بَصَّاتُ مغربيٍّ على مصر (2)... وسط البلد لِأَنْصَافِ الثائرين

الأربعاء 20 نوفمبر 201904:25 م

لا ينفك عمّ محمود عن الصياح، في مشهد أقرب إلى الكادرات السينمائية السائدة في أفلام ما يعرف بـ"الواقعية الجديدة"، فهذا زبون "يرغي" معه في الكلام، وثانٍ يحاججه في المباريات الكروية بتشدد عن فوز الاهلي عن جدارة، وثالث يستقبله بلازمة متكررة من الترحاب شديد لزبون وفيّ وسخيّ في البقشيش أمام رفاقه.

يعمل محمود في مقهى شعبي في منطقة وسط البلد، المعروفة بزخمها الثقافي والسياسي من حيث الممارسات والأنماط الحياتية، معظم من يأتي من الشباب يعمل في قطاع الصحافة والنشر والثقافة وما شابه، لينفّسوا عن يوم "مسحول" (وفق تعبير المصريين) مثقل بـ"الشفتات" المتتالية من طلوع الشمس إلى غروبها.

مباريات كرة القدم والنقاشات الروتينية عن السياسة والثقافة، و"الرغي" في الكلام والنكت وصنع القفشات، تظل متنفساً لمرتادي هذا المقهى، أما لعبة البلاي ستايشن فباتت تفرض نفسها وسط قطاع مهم من شباب الطبقة المتوسطة، الذي يحاول أن يتجاوز أزماته باللعب.

"الهلس" في مواجهة "العبث"

بعد تعويم الجنيه خلال عام 2017، صارت معيشة المصريين "على كف عفريت"، تفتقر إلى الاستقرار، ومُهدَّدة حتى في حدها الأدنى من الأساسيات، ولا مجال للحديث عن الكماليات، بما في ذلك وسائل الترفيه.

بالنسبة لجمال فهو لا يحبذ أن يتحدث في كل وقت وحين عن أوضاع بلده الاقتصادية والمشهد العام بشكل عميق، ورغم أنه صحفي ويكتب ويحلل أوضاع بلده، إلا أنه يشدد بين الفينة والأخرى على ولعه بما يسميه بنقاشات "الهلس" (كلام مسلي وأحياناً تافه) كوسيلة لمواجهة "العبث".

"أنا بحب كلام الهلس، أموت فيه، الحياة هنا بقت لا تطاق" يقول جمال، منشغلاً بشغف طفولي بلعبة البلاي ستيشن مع صديقه وشريكه في السكن حسن.

يعمل الشريكان (جمال وحسن) في قطاع الصحافة، وهي مهنة توصم بتوصيفات وتمثلات جاهزة، عن الولاء والنفاق المهني تجاه الخط التحريري للمؤسسة والنظام السياسي، فهذا الأخير احتكر القطاع برمته وضيّق هامش الحرية، لذا يقف معظم الصحفيين والكتاب أمام خيارين، إما معنا أو علينا، يعني إما أن ينصاعوا للخط التحريري السائد، أو يتعاملوا مع مؤسسات خارج البلد، وهو أمر ليس بالهين، خصوصاً بعد أن تم حجب المئات من المواقع، وحظر التعامل مع مؤسسات توصف لدى السلطات بالـ"إرهابية" أو "تهدد الأمن القومي و استقراره".

رغم أنه صحفي ويكتب ويحلل أوضاع بلده، إلا أنه يشدد بين الفينة والأخرى على ولعه بما يسميه بنقاشات "الهلس" (كلام مسلي وأحياناً تافه) كوسيلة لمواجهة "العبث"

تبدو الأماكن في معظمها مهملة: أزبال مركونة، ومتراكمة في بعض الأرصفة، والممرات الضيقة، كلاب ضالة ومسعورة، فوضى في الطرقات، حتى "الملامح الثورية" خَبَتْ، ولم تعد كما كانت متوهجة أيام يناير

وجوه المارة في "القصر العيني"

في شوارع وسط البلد، بالكاد تظهر حالة المخملية التي كانت تَسِمُ المنطقة كما كان يراها المشاهد العربي في أفلام السبعينيات المصرية، حالياً تبدو الأماكن في معظمها مهملة: أزبال مركونة ومتراكمة في بعض الأرصفة، والممرات الضيقة، كلاب ضالة ومسعورة، فوضى في الطرقات، حتى "الملامح الثورية" خَبَتْ، ولم تعد كما كانت متوهجة أيام ثورة يناير.

بصفة شبه منتظمة، داومت على التسكع واستراق النظر في شارع قصر العيني، المؤدي إلى المستشفى الحامل لنفس اسم الشارع، والشاهد على مصابي وقتلى ثورة يناير، وأيضاً الأيام والليالي النوفمبرية الباردة لاحتجاجات الإعلان الدستوري، إبان تولي الرئيس الراحل محمد مرسي للحكم سنة 2012، وما تلاها من أحداث صعبة خلال فترة ما سُمّي بـ"انقلاب يوليو سنة 2013".

في نفس الشارع، تمضي السيارات بسرعة رهيبة باتجاه واحد نحو ميدان التحرير، أما المشاة فيعبرون هذا الطريق بشق الأنفس، لا حل أمامهم سوى الهرولة، شكل الشارع مهيب بالبنايات الحكومية لكنه ميال للرمادي الباهت، يوحي بمشاعر مركبة ما بين نوستالجيا رومانسية لثورة موءودة، وشعور عام بالإحباط واللامبالاة نحو الحاضر والمستقبل. وجوه المارة خير شاهد، فهي لا تكذب، حتى ولو كانت تخفي ذلك بقليل من الملامح المحايدة والباردة.

سحر الصخب

لكلاكسونات السيارات القاهرية سحر وموسيقى خاصة، فكل ترنيمة لها معان ورسائل مبطنة، وهي لا تخلو من إعلان صريح عن معاكسة الفتيات اللاتي يُظهرن شيئاً من الحذر، وفي حالات أخرى الخوف، فكثير ما يتحاشين النظر نحو الذكور، نظرتهن باردة، متجاهلة، وتارة أخرى قاسية. هذا التصرف مبرر وليس مجانياً، فهو نتاج لتوالي حوادث التحرش المتنامية في البلد خلال السنوات الأخيرة.

تحاول الأنثى المصرية التي صادفتها أكثر من مرة في الفضاء العام بوسط البلد، ومعظم أنحاء القاهرة النابضة بالحياة، أن تواجه مجتمعها وأنساقه الثقافية بكثير من الآلية الدفاعية: اللباس المقبول اجتماعياً، النظرة، طريقة المشي، والكلام أكبر دليل.

لكن، ليس كل المصريات على هذا الحال، فشيرين الناشطة في الشأن الثقافي تتحدى هذه الأنماط ولا تكترث لها، كانت تتحدث بطلاقة وعفوية عن الشأن الثقافي والسياسي والفكري بالبلد، وهي تدخن السيجارة، بعد أن "تلف" التبغ على الطريقة الشائعة في مصر، لكن بشياكة وحرص كبير على النعومة في لصق ورق "البفرة".

صديقتها المحجبة هي الأخرى تكسر السائد، تدخن السجائر، وتناقش بدون تكلف كل التابوهات، وتشارك رفاقها المنتمين لأيديولوجيات وقناعات مختلفة، فيما يتعلق بـ"مصير البلد"، والهموم المشتركة.

بيد أن هذا المشهد لا يعبر بالضرورة عن تمرد أو حالة كاملة من الثورة على المجتمع والنظام، في منطقة قاهرية لم تعد كما كانت في العقود الماضية، مخصصة بالدرجة الأولى للمخمليين والثائرين والمختلفين والهاربين من مجتمعهم وأخلاقياته أحادية الجانب.

بعد أن أحبطت آمال جيل صاعد، بات وسط البلد ملاذاً لأنصاف الثائرين والمتمردين، الباحثين عن نصف حياة مستقلة.

بعد أن أُحْبِطَتْ آمال جيل صاعد بأكمله، بما في ذلك جمال وحسن وشيرين وغيرهم، ممن شاركوا وحلموا بتغيير البلد سياسياً ومجتمعياً، بات وسط البلد ملاذاً لأنصاف الثائرين والمتمردين، الباحثين عن نصف حياة مستقلة، بعيداً عن الأهل وسلطة المؤسسات، لكنها حياة تطبعها الازدواجية، وكمثال على ذلك، تضطر هذه الفئة أن تزاوج بين الخضوع للنظام السياسي والمجتمعي في مقرات العمل ونشاطاتها المهنية نهاراً، ومحاولات الظهور بمظهر "المتمرد" على هذا النظام وأنساقه في المقاهي والبارات ليلاً.

حالياً، ليس جميع قاطني هذه المنطقة مشغولين -بالضرورة- بالشأن الثقافي والفكري والمجتمعي وبلورته، بقدر ما يؤرقهم سؤال المعيشة وصيرورته اليومية.

تأمُّل في الفراغ

لا يكترث تامر حالياً لهذه المسألة، فدخله المتوسط والمريح نوعا ماً، ومكانته الاجتماعية كمشرف على إحدى المواقع العربية، أجابا على سؤال العيش ومحاولاته الصعبة، الآن بإمكانه أن يناقش ويتفلسف -بكل ثقة- وفقاً لرؤيته "الراديكالية" للوجود والحياة والمجتمع، وينتقد بجرأة وبلا مواربة، أنماط وأخلاقيات وسطه، لكن قليلاً ما يجد تفاعلاً من طرف رفاقه الغارقين في دوامة "توافه الحياة"، على حد وصف الكاتب الروسي أنطوان تشيخوف.

يشدد تامر في نقاشاته مع رفاقه على أن الحل يكمن في التأمل، يحاول -ما أمكن- أن يؤثر ويغير أفكارهم، والأهم أن ينعتقوا من سجني الإحباط والاكتئاب، وأيضاً أن يخرجوا من تبني السخرية السطحية لمواجهة أوضاع البلد، فهو يراها مجرد عجز وهروب.

"يا سعيد، عالمنا مليان بالعبث والكبت.. لذلك أنا لسه مُصِر على إن التأمل هو الحل، هنا تبدأ الحرية، في ذواتنا أولاً، حتى نتحرر من هذا السيستم الذي يحاصرنا "،يقول تامر متأملاً في دخان شيشته، ينافسها دخان سيجارة صديقه هيثم الملفوفة بعناية شديدة، هو الآخر يتأمل، لكن بتحديق شديد في الفراغ، مبتسماً، منتشياً بدخانه، غير آبهٍ لنقاشي مع تامر، ولا حتى للمآلات.

يكمل هيثم سيجارته الأولى ثم يتبعها بأخرى محشوة بقليل من الحشيش، فيتنهد بقليل من الحشرجة، ليقول: "ده هو الحل يا معلم"'، مشيراً بإصبعه لسيجارته المحشوة، يفرج هيثم عن قهقهة ضائعة، تزاحم صياح عم محمود، هذه المرة لا ينفك عن المراوغة بين ثنايا الكراسي والطاولات الخشبية والبلاستيكية، بكثير من الحماس الفطري غير المتصنع، وكأنه طفل يعاند عمره الأربعيني بقليل من الإحساس بالعبث.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard