في القرنين الماضيين انقلبت موازين العالم لصالح الغرب على حساب الشرق، لماذا؟

الاثنين 23 ديسمبر 201908:25 ص

نتكلم لغتهم ونتعلم علومهم، نشاهد أفلامهم وندرس فنونهم، نرتدي أزياءهم، تتحرك عجلة الاقتصاد العالمي وفق بورصاتهم، ونضبط ساعاتنا بفارق تواقيتهم، فكيف حصل أن هيمن الغرب على الشرق بهذه الطريقة؟ ربما لم يكن مثل هذا السؤال منطقياً قبل 250 سنة، وتحديداً قبل الثورة الصناعية في أوربا، لأن العالم كان ينظر للشرق بعين الإعجاب والتقدير.

ثم فجأة تغير كل هذا بطريقة متسارعة جعلت الغرب نفسه يتساءل عما حصل. ألم تكن الحضارة الصينية إحدى أهم الحضارات في العالم خلال ثلاثة قرون من الازدهار والتقدم؟ ألم يحكم العرب، ومعهم الفرس المسلمون، العالم لخمسة قرون ذهبية، كانوا فيها الأبرز في العلوم والفنون والصناعة؟ والآن، نلتفت  للنظريات التي قدمها الغرب نفسه في تفسير  أسباب وبدايات سيطرة الغرب على العالم.

نشير إلى أن المقالة تعتمد مفاهيم الامتياز ضمن إطار تقليدي (أي الاقتصاد والهيمنة السياسة والقوة العسكرية)، فخارج هذا الإطار، في المعايير الإنسانية والاجتماعية، لا يمكن الحديث عن "تفوق" شعب أو فئة على أخرى، لأن كل شعوب العالم تسهم بطريقتها في بناء الإنسانية.  

التفوق العرقي والحضاري للغرب

في محاضرته التي ألقاها في معهد الدراسات الاستشراقية في شيكاغو، يضعنا المؤرخ وعالم الآثار إيان موريس، أمام نظريتين لمؤرخين سابقين كان قد طرحهما في أحد كتبه، وهما معتمدتان في الثقافة العامة  الأوروبية لفهم هذا التساؤل.

النظرية الأقدم تزعم بـ"حصرية الثقافة" على الغرب وذلك بسبب "تفوقهم العرقي الأزلي"، فالعلم والثقافة لطالما كانت حكراً على الأوربيين بسبب تشربهم للحضارة الفريدة التي اخترعها الإغريق في أثينا، والتي اعتقدوا أنها الأفضل في العالم، وبالتالي تمنحهم التفوق على كل شعوب الأرض. هذه الحضارة التي تناقلتها الأجيال عبر أوربا وورثتها الشعوب الغربية، جعلتهم أكثر عقلانية ودينامية وحصرت التفوق على باقي الأمم في الغرب من 3500 سنة. هنا تجدر الإشارة إلى النقد الواسع الذي تلقته هذه النظرية، بسبب أسسها العنصرية، والتي هي في نفس الوقت منافية للحقائق الثقافية والتاريخية. 

وقد عزا آخرون حصرية هذه السيطرة في الغرب لأنظمة الحكم المركزية، كالتي كانت في الإمبراطوريات الهندية والفارسية والصينية، وقد طرح هذه النظرية كارل ماركس ضمن عموده الصحفي في صحيفة الديلي تريبيون الأمريكية، واعتقد أن "الدول الشرقية بقيت لآلاف السنين هي المهيمنة والقوية فتوقف مجرى تطورها التاريخي"، بينما تطورت أوربا من العصر القديم إلى النظام الإقطاعي إلى النظام الرأسمالي إلى الثورات العمالية التي أعلنت النظام الشيوعي. لكن الشرق كان غارقاً في أنظمة الحكم المطلق الاستبدادية وغير قادر على المشاركة في المسار التقدمي الغربي.

وقد طور هذه النظرية لاحقاً بعد الشيوعية، زاعماً أن الحركات الثورية الشعبية قد تستطيع إيقاظ الشرق من رقاده الطويل.

وقد ذكر البيولوجي والجغرافي جاريد دايموند في كتابه "أسلحة، جراثيم وفولاذ"، أن هذه الأنظمة لعبت دوراً عسكرياً إلى جانب دورها السياسي. وبرأيه فإن أوربا هيمنت على العالم الحديث لأن الطبيعة الجغرافية للجزر الأوربية سهّلت على الممالك الصغيرة أن تتماسك بوجه المحتلين، ففضلت نظام الدول المنفصلة، بينما الساحل الدائري للصين فضّل الحكم المركزي بدلاً من إمارات منفصلة، الأمر الذي أنهك قوته العسكرية وقوّضها.

لكن السياسة لم تكن العامل الوحيد الذي اقترحه المنظرون المناصرون لنظرية التفوق الحضاري الغربي، فقد ذكر المنظر الاقتصادي ديفيد لانديس في كتابه "ثراء الشعوب وفقرها"، أن الوباء والاكتظاظ السكاني في الشرق كانا دائماً لصالح أوروبا، لكنه يضيف أن الكثافة السكانية لعبت دوراً لصالح الحكم المركزي في الصين، وأضعفت من دوافع الحكام في التضييق على بعثات الاستكشاف واستغلالهم لها استعمارياً (مثل رحلات الأدميرال الصيني زينغ هي).

دور المصادفة التاريخية في الهيمنة الغربية

لقد نشأت نظرية أخرى حديثة يزعم فيها المؤرخون أن الغرب لم يعد يحكم العالم كما كان في السابق، وأن الحضارة لم تكن حكراً على الأمم الغربية منذ الماضي البعيد، لكن الغرب بعد القرن الثامن عشر، وتحديداً عشية حرب الأفيون التي جرت بين الصين وبريطانيا، تفوق على الشرق بمحض المصادفة، والمناصرون لهذه النظرية يعتقدون أن حضارتي الشرق والغرب بقيتا متشابهتين حتى أواخر القرن التاسع عشر.

ومن المروجين لهذه النظرية المؤرخ الصيني بين وانغ في كتابه "تحولات الصين"، ويؤكد فيه أن العالم خارج أوروبا لديه "ديناميات التغيير التاريخية" الخاصة به، وقد تكون هذه الديناميات موازية أحياناً لتلك في أوروبا ومختلفة في أحيان أخرى. وبالنسبة له فإن النظر في أوجه التشابه والاختلاف، يمكن أن يقودنا إلى فهم جديد للتاريخ، ليس فقط في العالم خارج أوروبا ولكن في أوروبا أيضاً.

وبالرغم من أن يونغ لا يبخس الإنجاز الغربي حقه، إلا أنه يعتقد أن هذا الإنجاز أصبح ممكناً فقط في نهاية القرن الثامن عشر فقط، حين ظهرت في أوروبا إمكانيات جديدة دفعت أجزاء منها إلى عصر الرأسمالية الصناعية الكاملة، مع اكتشاف مصادر جديدة للطاقة وتطورها من الفحم إلى البخار إلى الكيماويات والكهرباء، ما أدى إلى إمكانيات هائلة في الإنتاج في أوربا القرن التاسع عشر، بينما كان افتقار الصين إلى الإمكانية المماثلة للوصول إلى مصادر الطاقة المعدنية يمثل عقبة رئيسية في التطور، إضافة إلى المشكلة الناجمة عن مساحة الصين وكثافتها السكانية.

لماذا لم تحدث الثورة الصناعية في الصين؟

يميل بعض المؤرخين للاعتقاد بأن موقع الشرق الجغرافي والحضاري جعله مهيئاً لحصول الثورة الصناعية أكثر من الغرب، حتى تدخلت حوادث طارئة حرفت الشرق عن مساره.

من مناصري هذه النظرية عالم الاجتماع أندريه فرانك، الذي يجادل أن بُعد وعزلة أوربا جعلاها يائسة للدخول إلى أسواق آسيا حيث تمركز الثراء الحقيقي، ولذا حاول الأوربيون قبل ألف سنة أن يشقوا طريقهم إلى الشرق الأوسط بالقوة، عبر الحملات الصليبية، وعندما لم ينجحوا أبحر كولومبوس غرباً، وقد فشلوا لأن أمريكا اعترضت طريقهم.

وبرأي فرانك أن اقتصاد الصين في القرن السادس عشر كان متعاظماً إلا أنه واجه شحاً في موارد الفضة، ولما كانت أمريكا غنية بالفضة فقد استجابت أوربا للاحتياجات الصينية، فجعلوا سكان أمريكا الأصليين يحفرون بأظافرهم ليستخرجوا 150 ألف طن من الفضة من جبال البيرو والمكسيك، ذهب ثلثها للصين، وعلى حد تعبير فرانك: "العبودية الوحشية للعاملين بالفضة اشترت للغرب مقعداً في الدرجة الثالثة على متن قطار الاقتصاد الآسيوي".

ينسب فرانك تفوق الغرب لانحدار الشرق بعد تقلص مخزون الفضة، وليس بسبب العبقرية الأوربية، وفي هذه الظروف حصلت الثورة الصناعية في أوروبا بينما كان أجدر بها أن تحدث في الصين، ولأنها بدأت في بريطانيا "ورث الغرب العالم"، على حد تعبير فرانك.

كيف بدأت هيمنة الغرب على العالم؟ تدور في العالم العربي نظريات عدة حول ذلك، ولكن ماذا يقول الغرب عن نفسه؟ وما هو والمنظور الجديد في النظر إلى علاقة الغرب بالشرق؟ 

العامل الحاسم في قلب موازيين العالم لصالح الغرب في القرنين الأخيرين لم يكن له علاقة بـ"التفوق العرقي" ولا بسقف الحريات السياسية والاجتماعية ولا بـ"عبقرية" القادة الأوربيين 

قوة إنكلترا البروتستانتية، نتيجة عيار ناري لم يصب

حصلت معركة بويني في عام 1690 بين قوات الملك المخلوع جيمس الثاني، ملك إنجلترا وأيرلندا، وقوات الملك ويليام الثالث، القائد البروتستانتي المطالب بعرش انكلترا، وأسفرت عن فوز ويليام، فكانت هذه المحاولة الفاشلة من الملك جيمس لاستعادة التاج البريطاني هي السبب في ضمان استمرار صعود البروتستانتية في أيرلندا.

هذه الحادثة هي ما جعلت عالم الاجتماع جاك غولدستون يعتقد أن بضع مصادفات كانت لتكون كفيلة بتغيير العالم كلياً، فبرأيه أن كلا من الشرق والغرب كانا متجهين للانحدار على مشارف القرن السابع عشر، بداية من إنكلترا وانتهاء بالصين، وذلك بسبب الأوبئة والحروب وسقوط الإمبراطوريات، غير أن ثورة الغرب على الأفكار المسيحية الكاثوليكية هي التي مهدت الطريق نحو الثورة الصناعية، إلا أن أياً من هذا لم يكن حكراً على الغرب باعتقاد غولدستون، بل من فعل المصادفة. فمثلاً، في معركة بوين، أصابت طلقة من بندقية كاثوليكية منطقة الكتف من درع ويليام، ولو أنها كانت أخفض ببضعة إنشات لما بقيت إنكلترا بروتستانتية ولسيطرت فرنسا على أوربا، وربما لم تكن لتحدث الثورة الصناعية في الأصل، بحسب غولدستون.

الانحراف الكبير، كيف انحرف العالم عن انحداره؟

يروّج مؤرخون لاعتقاد يقول إن منتصف القرن الثامن عشر كان يحمل كارثة بيئية لكل من الشرق والغرب، فقد تسارع النمو السكاني أكثر من طاقة العالم على المواكبة، وكل هذا جعل حدوث الثورة الصناعية ضربة حظ تاريخية في حياة الشعوب واستمراريتها.

ويذهب المؤرخ كينيث بوميرانتز في كتابه " الانحراف الكبير"، للقول إن الثورة الصناعية كانت حدثاً غريباً بعد أن استنفذ الناس كل فرصهم الممكنة لتوسيع وتقوية الزراعة ونقل السلع وإعادة تنظيم أنفسهم، وأوشكوا على الوصول إلى أقصى ما يمكن مع التكنولوجيا الموجودة لديهم، وكانت هناك كل الأسباب لتوقع الركود العالمي وانخفاض عدد السكان، ما بين القرنين التاسع عشر والعشرين.

ومع كل هذا فإن القرنين الأخيرين قد شهدا نمواً اقتصادياً غير مسبوق في تاريخ العالم. ويقترح بوميرانتز أن السبب لهذا هو أن الحظ حالف ممالك أوربا الغربية، وعلى رأسها بريطانيا، باكتشافهم للأمريكتين، وهذا ما خلق نظاماً تجارياً وفر دوافع لتصنيع الإنتاج، إضافة إلى استثمار حقول الفحم في بريطانيا والذي استخدم كمولد للطاقة كبديل عن الخشب، فأنقذتها من النقص في مخزونها من الغابات.

لماذا لم يكتشف العرب أمريكا؟

يتناول المؤرخ برنارد لويس في مقاله المنشور في مجلة الأتلانتيك بعنوان "ما الخطأ الذي حدث؟"، موضوع ابتعاد العرب والمسلمين عن الحضارة، ويتساءل لماذا أبحر مكتشفو أمريكا من إسبانيا بدل أن يبحروا من أحد الموانئ العربية على المحيط الأطلسي؟ وخاصة وأن رحلات استكشافية عربية كهذه كانت تتم في الماضي، ولماذا بدأت الاكتشافات العلمية والصناعية تظهر في أوربا بدلاً من النطاق الإسلامي الذي كان أكثر تقدماً وغنى وتنوراً؟ ويجد لويس أن إلقاء اللوم على الدين ليس دقيقاً، فقد بقيت لمعظم فترة القرون الوسطى، الحضارة والتقدم العلمي والاقتصادي في عالم الإسلام وليس في ثقافات الشرق الأقدم، أو الثقافة الغربية الحديثة، فالمسلمون استعادوا علومهم القديمة وطوروها وبنوا عليها علومهم الجديدة، كما نشأت صناعات جديدة وتوسع إنتاج السلع والتجارة بشكل غير مسبوق.

وعلى حد تعبيره، فقد حققت الحكومات والمجتمعات حرية الفكر والتعبير التي دفعت اليهود والمسيحيين المضطهدين من رجال الدين إلى الفرار من أديانهم بحثاً عن ملجأ في الإسلام، ويضيف لويس أن هامش الحرية الإسلامية في العصور الوسطى لا يقارن بالممارسات الديمقراطية الحديثة، لكن دون شك كان أكبر بكثير مما قدمه أسلافه ومعاصروه أو من خلفه في تلك الفترة، ومن الطبيعي برأيه أن نطرح السؤال: إذا كان الدين عقبة في طريق الحرية والتطور والمجتمعات المحافظة هي التي أدت إلى تراجع الحضارة والتنمية الاقتصادية في الشرق، فكيف استطاع المجتمع الإسلامي في الماضي أن يكون رائداً على مستوى الحريات والعلم والاقتصاد؟ ويخلص لويس في مقاله إلى أن التفسير الوحيد هو أن العرب والمسلمين وقتها كانوا أقرب زمناً من المصادر التي ألهمت حضارتهم الإسلامية، وأنهم كلما ابتعدوا عن الممارسات والقناعات الأصلية كانوا يحيدون عن نهج أسلافهم ويفقدون مجدهم السابق. لا بدّ من الإشارة إلى أن لويس يُنتقد من خبراء غربيين وعرب بسبب تحيزه تجاه العرب والمسلمين. 

الجغرافيا، السر الكامن وراء الهيمنة الغربية

يعتقد إيان موريس في كتابه "لماذا يحكم الغرب حتى الآن؟" أن كلا الطرفين أخطأ في فهم شكل التاريخ ولذا توصلا إلى نتائج منقوصة ومتناقضة. وحيث يتفق الطرفان على أن الغرب هيمن على العالم في القرنين الأخيرين، يختلفان فيما إذا كانت السيطرة على العالم قبل ذلك شرقية أم غربية، وبرأيه فإن العودة إلى تلك الحقب كفيلة بأن تحل النزاع بينهما، لأنه يعتقد أن الشبه بين ما يدعى التجربة الغربية الفريدة وباقي أنحاء العالم قبل وجود الزراعة كان قوياً جداً، بما فيه التشابه مع حضارات الشرق العظيمة في الهند والصين وإيران، فالعامل الحاسم برأيه لم يكن له علاقة بالتفوق العرقي ولا سقف الحريات السياسية والاجتماعية ولا عبقرية القادة الأوربيين، بل هو في الجغرافيا التي كان لتفاعل البشر مع عواملها التأثير الأهم في تغيير وجه التاريخ، فقد وفر مناخ أوروبا وطبيعتها الجغرافية تنوعاً نباتياً وحيوانياً شكل مورداً هاماً في الزراعة، التي كان لاختراعها دوراً حساساً في تطور المجتمعات ونشأة المدن ونهضة الحضارة، ومع امتداد رقعة الأرض المزروعة بدأت النشاطات البشرية تتسع لتنطلق عجلة الحضارة لصالح الغرب.

ومع أن سبب هيمنة الغرب لا زال أمراً غير محسوم في ظل تعدد النظريات والطروحات، إلا أن العالم اليوم يعود ليشهد صعود قوى شرقية، مثل الصين والهند، ولاتينية مثل البرازيل، ويقال إن الاقتصاد الصيني الذي يتضاعف ناتجه كل ست سنوات، قد يجعل من الصين أكبر اقتصاد في العالم قبل عام 2100. في مجال الحقوق والحريات، لفتت ثورات العالم العربي نظر العالم، ولا تزال اليوم في لبنان والعراق، تقدّم نماذج جديدة لتفاعل الشعوب مع حقوقها وصياغة مستقبلها.  

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard