك سامي نصر، "الذي أصبحت فيه المرأة لا تلتفت للزواج إلا بعد إكمال دراستها وتحصيل عمل مناسب، وبالتالي قد تكون الأمومة المبكرة في هذه الحالة عائقاً ومخالفة للنمط السائد الذي فرض".

واشار نصر إلى أن غلبة النزعة الفردانية وغياب العائلة الممتدة تجعل من الأمومة المبكرة صعبة، لأنه في السابق كان هناك حضور للجدات في حياة الأزواج الجدد، الأمر الذي يساعد الأمهات اللاتي يخضن الأمومة في عمر مبكر على التغلب على هذا الامتحان بيسر، في حين أن مبدأ الاستقلالية عن الأهل يعقد مهمة الأمومة على الأم، خاصة عندما تكون في سن صغيرة.

وانتقد نصر تدخل العائلة والمجتمع في عملية الإنجاب، والضغط على الأزواج لخوض التجربة دون رغبة منهم، مشدداً على ضرورة أن يكون الأمر نابعاً من إرادة الزوجين لا غير.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard