"ولد عاصي ولا عشر بنات مطيعات"... سلاح الأمثال الشعبية يقمع المرأة اليمنية

الأحد 15 ديسمبر 201901:22 م

"البنت ونة والولد جنة"، "شور المَرا الصايب يدي سبع مصايب"... بهذين المثلين وغيرها الكثير من الأمثال الشعبية، يتمثل حال المرأة اليمنية وصورتها الراسخة في عقول وأذهان أجيال كاملة حفظت هذه الأمثال وتداولتها.

يستمد المثل الشعبي اليمني دلالته من الموروث العربي القديم، وكانت الأمثال تجسّد نظماً ثقافية واجتماعية على شكل قوانين موروثة غير مكتوبة، وغالباً ما تكون هذه الأمثال نتاج حكايات وقصص متداولة صارت مضرباً للمثل وكوّنت أشكالاً تعبيرية منطوقة اختزنتها الذاكرة ورحلت عبر السنين دون فقدان الكثير من مفرداتها.

"الأمثال الشعبية جزء مهم من الموروث الاجتماعي والثقافي وتساهم في تشكيل الوعي المجتمعي إيجاباً وسلباً"، على ما تقول الأستاذة المساعدة في كلية الإعلام في جامعة صنعاء سامية الأغبري.

"سوء الرجل ولا جميل المرأة"

لتصبح المرأة أداة بيد الرجل، استغل القدماء الأمثال الشعبية لتكريس فكرة أفضليته عليها حتى لا تخرج عن طوعه. ومن هذه الأمثال "ولد عاصي ولا عشر بنات مطيعات"، حيث يصبح الولد السيء العاصي أفضل من عشر بنات طائعات.

ومن الأمثال التي تصب في السياق هنا "الولد شرحه ولو ظهر ومات"، بمعنى أن المولود الذكر مصدر سعادة وفرح وفخر للعائلة بكلها حتى وإن مات بعد ولادته على عكس البنت.

"الولد جنة والبنت ونة"، هو من الأمثال المستخدمة للتدليل على أن وجود الولد الذكر سعادة وفخر ("جنة") لأبيه والبنت مصدر ألم وحزن وأنين ("ونة").

وبما أن الذكر ارتبط وجوده كذلك بحمل اسم العائلة، أتى المثل القائل "ذي يعول بنات كان بيته على السايلة"، أي أن من ينجب بنات حصراً يكون بيته على مجرى السيل أي يمحى ذكره ولن يجد له معيناً في حياته.

وانطلاقاً من تحميل المرأة في العادة مسؤولية جنس المولود، أتى مثل "جلست جلست وادت بنت" ليقول إن المرأة حملت وتعبت في الحمل وفي الأخير يطلع المولود بنت، مدللاً على خيبة المرأة التي بدل أن تأتي بالذكر ولدت الأنثى.

ومن الأمثلة كذلك: "املي بيتك كبا ولا تمليه نساء" أي املأ بيتك فحماً ولا تملأه نساء كما ولو أن الفحم أكثر قيمة من النساء. و" المرة ذمرة والرجال حامل عيبه" أي أن المرأة تظل مصدر عيب لأسرتها بينما الرجل يحق له أن يعمل ما يشاء فهو حامل عيبه. و"الرجال من عصب والمرة من قصب" الرجل شديد وقوي مثل العصب فيما المرأة هشة وضعيفة مثل ساق الذرة.

عيّبوها كذريعة لانتقاصها

يأتي الدور السلبي للإعلام ليعمّق النظرة السلبية للمرأة، كما في برنامج الأسرة في إذاعة صنعاء والأغنية الشهيرة التي تعكس الأمثلة الشعبية حين تقول: "البيت المره والحب الذرة قولوا لمسعدة تقع مدبرة، تربي العيال والرب تشكره ومسعد تسعده تجبر بخاطره".

تعلق الأغبري على كلام الأغنية مستنكرة: "يعني حصر عمل المرأة في البيت فقط وفوق تعبها كله تشكر الله".

من جهتها، تشير الشاعرة مليحة الأسعدي إلى أن نظرة المجتمع المتخلف للمرأة يعتمد على المثل الشعبي في ترسيخها، وتقول: "نجد الكثير من الأمثال الشعبية المتداولة التي تحط من قدر المرأة لمجرد أنها امرأة بما يشبه الوأد المعنوي ( وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأيّ ذَنْبٍ قُتلَتْ )، وتكاد لا تجد إجابة واضحة لهذا التساؤل رغم وجود بعض النماذج النسوية الناجحة في التاريخ اليمني".

وتعتبر الأسعدي في حديثها لرصيف22 أن الأمثال الشعبية وما تخلفه من ممارسات مجحفة بحق المرأة تعد لبنة سيئة في بناء المرأة التي تعد ركيزة أساسية في بناء المجتمع.

وهنا مرور على بعض الأمثال التي تنتقص من قدر المرأة وتقلل من جهدها:

"المعزة معزة ولو غلست": تظل العنزة عنزة حتى وإن عادت من المراعي في الظلام ويضرب المثل في المرأة التي تصل لمنصب معين أو تحقق نجاح ما ليذكرها بكونها امرأة للتقليل من جهدها واحتقار عملها.

"عذر المرة تحت لسانها ولا حنبت وفت أيمانها": المرأة سريعة التبرير لأخطائها وإن لم تنفع التبريرات تلجأ مباشرة لليمين، ويقصد به أن المرأة كاذبة في تبريرها وفاجرة في يمينها.

"ريت والله ويدش خفيفة ساع لسانش": تمني بأن تكون المرأة سريعة في عملها وخفيفة كخفة لسانها، والمعنى أن النساء ثرثارات ويغرقن في الكلام أكثر من انتباههن للعمل.

" لا صاحت المرة غرت على الرجال": عند حدوث عراك أو جدال بين رجل وامرأة و صرخت المرأة فأنقذ الرجل، والمراد به تأكيد صفة الكيد لدى المرأة وغالباً ما يأتي هذا المثل عند الحديث عن كيد النساء مرافقاً الآية القرآنية (إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ/ سورة يوسف آية 28 التي جاءت على لسان عزيز مصر في قصة نبي الله يوسف).

"البنت ونة والولد جنة"، "شور المَرا الصايب يدي سبع مصايب"... بهذين المثلين وغيرها الكثير من الأمثال الشعبية، يتمثل حال المرأة اليمنية وصورتها الراسخة في عقول وأذهان أجيال كاملة حفظت هذه الأمثال وتداولتها
"لا تعر دابتك، ولا تسر مرتك" هو مثل يمني شائع ومعناه أن المرأة لا يمكن أن تحفظ سراً أبداً... جولة على الموروث الشعبي الذي يلاحق المرأة حتى اليوم ويجعلها سيئة ومصدر ألم وعار 

"لا تعر دابتك، ولا تسر مرتك": مثل شائع في مضمونه في مختلف الثقافات العربية القديمة والحديثة ومعناه أن المرأة لا يمكن أن تحفظ سراً أبداً.

"حجينه لي وحدي، ولا سبايا لي والناس": والحجينة هي نوع من أنواع الخبز اليمني وصعبة البلع بينما السبايا نوع من الحلويات اليمنية ولذيذة وهنا يعيب المثل في المرأة جمالها حيث يعتبره مصدر للخيانة وكذلك يعمم أن كل جميلة خائنة.

وتعلق الأغبري على هذه الأمثال بالقول: "مناهجنا الدراسية لا تزال تكرس التمييز ضد المرأة من خلال القصص التي تقدمها في مادة اللغة العربية والتربية الإسلامية، وهي بذلك تساهم في استمرار تأثير الأمثال الشعبية التي تميز ضد المرأة وتنظر لها بدونية".

تشبيهات مسيئة للمرأة

صورة أخرى من صور امتهان المرأة تشبيها بما يتنافى مع إنسانيتها مثل:

" البنت مثل الطلي لو يجلس كما جلس لا بدها يختلي"، وهذا المثل يشبه البنت مثل الكبش مهما طال بقاؤها في البيت فمصيرها محتوم وهو الزواج.

"ما جُمل لا مجنّة" وهنا تشبيه للمرأة بالمقبرة وفيه نصيحة للرجل بعدم الإحسان وتقديم المعروف للمرأة كونها كما في المثل كالمقبرة لا ترد الجميل أبداً.

"أَخَسّ الخبايا الصوف والصبايا" وهو تشبيه البنات بالصوف، أي كلما مر عليه زمن تعفن وبقاء البنات دون زواج يسبب وجع الرأس والهم لدى رجال الأسرة كما هو هنا ترويج لزواج القاصرات كما يرد في أمثلة أخرى.

"الأمثال الشعبية اليمنية تعكس الصورة الحقيقية للمجتمع اليمني ونظرته الانتقاصية للمرأة"، حسب الناشطة بسمة ناصر التي تقول في حديثها لرصيف22: "تحولت هذه النظرة إلى ثقافة متأصلة في المجتمع وصار كل مَثل ينطقون به يعبر بشكل كلّي عن معاناة النساء".

مصادرة حقوق

"نصف المجتمع" ضحية المثل الشعبي الذي يظهرها على أنها الحلقة الأضعف في مجتمع تغلب عليه الثقافة الزراعية أو البدوية، كما أن المثل يضعها موضع الاتهام المسبقة ويحرمها الكثير من حقوقها ويجبرها على نمط معين من الحياة.

"يتم تداول هذه الأمثلة و غيرها لقمع المرأة عندما تبادر في خلق نموذج مغاير للصورة النمطية للنساء في مجتمع منكفئ على ذاته".

وتقول ناصر إن "الأمثال الشعبية اليمنية تصدّر صورة ذهنية سيئة جداً عن المرأة اليمنية"، ومنها "زوج بنت الثمان وعليا الضمان" وفيه دعوة صريحة لزواج القاصرات وبالتالي حرمانهن من حقوق كثيرة كالتعليم وحرية الاختيار وغيرها من الحقوق.

"لا كبر الشيبة اديت له صبية ولا عجزت المرة رجمت بها الحوية"، حيث معناه أن الرجل إذا شاخ زوجه ببنت صغيرة في المقابل إذا شاخت المرأة يرمى بها في فناء البيت.

"ابن المرملة ناقص الثلث" وهنا يتعدى الاجحاف إلى الرجل أيضاً ابن الأرملة فيصبح محل ازدراء واحتقار لأنه تربى على يد امرأة ولديه صفات كثيرة اكتسبها من النساء.

" شور المَرة الصايب يدي سبع مصايب" رأي المرأة السديد يجلب معه سبع مصائب بمعنى أن رأي المرأة مهما كان سديدا وصائبا فليس له قيمة لأنه يجلب النحس وهنا مصادرة واضحة لحق المرأة في التعبير عن رأيها في مختلف القضايا.

"من تيتمت وكلت" ويعني أن المرأة ضعيفة بدون رجل، وبالتالي لا يحق لها عمل شيء إلا بوكيل في حال موت أبوها.

تقول الأسعدي "يتم تداول هذه الأمثلة و غيرها لقمع المرأة عندما تبادر في خلق نموذج مغاير للصورة النمطية للنساء في مجتمع منكفئ على ذاته وقد يراوح هذا القمع بين اللفظي و في أحيان كثيرة يتحول إلى ممارسة يؤخذ بها كاتهام صريح للمرأة لمجرد أنها امرأة".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard