سببه الأساسي "انعدام الإحساس بملكية المجال العام"... مصريون يعملون على مواجهة تلوث البلاستيك

الاثنين 2 ديسمبر 201902:59 م

على كورنيش الإسكندرية، ألقت فتاة بزجاجة بلاستيكية فارغة على الشاطئ المُغطَّى بالقمامة. على بعد خطوات منها وقف عمرو علي أستاذ الاجتماع في الجامعة الأمريكية، الذي قال لها: "الزجاجة سقطت منك دون قصد. هل من الممكن أن تحتفظي بها وتضعيها في صندوق القمامة؟" فتى صغير بصحبتها – ربما كان أخاها- التقط الزجاجة وألقى بها في الماء قائلاً: "البحر هياخدها".

القمامة البلاستيكية التي تتخلص مصر منها مؤذية جداً للبيئة، وتضيف المزيد من الأعباء على الأزمة المناخية التي يمر بها العالم. وكشف تقرير صادر أخيراً عن الصندوق الدولي للحياة البرية، عن أن مصر هي أكبر المصادر التي تلوث البحر المتوسط بالبلاستيك، إذ تلقي وحدها بربع مليار طن من البلاستيك سنوياً في البحر.

يقول عمرو علي: "هي السموم الاجتماعية نفسها التي تؤدي للتحرش الجنسي والعنف والسرقة في المجال العام، هي نفسها ما يؤدي لتراكم القمامة في الشوارع وفي البحر. غياب الشعور بالمسؤولية المشتركة وتفتت المساحات العامة وانعدام الإحساس بملكية المجال العام، هذه كلها تتسبب بتلك الأمراض". يضيف أستاذ علم الاجتماع: "يزيد من سوء الأزمة غياب التشريعات المنظمة لإدارة القمامة بطريقة صديقة للبيئة، أو عدم تطبيق تلك التشريعات بفاعلية".

ويتفق المهتمون بشؤون البيئة على أن هناك ضعفاً شديداً في الوعي العام بشأن خطورة البلاستيك على البيئة والصحة بسبب غياب التوعية وحواجز اللغة القائمة أمام توفير المعلومات، فأغلب المعلومات المتوفرة عن قضايا البيئة متاحة بالإنكليزية. ولكن لحسن الحظ هناك ازدياد في الجهود المخصصة لمواجهة أخطار البلاستيك.

في يوليو الماضي، أسس مجموعة من النشطاء والفنانين شراكة مع بعض المؤسسات المهتمة، لتنسيق الجهود بغية مواجهة تلوث البلاستيك، واتخذ التحالف الوليد اسم "مصر بتمنع البلاستيك"، ويستهدف التحالف رفع الوعي بمخاطر استخدام البلاستيك وتعريف المستخدمين والتجار والمصنعين ببدائله، بحسب البيان الصادر عن الحملة.

تقرير حديث عن الصندوق الدولي للحياة البرية يكشف عن أن مصر أكبر المصادر التي تلوث البحر المتوسط بالبلاستيك... لكن ناشطين يعملون على تصحيح الصورة من خلال عدة مبادرات ناجحة لحظر البلاستيك
جهود إعادة التدوير وحملات التوعية والمبادرات المحلية تنجح في خفض شراهة المصريين لاستخدام البلاستيك. وانتشار الوعي يدفع بوزيرة البيئة ياسمين فؤاد إلى التخطيط من أجل وقف استخدام الأكياس البلاستيكية على نحو تدريجي

تقول "زي"، الفنانة التي أطلقت حملة "كفاية بلاستيك": "كانت فكرة عظيمة أن نوحد جهودنا لأننا نحمل الأهداف نفسها".

شكَّل التحالف لجاناً للعمل وفق أهداف مختلفة: حملة للتوعية، ولجنة للبحث والتطوير. وتأمل "زي" أن يكون تأثير التحالف أقوى لدى اتباع منهج تقسيم المهمات عوضاً عن منهج تنظيم العمل.

عندما ترفض "زي" الحقائب البلاستيكية أثناء التسوُّق، يقابلها الناس بنظرات استهجان "كأني كائن فضائي". وتقدر الهيئة المصرية لشؤون البيئة أن المصريين يستهلكون 12 مليون حقيبة بلاستيكية سنوياً.

تتحدث "زي" عن ولادة حملة "كفاية بلاستيك"، تقول: "كنت منزعجة جداً وفكرت أن غياب الوعي بشأن المشكلة أمر لا يمكن السكوت عنه". تستخدم الحملة صوراً جريئة وفنية للتوعية بأخطار البلاستيك، كما تعدّ الفنانة أكسسوارات من البلاستيك المعاد تدويره لجمع التمويل اللازم للحملة.

أحد الكيانات المشاركة في الحملة، مبادرة غرينِش التي تتولى مهمة نشر الوعي والمعرفة بشأن مخاطر القمامة البلاستيكية، وتأسست في 2017.

عقدت غرينِش عدداً من ورش العمل في المناطق النائية، مثل واحة سيوة وأسوان وجبل حماطة في مرسى علم. وعوضاً عن إلقاء المحاضرات، لجأت المبادرة لاستخدام الألعاب والأدوات المسرحية لإطلاق التفاعل والارتباط، وتحفيز التفكير الجماعي في حلول تنطلق من البيئة الخاصة بتلك المجتمعات. في نهاية الورشة، يستخدم المشاركون القمامة البلاستيكية في ابتكار أعمال فنية من تصميمهم يمكنهم أخذها إلى البيت أو تحويلها أعمالاً فنية ضخمة صالحة للعرض في الساحات العامة.

يقول شادي عبد الله، أحد مؤسسي غرينِش: "ورش العمل التي نقيمها هي تجربة فنية تقود المشاركين إلى زيادة معرفتهم بشؤون البيئة". كذلك تعمل غرينِش على بناء القدرات المؤسسية لكيانات أخرى مهتمة بالبيئة، منها مؤسسات حكومية، وتنظم حملات تنظيف كبيرة. على سبيل المثال، نظمت أربع حملات تنظيف في إطار حملة "فيري نايل" VeryNile. شارك في الحملات 1800 متطوع جمعوا 21 طناً ونصف من المخلفات – معظمها بلاستيكية- في القاهرة والأقصر. ويبدي عبد الله تفاؤله بالمستقبل "مصر اتخذت خطوات أولى جيدة في تصنيع بدائل للبلاستيك".

إحدى المبادرات المحلية في تصنيع بدائل البلاستيك هي "بانلاستيك" التي تنتج حقائب تسوّق مصنوعة من مواد قابلة للتحلل، بالإضافة إلى أدوات طعام من الخشب (بديلة للبلاستيك) للاستخدام في المطاعم والفنادق والمستشفيات.

تقول منار رمضان، إحدى مؤسسات بانلاستيك: "عندما نتحدث مع الناس عن استخدام بدائل صحية للبلاستيك، تفاجئنا استجابتهم. إنهم يحتاجون إلى معرفة ما هو التصرف المناسب فحسب، وما هي البدائل المتاحة، وكيف يمكنهم استخدام البلاستيك بطريقة أكثر وعياً".

قررت بانلاستيك أن تستمر في عملها فتأسست في الإسكندرية، ولم تنتقل إلى القاهرة برغم أن فرصها ستزداد في الانتشار والربح. تشرح منار رمضان: "الإسكندرية هي أكبر مدينة ساحلية في مصر واستهلاكها من البلاستيك يؤثر بشكل كبير في الحياة البحرية، بالإضافة إلى سد مصارف المياه، وهذا ما يتسبب بغرق المدينة في الشتاء".

أما مبادرة "غو كلين" Go clean فتتوجه إلى المستهلكين مباشرة للحصول على القمامة منهم، ثم ترسلها لإعادة التدوير. بعد بدء سياسة طرق الأبواب في فبراير الماضي، استطاعت غو كلين أن تقفز بعملياتها من 7 زيارات منزلية يومياً إلى أكثر من 100 زيارة، ويتنوع المتعاونون معها من أرباب أسر إلى مطاعم ومدارس ومصانع وشركات. يقول مؤسسها محمد حمدي: "الناس متحمسون جداً للمساعدة في حماية البيئة والمشاركة في إعادة التدوير".

ويرى عبد الله من مبادرة غرينِش أن ازدياد وعي قطاعات كبيرة من المجتمع بخطر البلاستيك، بالإضافة إلى الضغوط الدولية، دفع بالحكومة المصرية لاتخاذ خطوات جادة في مواجهة أزمة البلاستيك.

وأصدرت الأجهزة الحكومية في محافظة البحر الأحمر قراراً بالمنع التام لاستخدام المنتجات البلاستيكية المتاح استعمالها مرة واحدة، وبدأ تنفيذ القرار في مطلع يونيو الماضي. تقدمت جمعية الحفاظ على البيئة في البحر الأحمر "هيبكا" ومقرها الغردقة باقتراح يتضمن هذا القرار لمحافظة البحر الأحمر. استطاعت هذه الجمعية التي تركز على حماية البيئة البرية والبحرية في المحافظة أن تنشىء حاضنة تعليمية تستقطب الطلاب من سن بدء المراهقة حتى طلبة الدكتوراه.

على بعد حوالى 100 كيلومتر نحو الشمال، تقع مدينة دهب التي أطلق رئيس مجلسها المحلي "الباز" مبادرة "بلا بلاستيك" في الثاني من يوليو الماضي. ولأن المدينة الواقعة في جنوب سيناء يرتكز اقتصادها على السياحة البيئية، تستهدف هي ومجلسها الحفاظَ على الحياة البحرية الثرية في المدينة ومحمياتها. وتعتمد المبادرة على تدريب المتعاملين مع السياح على توعيتهم بشأن أخطار البلاستيك، وتتعاون الشركات والهيئات السياحية مع مراكز الغطس في حملات تنظيف الشواطىء.

وفي يونيو الماضي، تقدمت النائب أنيسة حسونة العضو في البرلمان المصري بمشروع قانون لمنع الحقائب البلاستيكية ذات الاستخدام الواحد في مصر. تقول حسونة لرصيف22: "أتوقع مقاومة كبيرة من أصحاب مصانع البلاستيك، لكن حياة الأجيال المقبلة أهم". وتعتزم حسونة طرح مبادرة بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم لنشر الوعي ومناقشة قضايا البيئة في المدارس المصرية. تقول: "أرى كيف يقتل البلاستيك الحياة البحرية والنهرية ويسمم الأسماك.. العالم كله يسيء استخدام الموارد"، مشددةً على أن تحلل البلاستيك يستغرق مئات السنين.

وتنوي وزيرة البيئة المصرية ياسمين فؤاد العمل على الخفض التدريجي، وصولاً إلى المنع التام لاستخدام الأكياس البلاستيكية.

ويسعى مركز القاهرة للحوار البيئي CCT -وهو منصة مصرية ألمانية مختصة في شؤون البيئة- إلى إطلاق حوار بين الأطراف المعنية من صناع القرار والمجتمع المدني والمؤسسات التجارية والعلماء المختصين. ويضع المركز التخلص الكامل من النفايات البلاستيكية على رأس قائمة أولوياته. وهو نظّم عروضاً لفيلم "عبيها" Bag it (فيلم وثائقي أمريكي يتناول مخاطر الأكياس البلاستيكية)، كما قدم الدعم لعدد من حملات النظافة وورش العمل المضادة للنفايات البلاستيكية في عدة محافظات مصرية. واستطاع الجمع بين خبراء التخلص من النفايات وعلماء الحياة البحرية في جلسات عمل مشتركة لكي "نضع مقاربة شاملة لحل المشكلة" بحسب تصريحات آمنة شرف منسقة CCT.

تقول شرف: "نحاول القيام بدورنا من خلال جميع الأنشطة التي يتضمنها برنامج العمل. نؤمن بأن العمل والجهد المشترك كفيلان بإحداث تغيير حقيقي".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard