"مأساة عشتار" في دمشق… أن يُطالب من تقوده غريزته بإزالة منحوتة لامرأة عارية

الأربعاء 13 نوفمبر 201905:48 م

لم يتوقّع طلاب معهد الفنون، عندما قاموا بحفر تمثال "عشتار" على شجرة يابسة مقابل المتحف الوطني في دمشق، أن تتحوّل هذه المنحوتة إلى حديث الشارع السوري ومواقع التواصل الاجتماعي.

لم يكن الاهتمام منصباً على "عشتار" بصفتها آلهة الحب والخصب والحرب عند شعوب المشرق القديم، أو بصفتها محوراً رئيسياً في ملحمة جلجامش، أو لارتباط اسمها بفصل الربيع حسب الأساطير القديمة، منذ أن أعادت حبيبها الإله تموز إلى الحياة بعد نزوله إلى العالم السفلي، وصار هذا التاريخ يمثّل القيامة من الموت وعودة الحياة إلى الطبيعة...

من المؤسف أن تعيش بلاد ألفت الإدلبي وغادة السمان وكوليت خوري، انحداراً ثقافياً غير مسبوق.

بدل أن تثير هذه المنحوتة الاستياء لتدني مستواها الفني، أو للأسلوب العشوائي في تنفيذ مبادرات مشابهة، أو لكون ترميم الأرصفة والشوارع أو مساعدة عمال النظافة على إزالة القمامة المتراكمة أكثر إلحاحاً، أثارت الرأي العام لكونها منحوتة لامرأة عارية، وفي شارع قريب من جامعة دمشق، الجامعة نفسها التي خرّجت جيل الرواد من الفنانين التشكيليين من كلية الفنون الجميلة، والتي كان الموديل العاري أحد موادها الأساسية في الستينيات، حيث كان يتم رسم الموديل العاري بالصرامة نفسها التي يتم بها تشريح الجثث في كلية الطب، قبل أن يتم الاستغناء عنه في مطلع الثمانينيات، ليس بقرار رسمي، ولكن بعدة ذرائع من المدرسين في الكلية نفسها، كتقليص الميزانية المخصصة للموديل العاري، ولكونه لا يتناسب مع عادات المجتمع الذي أصبح أكثر محافظة وانغلاقاً لأسباب سياسية واجتماعية.

لتخرج الكثير من الأصوات المنددة والتي تتهم منحوتة خشبية بالتحريض على العري والإباحية وإثارة الغرائز، وكيل الشتائم وتوجيه الاتهامات للطلاب المشاركين في المشروع، وليذهب البعض إلى المطالبة بتحطيمها، ما يذكّرنا بالعصور الوسطى في أوروبا، حين حظرت الكنيسة تصوير الجسد العاري في الفن لما يمكن أن يسببه من إثارة للشهوات.

إن الخوف على أخلاقيات المجتمع السوري من مجسم خشبي والتحريض على إزالته بتهمة "خدش الحياء العام"، هذا المصطلح الفضفاض الذي يفصّله كل حسب أولوياته، مثير للسخرية نوعاً ما، فالغريب في هذا السجال أن هذه الأصوات ذاتها لم يُخدش حياؤها من منظر الأطفال النائمين في الحدائق وعلى أطراف الأرصفة، أو من منظر الشباب خريجي الجامعات الذين يعملون في توصيل الطلبات للمنازل، أو من منظر المتسولين الذين تزدحم بهم الشوارع أكثر من المارة، أو من عمال النظافة المنهكين دوماً بلم الأوساخ التي يرمونها هم أنفسهم من النوافذ، رغم أن حاوية القمامة تبعد متراً واحداً عن منازلهم، أو حتى من الأغاني الهابطة التي تصدح بصوت عال من البسطات، وتساهم في زيادة التلوث البصري والسمعي قرب الحرم الجامعي.

بدل أن تثير هذه المنحوتة الاستياء لتدني مستواها الفني،  أثارت الرأي العام لكونها منحوتة لامرأة عارية، وفي شارع قريب من جامعة دمشق، الجامعة التي خرّجت جيل الرواد من الفنانين التشكيليين، والتي كان الموديل العاري أحد موادها الأساسية

في مجتمع يحاول جاهداً إخفاء نظرته الدونية للنساء، ترتبط الأخلاقيات غالباً بالمرأة باعتبارها دائماً جالبة للعار، فالمرأة المثالية في هذا المجتمع هي الخانعة والتابعة، والتي لا يتعدى دورها الطبخ والإنجاب والجنس، وأي محاولة للخروج عن دورها التقليدي، يعرّضها للاتهامات والنبذ

في مجتمع يحاول جاهداً إخفاء نظرته الدونية للنساء، ترتبط الأخلاقيات غالباً بالمرأة باعتبارها دائماً جالبة للعار، فالمرأة المثالية في هذا المجتمع هي الخانعة والتابعة، والتي لا يتعدى دورها الطبخ والإنجاب والجنس، وأي محاولة للخروج عن دورها التقليدي، يعرّضها للاتهامات والنبذ، حتى حين تحقق أي إنجاز، تجد نفسها في مواجهة اتهامات جاهزة، أكثرها شيوعاً استغلالها لأنوثتها لتحصيل المكاسب والصعود المهني، باعتبار الفئة الغالبة تعتبرها "ناقصة عقل ودين"، "فمن الطبيعي" في مجتمع تقوده غريزته، مع الانحسار الكبير للفكر التنويري وتراجع دور المثقفين مع طغيان دور المؤسسات الدينية، أن ينظر لهذه المنحوتة بوصفها مثيرة للغرائز ومحرّضة على التحرش.

من المثير للاستغراب أن المؤسسات المسؤولة لم تحرك ساكناً تجاه الكثير من القوانين والسلوكيات المجحفة بحق المرأة، من زواج القاصرات وجرائم الشرف وقوانين الطلاق والميراث، والكثير من المشاكل الملحة اليوم في الشارع السوري في مجالات التعليم والصحة والعمل، بينما تمكّنت منحوتة خشبية في يوم واحد من تحريك الرأي العام والدفع بوزارة الثقافة إلى إزالة المنحوتة "مراعاة للمعتقدات الدينية عند البعض، واحتراماً للفكر المختلف بين الشعب"، حسب تصريح الوزارة.

من المؤسف أن تعيش بلاد ألفت الإدلبي وغادة السمان وكوليت خوري، انحداراً ثقافياً غير مسبوق، في ظل انحسار مفهوم "العلمانية والتعددية"، وإفراغ المدينة من محتواها التاريخي والثقافي، في بلاد لا تزال فيها المساجد والكنائس صاحبة الكلمة العليا، ولا يزال قانون الأحوال الشخصية فيها مرتكزاً على الشريعة الإسلامية، مع انتقال الحرب إلى مستوى آخر، أدى فيه تفشي الفقر والجهل إلى سهولة الانصياع للسلطة الدينية، وتبني أفكار خطباء المساجد، وظهور فئة متعصبة تشكل غالبية الرأي العام، مع انحسار دور المثقفين الذين لم يعد لهم في الشارع السوري أي ثقل يذكر، ليغدو مصطلح "الدولة العلمانية" بعيداً كل البعد عن الواقع السوري اليوم.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard