"خليلي مسافة"... حملة سورية ضد ثقافة التحرش بالنساء في المواصلات العامّة

الثلاثاء 10 ديسمبر 201905:20 م

تصعد كندة في حافلة صغيرة متجهة من مدينة جرمانا، بريف دمشق الشرقي، نحو منطقة البرامكة وسط العاصمة السورية. تجلس في مقعد جانبي لم تجد غيره فارغاً داخل الحافلة المكتظة كالعادة، وما هي إلا لحظات حتى ترتسم ابتسامة عريضة على شفتيها، مع وقوع عينيها على ملصق صغير على الشباك المقابل، كُتبت عليه عبارة "خليلي مسافة".

أسفل هذه العبارة المقتضبة تظهر رسمتان متجاورتان، الأولى لشاب يجلس مباعداً بين ساقيه وبجانبه فتاة تبدو عليها علامات عدم الارتياح، والثانية لشاب يجلس وساقاه متقاربتان، لتكون الفتاة أكثر ارتياحاً. تقول كندة في سرها: "ما أكثر الحالات المشابهة للرسم الأول! لعلي قضيت معظم رحلاتي في الحافلات مؤخراً على هذه الشاكلة".

الملصق، وهو جزء من حملة انطلقت في مدينة جرمانا أواخر الشهر الفائت، بهدف مناهضة التحرش الجنسي داخل وسائل المواصلات العامة، انتشر في كثير من الحافلات الصغيرة والباصات الكبيرة التي تستخدمها كندة (27 عاماً) بشكل يومي للذهاب نحو عملها والعودة لمنزلها.

لا تعتقد الفتاة، كما تشير في حديث مع رصيف22، بأن هذه الملصقات قد تغير من واقع التحرش في سوريا بشكل ملحوظ على المدى القريب، لكنها "الخطوة الأولى في طريق طويل للغاية لنشر الوعي حول وجود هذه الظاهرة وضرورة إيقافها"، وفق تعبيرها، وتضيف بأن وسائل المواصلات هي من أكثر الأماكن التي تعرضت فيها بشكل شخصي لحالات من التحرش الجسدي على وجه الخصوص".

في كثير من الأحيان أخشى أن أشتكي على العلن من تصرف أرى بأنه تحرش واضح، فالدعم الذي تحصل عليه النساء والفتيات في مجتمعنا بهذا الخصوص محدود للغاية"، تقول كندة التي فضلت الحديث باسمها الأول فقط، وتضيف بأن كثيراً من الحجج تُساق لتبرير تلك التصرفات، كاكتظاظ الحافلات وبالتالي حدوث حالات اللمس غير المقصود، أو يلقى اللوم ببساطة على الفتيات، كما في معظم حالات التحرش.

هل تكفي الملصقات حقاً؟

على مدار السنوات الفائتة، شهدت العاصمة السورية وريفها ازدحاماً سكانياً غير مسبوق مع نزوح مئات الآلاف هرباً من المعارك في المناطق الساخنة وبحثاً عن مكان آمن للاستقرار. أدى ذلك لصعوبات بات معظم سكان المدينة يعانون منها، بما يخص السكن والتنقل باستخدام وسائل النقل العامة، والتي باتت تشهد ازدحاماً غير مسبوق، فأصبح العثور على مكان ملائم للجلوس في الحافلات والباصات دون الاضطرار للوقوف أو الانحشار بين عشرات الركاب، أشبه بالمعجزة، خاصة خلال ساعات الذروة صباحاً وظهراً.

هذه المعاناة اليومية لشرائح كبيرة من سكان المدينة دفعت بمنظمة نيسان التي تعمل على دعم المرأة والاهتمام بقضاياها خاصة تلك المتعلقة بالعنف الموجه ضدها، لإطلاق حملة تحت شعار "خليلي مسافة"، بهدف التوعية بما تتعرض له الفتيات في وسائل النقل المزدحمة من حالات تحرش تزداد يوماً بعد آخر.

بتصميم بسيط يظهر الاعتداء على المساحة التي يفترض أن تشعر فيها الفتاة بالأمان، وهي حالة أشبه بالعامة في وسائل النقل سواء بشكل مقصود أو غير مقصود، وآخر تبدو فيه مساحات الجميع متساوية، وهي الحالة التي يفترض بالجميع المطالبة بها كحق من أبسط الحقوق اليومية، انتشرت ملصقات في عشرات الباصات والحافلات التي تنتقل بشكل يومي بين مدينة جرمانا ومختلف مناطق العاصمة، ليغدو وجودها مألوفاً لمعظم الركاب.

وبشكل متزامن، أوضحت المنظمة عبر حملة موازية على موقع فيسبوك الهدف مما تقوم به في الحافلات، فالغاية هي الحد من حالات التحرش في وسائل النقل بسوريا، كمشاركة في الحملة العالمية الرامية لمناهضة العنف القائم على النوع الاجتماعي، والمنطلق هو أن "المسافة ضرورية كي نشعر بالراحة والأمان حتى في محيطنا الخارجي".

ملصق "خليلي مسافة" هو جزء من حملة انطلقت في مدينة جرمانا، بهدف مناهضة التحرش الجنسي بالنساء داخل وسائل المواصلات العامة، انتشر في كثير المواصلات العامّة

تُظهر منشورات الحملة الافتراضية عبر السوشال ميديا مشاركة الركاب نساء ورجالاً، وحتى السائقين، في تعليق الملصقات والترحيب بالفكرة التي يبدو بأنها باتت ضرورة وليس مجرد رفاهية

تظهر منشورات الحملة الافتراضية كذلك مشاركة الركاب نساء ورجالاً، وحتى السائقين، في تعليق الملصقات والترحيب بالفكرة التي يبدو بأنها باتت ضرورة وليس مجرد رفاهية. "بدنا نطلع على شغلنا وجامعاتنا ونحنا مرتاحات وما نفكر أنو بدنا نطلع ونتعرض للمضايقات كل النهار ونكره الطلعة من البيت بسبب هالموضوع. نريد من الجميع الانتباه والمحافظة على مسافة احترام وثقة وأمان بين بعضنا"، توضح المنظمة بشكل أكثر تفصيلاً.

"لا أدري لماذا صرت أشعر بالأمان عند ركوبي لحافلة تحمل هذه الملصقات"، تقول فاتن أبو سمرة، وهي من سكان مدينة جرمانا، في حديث لرصيف22، وتضيف موضحة: "باتت ملصقات خليلي مسافة بالنسبة لي أشبه برقيب خفي على جميع الركاب. قد لا تساهم حالياً بالتخفيف من حالات التحرش لكنها لا شك ستثير داخل الجميع، نساء ورجالاً، كثيراً من الأسئلة التي قد تنتهي برقابة ذاتية أشد صرامة".

لكن لا تبدو آراء الجميع إزاء الحملة بنفس هذه الإيجابية. البعض يرى أنها لا تعالج سبب المشكلة الأساسي وهو ازدحام الحافلات، بشكل غير مقبول، بالركاب، مع عدم وجود آلية لوضع حد أقصى لعددهم في كل حافلة، ما يؤدي في معظم الأحيان لجلوس ثلاثة أو أربعة ركاب في كرسي مخصص لاثنين فقط، أو للوقوف بشكل متقارب للغاية مع عدم وجود مساحات كافية للجميع.

آخرون، ومنهم سامر وهو شاب ثلاثيني يعيش في جرمانا، رأى بالحملة إجحافاً كبيراً بحق الذكور وتنميطاً لهم بصورة المتحرش غير المكترث بحقوق النساء.

في حديث مع رصيف22، يشير الشاب إلى أن أبسط أشكال التحرش هو هذا الذي يحصل أثناء الجلوس في وسائل النقل العامة، والذي قد يكون فعلاً غير مقصود، في حين تواجه النساء في سوريا حالات أكثر خطورة، ويضيف: "لا يلغي ذلك أهمية مواجهة التحرش بكل الطرق الممكنة، لكن ينبغي أن يتم ذلك برأيي بطريقة مدروسة أكثر".

غياب الإحصائيات والوعي

لا إحصائيات رسمية عن عدد حالات أو قضايا التحرش في سوريا على اختلاف ضحاياها، مع غياب الدراسات اللازمة لمعرفة أية أرقام ذات صلة، ومع عدم لجوء الضحايا في معظم الأحيان للشكوى أو حتى مجرد الحديث عما تعرضن له نتيجة الخوف من أحكام مسبقة ستطلق عليهن من كل حدب وصوب.

وفي هذا السياق، تقول ريم محمود (25 عاماً)، وهي ناشطة نسوية سورية ومؤسسة لمبادرة نسويات سوريات التي تعنى بالعمل النسوي وحقوق النساء: إن "المشكلة عند الحديث عن التحرش في سوريا، إلى جانب غياب الإحصائيات الرسمية، تكمن في أن العديد من الضحايا لا يدركن بأن ما يتعرضن له في كثير من الأحيان يعتبر تحرشاً بالفعل".

ومن خلال احتكاك ريم بكثير من النساء، سواء عبر مواقع التواصل الاجتماعي أو بشكل شخصي، تشير إلى أن أكثر أنواع التحرش انتشاراً في سوريا اليوم هي تلك التي تحصل في الأماكن العامة أو أماكن العمل، مع استفادة المتحرشين من غياب ثقافة التوعية التي توضح التحرش وتُدينه، وأيضاً من ميل المجتمع لإسكات الضحية أو تكذيبها أو وضع اللوم عليها، أو حتى اعتبار التحرش مجرد حادث عرضي لا يستحق الاهتمام.

وتتطلب مواجهة التحرش وفق ما تقوله ريم في حديث لرصيف22، عملاً جماعياً من العديد من فئات المجتمع وعلى رأسها المثقفون والفاعلون والمؤثرون الأساسيون، وذلك عبر إدانة التحرش والتشديد على أهمية وضرورة التعامل معه ومساندة من يتعرض له وخاصة النساء، لا سيما "وأننا نعيش في مجتمع يكاد يكون التحرش جزءاً من ثقافته".

وعلى المستوى الشخصي، ترى المتحدثة بأن الحل الأفضل هو إيمان المرأة بأحقيتها بمساحة خالية من الانتهاكات والاعتداءات مهما كانت بسيطة، وهو ما سيحثها على الدفاع عنها والغضب عند انتهاكها.

ولا تعتقد ريم بأن الوصول لذلك أمر سهل، حيث نشأت معظم النساء في المجتمع السوري على ثقافة تدين الفتاة التي تواجه المتحرشين وتلقي اللوم على لباسها وموعد عودتها ومشيتها وضحكتها. "مع ذلك، ومرة تلو الأخرى، وبالعمل المستمر، لا بد أن تتحول هذه الثقافة الجديدة التي نسعى إليها لجزء من شخصياتنا وحدودنا الخاصة"، تضيف في نهاية حديثها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard