لماذا تحوّلت الجامعات من منابر لانطلاق الثورات إلى منصات قامعة للحريات؟

الثلاثاء 17 ديسمبر 201902:28 م

عندما تصبح الجامعات رقيباً مخابراتياً ما الذي يتبقى لننتظره منها؟ أليست الجامعات هي المنابر التنويرية في المجتمعات؟

على مسرح كلية النجاح في نابلس، وضمن فعاليات وقف العنف ضد المرأة، تم إيقاف عرض مسرحية "انهيدوانا" التي قدمتها الفنانة الفلسطينية عشتار معلّم، وهو عرض يجمع بين الرقص وفنون السيرك، بتبرير لا نستطيع وصفه إلا بالغريب، قدّمه ممثل الجامعة الدكتور غاوي غاوي، عميد كلية الفنون الجميلة، إذ برر قائلاً: "لا يتناسب مع عادات وتقاليد المجتمع الفلسطيني".

يستفز هذا الحدث فينا عدداً كبيراً من الأسئلة حول دور الجامعات، فمنذ متى كان دور الجامعات فرض الرقابة والحظر على الفنون، وممارسة دور الرقيب الأخلاقي؟ أليست الجامعات هي المساحة التي تمنحنا الفضاء للبحث والاكتشاف ومراجعة الثوابت وتحديها؟

عندما تصبح الجامعات رقيباً مخابراتياً ما الذي يتبقى لننتظره منها؟ أليست الجامعات هي المنابر التنويرية في المجتمعات؟

عبر التاريخ، شكّلت الجامعات منصة لانطلاق الثورات. فثورة مايو 1968 في فرنسا، هي حركة عنيفة من الاضطراب العام والاعتصامات في المصانع كانت بدايتها من الجامعات، في فترة برزت فيها الثقافة الشبابية كمحرّك للأحداث، نهض الشباب ذوي الفكر العصري الحر للتمرد على ما اعتبروه نظاماً فاشياً قمعياً، ساند استعمار الجزائر وقمع التحرر فيها، هذا التمرد الذي سانده الشعب الفرنسي بمجمله ونتج عنه تنحي الجنرال شارل ديغول، والذي كان فيما مضى بطلاً ساهم في تحرر فرنسا في الحرب العالمية الثانية، من منصبه. أما الآن فلم نعد ننتظر مثل هذا الدور التنويري الثائر من الجامعات التي تطأطئ الرأس لخطاب سياسي ومجتمعي قمعي.

العبارة الفضفاضة التي تتحدث عن العادات والتقاليد كأنها قانون يحفظه الجميع غيباً ويؤدونه بلا تردد، هي سلاح يشهره في وجهنا مراقبو الفنون والثقافة وكهنة الفكر المتحجّر. في مجتمع متعدد الثقافات والطبقات الاجتماعية والأديان والفئات العمرية، نجد فئة تتحدث عن ثقافة موحدة يتوجّب على الجميع ممارستها كقانون ثابت.

من بديهيات تعريف الهوية الثقافية، أنها هوية ذات عناصر متنوعة، ترتبط بالجنس والعمر والطبقة الاجتماعية والمستوى العلمي، هذا المزيج الغني يشكّل ثقافة الفرد، فما بالنا بثقافة مجتمع كامل.

كم من العناصر والعوامل الواجب قراءتها لتحديد الهوية الثقافية لمجتمع ما؟ هذا التحدي يختصره مراقبو الفنون بمصطلح "عادات وتقاليد"، والتي يجب أن نؤمن أنها تضمنا جميعاً بكل اختلافاتنا! وإن افترضنا جدلاً وجود هذا القانون الثابت للعادات والتقاليد، فهل من واجب الجامعات أن تحمي هذا العرف؟ ألا يجدر بالجامعات أن تفتح الباب للشباب للسؤال والاكتشاف، وأن تحمي حقّهم بالبحث، بدل الوقوف في صف المجتمعات المتصلبة التي تحرمهم من التنوّر؟

أليست الفنون مساحة للانطلاق والتجديد والاكتشاف؟ منذ متى نفرض على الفن أن يكون مرآة لمجتمع ما أو لعاداته؟ ولماذا يجب على الفن أن يلتزم بدور محدد ورسالة تعليمية؟ ما يصدم أن خطاب القمع صدر بالتحديد من قسم الفنون الجميلة، هذا القسم الذي يتوجب أن يكون منبراً للتجديد والإبداع.

تعيد هذه القضية إلى أذهاننا حادثة الفيديو الذي يعكس التحرشات الجنسية في الجامعة الأردنية عام 2012، والذي قدمته مجموعة من الطالبات تحت إشراف الدكتورة رولا قواس. اشتعل غضب منصات التواصل ضد محتوى الفيديو الذي يعدّد بعضاً من الإساءات اللفظية الجنسية التي تتعرض لها الفتيات في الجامعة، وبدل أن يتم العمل للتصدي لهذه الظاهرة وتكثيف الجهد لرفع الوعي ضد تشييء المرأة وجعل جسدها ساحة للعنف، تم تجريم الفيديو وتوجيه الانتقاد واللوم للدكتورة القديرة رولا قواس، من ثم تم فصلها من عمادة قسم كلية اللغات الأجنبية.

في فيديو لمنصة "تقدَّم للأردن"، توضح الدكتورة قواس عنف الرقابة التي يجبر الباحث على الخضوع لها، فعند تسلمها لمنصبها كدكتورة في القسم، استدعيت من قبل العميد الذي وضح لها حرمة الحديث في ثلاث مواضيع وهي: الجنسانية، السياسة، والدين. تتسأل الباحثة القديرة: "ما الذي بقي لي كمدرسة أدب لأبحث فيه وأعمل عليه مع طلابي، في مجال يقوم على البحث في الأيدولوجيا والقضايا المتنوعة؟".

تبين الدكتورة قواس أنها اضطرت لقراءة خمسين رواية أدبية لتختار منها خمس روايات لتدريسها، في رقابة ذاتية ناتجة عن خوفها من هذه المنظومة القمعية. رحلت عنا الدكتورة رولا القواس، الناشطة في حقوق المرأة والمؤسسة لقسم دراسات المرأة في الـ2017، تاركة خلفها منظومة قمعية تحد من حرية المفكر.

العبارة الفضفاضة التي تتحدث عن العادات والتقاليد كأنها قانون يحفظه الجميع غيباً ويؤدونه بلا تردد، هي سلاح يشهره في وجهنا مراقبو الفنون والثقافة وكهنة الفكر المتحجّر

الكثير من الأمثلة تبين دور الجامعات كمنصات للتغيير والتطوير وتحدي الثابت والعقم الاجتماعي، يبدو أن إدراك الدكتاتوريات الحديثة لهذا الدور الريادي الذي تحتله الجامعات هو ما جعل رقابتها تخنق الفكر فيها

لم تكتف الجامعات باختيار دور الساكت عن العنف، بل باتت من المحرضين عليه بفصل وتهديد الباحثين المجددين وبمنع الفكر الحر الثوري. فيما مضى انطلقت ثورة 1919 والتي وقفت في وجه الاستعمار الإنكليزي وضد سياساته التعسفية من جامعة القاهرة، عندما هب الطلاب احتجاجاً لاعتقال سعد زغلول، لتندلع المظاهرات في أنحاء مدن وقرى مصر، كما كانت ثورة أكتوبر 1935 أول ثورة عربية ضد نظام عسكري، والتي انطلقت من جامعة الخرطوم.

وفي ظل الغضب الشعبي والحراك العربي الذي ضاق ذرعاً بالظلم، تأتي الأسئلة عن دور الجامعات في المساهمة بالتغيير

الكثير من الأمثلة تبين دور الجامعات كمنصات للتغيير والتطوير وتحدي الثابت والعقم الاجتماعي، يبدو أن إدراك الدكتاتوريات الحديثة لهذا الدور الريادي الذي تحتله الجامعات هو ما جعل رقابتها تخنق الفكر فيها. تهميش دور الجامعات والبحث ساهم في هذا الجمود الفكري الذي نعيشه في حاضرنا، فلم تعد جامعاتنا تعطينا فرصة لتقديم صوت مختلف، لكن يظل لنا الكثير من الأمثلة لأساتذة تعلمنا منهم برغم هذا الحصار والتضييق، فقد قدمت لنا الجامعات باحثين/ات ومبدعين/ات، كالطيب التزيني ومحمد توفيق البجيرمي ويحيى العريضي وصادق جلال العظم، وغيرهم من باحثين يعجز هذا المقال عن ذكرهم وتقدير فكرهم الذي ساهم بخلق مساحة فكرية نمارس فيها حريتنا، رغم الحصار السياسي والاجتماعي.

وفي ظل الغضب الشعبي والحراك العربي الذي ضاق ذرعاً بالظلم، تأتي الأسئلة عن دور الجامعات في المساهمة بالتغيير: متى ستعود الجامعات لتحتل تلك المساحة التي تعطي الشباب الأمان للتعبير عن ذاتهم وهوياتهم المتنوعة؟ لماذا باتت الجامعات تتكلم بصوت المجتمع الرجعي القامع للحريات؟ أين يمكن للشباب استثمار طاقتهم إن لم تكن الجامعات ملاذهم؟

إن عرض عشتار معلّم يحمل طاقة الشباب وصوت المرأة، وهو عرض فني يحق للشباب متابعته وإبداء رأيهم فيه، دون رقابة تُفرض عليهم، ودون وصاية على فكرهم، وإن كان هناك تيار قمعي غير مرحّب بهذا العرض، لماذا اختارت الجامعة تبني صوته وتخلت عن التيار الآخر المنفتح تجاه التجديد والتنوع؟

يستمر تمسكنا بالنماذج التعليمية الإيجابية، ما يعطينا الأمل بتغيير أيديولوجيات التعليم الرجعي، الذي يلغي صوت الآخر ويقيد الفنون، ويمنع البحث العلمي الذي يشكل طريقنا الوحيد نحو الخلاص.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard