كل ما يريده راهيم حساوي هو بعض اللباقة ممن حوله

الأحد 12 يناير 202007:18 م

يُهدي الكاتب السوري راهيم حساوي روايته الثالثة "ممر المشاة" إلى الذين لا يعرفهم ولا يعرفونه، كحالة رواياته السابقة التي تشترك في ذات الإهداء، ليبدأ منذ عتبة النص الأولى بالتأسيس للموقف الذي يتبناه، ذاك الذي يرى في فعل الكتابة مجرد حدث يومي واعتيادي، يمكن لصاحبه أن يستغني عنه لأجل نزهة في الشمس، أو تأمّل دلو تتساقط فيه قطرات مياه.

نتعرف في الرواية الصادرة عن دار نوفل-هاشيت أنطوان على نوح، القادم من النيجر والمقيم في برلين، لكن نقرأ في البداية بضعة أسطر عن "أدنى درجات المنطق" التي أودت بحياة تاجر السمك بثلاث رصاصات عام 1984، الحدث الذي تدور حوله الرواية ويطارد شخوصها، المحكومون بسوء فهم عميق يفصلهم عمن حولهم، أولئك الذين تتدفق أيامهم من أمامهم دون وعي.

يتعمد حساوي عدم الكتابة عن أي من الموضوعات التي تأسر الكثيرين من ممارسي الكتابة خارج سوريا، لا حديث عن اللجوء، أو أزمات الاندماج، أو النجاح بالطبخ، أو أثر الديكتاتورية، بل يتركنا أمام نوح الذي غادر النيجر عام 2009 واتجه إلى برلين مروراً بالجزائر وإيطاليا، وذلك كي يجمع بعض المال ويزرع أسناناً جديدة، وفي برلين يتعرف على كارلو الإيطالي "المعطوب" بسبب فابيو، الذي أُطلق عليه النار في ظهره.

يدخل نوح في لعبة الترصد والملل التي يمارسها كارلو في برلين، لفهم السبب الذي دفع فابيو، الذي يمتلك محل أدوات مستعملة الآن، لإطلاق الرصاص عليه في ظهره دون أي مبرر، أثناء ذلك يتعرف نوح على بيترا، ابنة فابيو، ويدخلان في دوامة من الجنس والصمت، ويخططان لجعل كل من فابيو وكارلو يلتقيان لتصفية حسابهما.

تكشف الرواية عن حياة المهاجرين، أزماتهم اللغوية، الحرج الاجتماعي الذي يعانونه في علاقتهم مع بعضهم البعض ومع الألمان، أو "أصحاب البلد المضيف"، اختلاف الطباع ومرجعيات التأويل يظهر في موقف بسيطة ويومية تعكس أحياناً الاحتقار والكراهية المتبادلة، كجار نوح الذي يريد التخلص من طاولة قديمة، ويلصقها بنوح، الذي وجد نفسه أمام طاولة خشبية لا يدري ما يفعل بها.

هناك اختلاف عميق بين الاثنين، المهاجر والمضيف، لا يتضح إلا بالإفراط بالأدب مثلاً، فلا عنصرية مباشرة، بل نظرات حذرة ومواقف مبتذلة وتبريرات رومنسية عن العلاقة مع الأشياء، تكشف الحس الخفي بالتفوق الذي يدّعيه الألماني، ما يتحدث عنه حساوي لا يتعلق بأزمات ثقافية كبرى ومستهلكة، بل سوء أداء سببه اختلاف بفهم "النص" الذي يتحرك على أساسه الأفراد، وكأن البعض، وخصوصاً من هم حول نوح، لا يجيدون قراءة ما يحدث مهما كان ضئيلاً، أشبه بممثلين مبتدئين، أغلب حركاتهم مجانية وأكروباتية.

نوح محكوم بوقت الفراغ، عمله يكفي ليسد رمقه فقط، يتأمل فيما حوله وهو عاجز عن تغييره، فقط يفسره، يطلق عليه الأحكام، يعلم نوعاً ما أنه لن يزرع أسنان جديدة، لكنه يرتب زمنه في مجموعة من الطقوس الروتينية، وربما وجد في حكاية كارلو مغامرة يملأ فيها وقته اللاجدّي، الذي يهيمن عليه اللعب واللهو، سواء في دوائر الدولة أو في العمل، لكن اللعب واللهو هنا لا يحمل معناه التقليدي، هو أسلوب وأداء لا يهدف للاختلاف عن العالم، بل لنفي تكوينه الرسمي وخلق قواعد وقوانين جديدة، لا يدركها إلا من يتفقون مع نوح أن كل ما يحدث ليس إلا لعبة "فيشة"، لا يهم فيها الفوز أو الخسارة، بل مهارة اللعب ومصدرها "الجدّي"، وهذا ما حصل مع نوح الذي تعرف على بيترا أثناء لعبة فيشة تحولت إلى مضاجعة صامتة، استمرت حتى نهاية الرواية.

تعمد راهيم حساوي عدم الكتابة عن أي من الموضوعات التي تأسر الكثيرين من ممارسي الكتابة خارج سوريا، لا حديث عن اللجوء، أو أزمات الاندماج، أو النجاح بالطبخ، أو أثر الديكتاتورية، بل يتركنا أمام نوح الذي غادر النيجر عام 2009 واتجه إلى برلين مروراً بالجزائر وإيطاليا، وذلك كي يجمع بعض المال ويزرع أسناناً جديدة، وفي برلين يتعرف على كارلو الإيطالي، "المعطوب" بسبب فابيو الذي أطلق عليه النار في ظهره

تكشف "ممر المشاة" عن حياة المهاجرين، أزماتهم اللغوية، الحرج الاجتماعي الذي يعانونه في علاقتهم مع بعضهم البعض ومع الألمان، أو "أصحاب البلد المضيف"، اختلاف الطباع ومرجعيات التأويل يظهر في موقف بسيطة ويومية تعكس أحياناً الاحتقار والكراهية المتبادلة، كجار نوح الذي يريد التخلص من طاولة قديمة، ويلصقها بنوح، الذي وجد نفسه أمام طاولة خشبية لا يدري ما يفعل بها

هناك سخرية دفينة تتحرك في الرواية، ففعل القتل يتكرر بعدة أشكال، أول مرة بصورة "جدية" كما يرويها كارلو، ثم مرة ثانية حين يطلب كارلو من نوح أن يكون مستعداً ربما لقتل فابيو، حينها يجد نوح نفسه محرجاً بسبب الموقف الذي وجد نفسه فيه، اللهو بدأ يأخذ منحى آخر، أو فقط اختلفت قواعد اللهو، لكن هذا الحرج الاجتماعي وسوء فهم "النص" يكشف لنا أن نوح يطفو في برلين، لا أرض ثابتة تحته، دون أي علاقة وطيدة مع المدينة، هو يفكر بالعودة إلى النيجر، فلم البقاء في برلين حيث لا شيء يشبهه: سماء رمادية، غابات من الإسمنت، وأناس ذوي ابتسامات مزيفة في قطار الأنفاق.

الطفو الذي يختبره نوح لا يتجلى فقط في الغرابة الاجتماعية، بل في طبيعة العلاقة مع الأماكن، علاقته مع المدنية والبناء دائماً تحيط بها الدهشة وتأسره تغيرات الطقس هو القادم من النيجر الحارة، لكن الأماكن نفسها كمساحات إيديولوجية ومادية تبدو شديدة السطحية بالنسبة له، يقول فقط أسماءها، ليتأمل عبرها في داخله، فكل العالم يحدث في رؤوس الشخصيات ومتخيلاتها، لا على الأرض، التي ليست إلا عتبة نحو ذات مهشمة غريبة.

تبدو شخصيات راهيم وكأنها الوحيدة الثابتة في عالم صالح للاستبدال، هي ضد البطولة، تسخر من الجمهور لكنها تحب المنافسة، وهنا يأتي اختيار ممر المشاة ليكون المواجهة بين كارلو وفابيو بعد أكثر من ثلاثين عاماً، هو مساحة هامشية مؤقتة، روادها مسرعون نحو الطرف الآخر، لكنها تكفي لمواجهة محدودة، لا يحسم فيها الفائز، هذه المواجهة تنتهي لاحقاً بلقاء وشجار بين كارلو وفابيو، يتم التعامل معه من قبل الموجودين في محل فابيو كأنه مباراة رياضية تحدث على شاشة، في خلفية مكان عام، لا يعلم المشاهدون لاعبيها، ولا يهمهم من المنتصر أو الخاسر، يسترقون النظر إليها ويتابعون شراء الأدواء المستعملة، فلا أحد سيقتل أحد، والعطب سيبقى حاضراً، ليظهر حينها كارلو وفابيو كما لو أنهما بطلان تراجيديان يواجهان العاصفة، لكن لا طاقة لهما على الوقوف بوجهها ولا قتل أحدهما الآخر، كعجوزين خرفين يتناحران حتى يتعب أحدهما ويستسلم موتاً.

تواجه شخصيات حساوي ابتذال الحياة اليومية، لا يمكن لها أن تنفيها لكنه تتحمل مجانيتها التي تقلق الروتين اليومي لكل واحدة من الشخصيات، خصوصاً أن لا أحد سيد زمنه، هذا الزمن يتخلخل بسبب قلة الذوق العامة، الأقنعة الاجتماعية المبتذلة، الكراهية المقنعة بالأدب، الابتسامات الخالية في المواصلات العامة، كلها تفاصيل يومية تحيلنا إلى الوجه كقناع سياسي وثقافي، وخزان لأدوار وتاريخ من التعامل البشري تجد فيه شخصيات كنوح وكارلو عطباً كونه لا يعكس الحقيقة، بل وسيلة سطحية في سبيل البطولة والتفوق، ولو للحظات قليلة، على غريب لانعرف عنه شيئاً، بل نحكم عليه من قناعه/وجهه من أجل شعور مؤقت بالرضى الذاتي .

لا ننتظر القتل في الرواية لأن "أدنى درجات المنطق" تقول إن كارلو لن يطلق النار على فابيو، في حين أن المنطق يقول إنه سينتقم، وهذا ما لا يحصل، لأن الجميع يلهو، يدرك قواعد اللعب لكنه لا يستطيع الاستمرار للنهاية، لتبدو الشخصيات بيد راهيم كلاعبي الفيشة الخشبيين، متشابهين، لكن اختلافهم يظهر حسب خبرة من يحركهم، ويبعث فيهم الحياة/ الحكاية، عدا ذلك هم أسرى أيدي الهواة السكارى في الحفلات وحركاتهم الطائشة.

يظهر تمرين على الخوف والأداء في الرواية يكشف لنا عن طبيعة فهم الشخصيات لذاتها، إذ نقرأ كيف يحاول كارلو أن يرتجل أداء مقنعاً وهو تحت تهديد السلاح حفاظاً على حياته، هو يعيد تمثيل سوء الفهم بين بائع السمك وبالميرو، دون أن يدرك أن من يحاول إقناعه لن يقتله، يضيف تعديلات بسيطة للسيناريو المرسوم مسبقاً، ظناً منه أنه سيقضي على أي لبس أو سواء فهم، لكن المشكلة أن سوء الفهم والتقدير كانا من فابيو الذي ارتجل دون أن يدرك أن ما فعله حكم عليه، خطأ طفيف في فهم معنى "أدر ظهرك" أدى إلى عطب كارلو الذي كان من المفترض أن لا يشهد الموت، هنا يظهر سوء الفهم بصورته الأشد تراجيدية، يمكن لإحراج أو تسرع أو سوء تفسير أن يدمر حياة شخص، بسبب حماقة ما أو رغبة بالتفوق.

هذا الاختلاف في المعاني والكودات بين الشخصيات تنشأ بسببه الكراهية والنزعة لاحتقار الآخر، وهنا تبرز علاقة نوح وبيترا المتفقين على الصمت وإشباع رغباتهما التي، أثناء اختبارها، تفقد الحكايات جديتها، فقصة كارلو تصبح بلا معنى أمام فم بيترا وهو يلتهم قضيب نوح، ما بينهما قائم على علامات واضحة لا تحتاج لتأويل أو ارتجال، يكفي الاتفاق على نقاط البسيطة ليظهر الحب كمفهوم ضد البطولة، هو لعب حسي وشبقي قواعده بسيطة، لا حاجة لتعقيدها بالرغبة باستمالة الآخر أو استجرار شفقته أو إعجابه.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard