"شعاراتهن كثير مستفزة"... مظاهرة "طفح الكيل" النسوية تثير جدلاً في الشارع الأردني

الاثنين 18 نوفمبر 201906:27 م

"يا ريتهم ما طلعوا!"، حرفياً هذا الشعور الذي انتابني وأنا أقرأ ردود الأفعال التي لحقت بالوقفة الاحتجاجية في عمان، التي دعت إليها اللجنة الوطنية لشؤون المرأة، يوم السبت 17نوفمبر/تشرين الثاني 2019، للتنديد بالعنف ضد المرأة، والتي شاركت فيها شخصيات حقوقية ونسوية وسياسية وإعلامية.

خرجت #طالعات_من_الأردن ويبدو أنه لم يكن في الحسبان أن تتحول الدعوة لتلك الوقفة والتي حظيت بتوافق مجتمعي قبل تنفيذها،  إلى جدل واسع في الشارع الأردني. خصوصاً وأنها جاءت على خلفية الجريمة البشعة التي لحقت بسيدة أردنية (فاطمة أبو عكليك) في محافظة جرش مؤخراً، عندما قام زوجها بفقئ عينيها، ما أفقدها بصرها تماماً. تلك الجريمة التي حركت الرأي العام الأردني بكافة أطيافه وأيديولوجياته، ورفعت المطالبات بتنفيذ أقسى العقوبات على المجرم.

لكن سرعان ما تحول التكاتف الشعبي الأردني إزاء جريمة جرش إلى تبعثر كبير بعد وقفة #طفح_الكيل و#طالعات_من_الأردن، فـ"ما بحسد المال غير صحابه"، لأنه قلما يكون هناك توافق مجتمعي وشعبي في الآراء، مثل ما حدث عقب الجريمة، ويندثر بسرعة البرق بعد الوقفة الاحتجاجية.

هجوم على المظاهرة وبعض الشعارات

فمن أيد الدعوة إلى الوقفة من المحافظين أو التقليديين صُدموا بشعارات تتحدث عن "الشرف والعورة" وغشاء البكارة، والتي هي ضمن سلسلة من التابوهات المجتمعية، فضلاً عن عدم توافقهم مع الشعار الأكثر تعرضاً للانتقاد: "يسقط النظام الأبوي"، الذي فسّره البعض أنه مسٌّ بهيبة وقيمة ومكانة الأب في الأسرة، وهو ما شرحه آخرون من الجهة المقابلة، أنه لا يعني المسّ بالأب بل بالعقلية الذكورية.

فشعار #طالعات_بالأردن بالنسبة لما غرد به المواطن، فطم العدوان عبر تويتر، لا يعد ضمن هذه الحقوق بل "عقدة قهرية قائمة ع افتراض عدو وهمي". متسائلاً: "وين مستشفى المجانين عنكم"؟ ويتابع: "أراكم فكر نسوي متطرف جرثومة غريبة عن مجتمعنا، تعمل ع زراعة الحقد والكراهية بين الناس تسعى لهدم البيوت والقيم، ودمار الأسر وتشتت الأطفال، تحب الصياعة والفساد وتكره العفاف والصلاح".

من الطبيعي أن تكون هناك حالة من الحدية من قبل الذكور على #طالعات وشعاراتهن، لكن الأغرب أن تكون هناك حدية تصل إلى حد الذم والتخوين والتحقير من قبل نساء، مثل التغريدة التي أثارت جدلاً واسعاً من قبل إحداهن: "من الصبح وأنا براقب جماعة #طالعات_بالأردن. والغريب ما شفت أي أنثى جميلة، بنت عائلة، حاملة شهادات عليا، أو حتى حراكية معروفة، والغريب أغلبهم عوانس وهاد بدل على أمرين: 1- إما هؤلاء لديهم مشاكل مع الجنس الآخر (مرض نفسي ) 2- أو عاهرات مأجورات"

تحفظ البعض على الشعارات

أما الناشط معتز ربيحات، وهو من أكثر المغردين الذين شجعوا دعوة #طفح_الكيل قبل تنفيذها، فكانت لديه وجهة نظر مختلفة عقب الوقفة، تتعلق أيضاً ببعض الشعارات التي رفعت حيث يرى بحسب تغريدة له: "كلنا ضد العنف ومع المرأة وحقوقها، لكن بعض الشعارات التي خرجت كثير مستفزة، شايف أنه في ناس استغلت الوقفه لأغراض أخرى بعرف في ناس كثير كثير ما رح يعجبه كلامي".

رأي ربيحات الذي أعلن عنه صراحة يتوافق مع آراء كثيرات من حقوقيات أردنيات فضلن عدم التعبير عنه علناً، خوفاً من الاصطدام مع "الحركة النسوية الأردنية"، حسب تعبيرهن.

حيث قالت أحدهن لرصيف22: "دخيلك ما توقعيني مع النسويات، إذا حكيت رأي ما رح أخلص انتقاد منهم"، مفضلة عدم ذكر اسمها وموضحة وجهة نظرها التي تتوافق مع رأي ربيحات، أنها بالطبع ضد تخوين وامتهان المرأة وتحقيرها مثل الهجوم الذي حدث بعد الوقفة، لكنها تتحفظ على بعض الشعارات التي خرجت والتي بدورها تستفز التكوين المجتمعي الأردني.

وتتابع: "شئنا أم أبينا نحن مجتمع محافظ"، وتذهب في حديثها إلى أن مطالبة المرأة بحقوقها لا يعني التمرد على المألوف، مشيرة إلى أنها من أكثر الداعمات لحركة #طفح_الكيل، لكنها تجد أن بوصلة الحملة انحرفت، وهناك من تسلق واستغل الوقفة الاحتجاجية لرفع شعارات مطلبية مرفوضة مجتمعياً، الأمر الذي أفشل فكرة وقفة تدعو إلى أمر أهم من ذلك كله، وهو محاربة ووقف العنف الأسري الذي لحق بضحايا كثر، آخرهن سيدة بسيطة تحملت عنفاً من زوجها طوال سنين وانتهى بفقدانها بصرها.

وصل الأمر في جدل #طالعات_من_الأردن أنه يجب أن تأخذ طرف إما مع وإما ضد، وكأنه ممنوع أن تقف على "الحياد"، وهذا ما شعر به المغرد مدالله النوارسة الذي كتب عبر صفحته: "سؤال: هو أنا لازم أكون مؤيد أو معارض لـ#طالعات_الأردن؟ ما في حل وسط؟ مين بقدر يفيدني؟".

"فشلنا في سن قوانين رادعة للعنف"

وبررت الأمينة العامة للجنة الوطنية لشؤون المرأة، الدكتورة سلمى النمس، استخدام مصطلح #طفح_الكيل في الوقفة التي دعت إليها اللجنة، حيث قالت في حديث لها مع رصيف22: " لأننا اكتشفنا أنه بعد عشرين عاماً من محاولات وضع تشريعات قادرة على ردع العنف الأسري، بأننا فشلنا في سن قوانين رادعة للعنف ضد المرأة، فحتى اليوم لم نواجه بشكل صادق الثقافة المجتمعية المعززة لحماية المرأة من العنف وما زلنا نواجه إعادة انتاج للنظرة الدونية المجتمعية ضد المرأة".

وتضيف: "سكوتنا على العنف الذي يمارس بحق المرأة الأردنية منذ أول إهانة لفظية تتعرض لها في منزلها هو الذي يصعب الطريق لمحاربة هذه الآفة، واتهامنا للمرأة التي تنتفض على تعنيفها من قبل أسرتها بأنها خرجت عن كنف أسرتها هو الذي يصعب علينا أيضاً".

أما الناشطة النسوية، الدكتورة لينا جزراوي، فتطرقت إلى أن الجريمة الأخيرة في جرش حدثت لأن كل الحملات التوعوية والتشريعية التي تقوم بها الحركة النسوية في الأردن، لم تؤثر في عقلية البيئات المحافظة في الأردن، وهي مؤشر أن شكل العنف تطور بحق المرأة وصل إلى فقئ عينيها!

ويبدو، كما تضيف جزراوي، أن هناك قصوراً في الوصول إلى النساء أيضاً في البيئات المحافظة، وتقول: "لو كان هناك تمكين اقتصادي للمرأة الأردنية لما وصل حالها إلى ما هو عليه اليوم، ففاطمة (المرأة التي تعرّضت لعنف زوجها في جرش) هي جزء من مجتمع عربي محافظ وتقليدي، تسوده ثقافة العيب من ارتياد سوق العمل وثقافة الأسرة".

واعتبر الناشط الحقوقي إيميل الغوري، مشاركته في الوقفة، أنها مناسبة للتأكيد على أن قضية حقوق المرأة قضية وطنية وليست جندرية، لا تقل أهمية عن باقي القضايا الوطنية الذي يطالب بها، مثل مناهضة التطبيع وإلغاء اتفاقية الغاز مع الاحتلال.

وقال: "أنا كذكر نسوي أؤيد تحقيق مطالب المرأة بنسبة مائة بالمائة ولا أقبل أقل من ذلك!".

سرعان ما تحول التكاتف الشعبي الأردني إزاء جريمة جرش إلى تبعثر كبير بعد وقفة  "طفح الكيل" و"طالعات"، فـ"ما بحسد المال غير صحابه"، لأنه قلما يكون هناك توافق مجتمعي وشعبي في الآراء، مثل ما حدث عقب الجريمة، ويندثر بسرعة البرق بعد الوقفة الاحتجاجية

على الرغم من مرور ساعات عديدة على انتهاء مظاهرة "طفح الكيل"، إلا أن حرب الهجوم والدفاع مازالت مندلعة، كان أبرزها عندما وصف النائب الأردني، صالح العرموطي، خلال جلسة لمجلس النواب، الحملة بأنها تهاجم الدين الإسلامي وقانون الأحوال الشخصية

"قضية فاطمة حرّكت الشارع الأردني"

واعتبرت محامية أبو عكليك، إيفا أبو حلاوة، أن قضية فاطمة لم تحرّك فقط الشارع الأردني تضامناً معها، بل أيضاً أشارت إلى مواطن العنف الذي يمارس يومياً بحق سيدات أردنيات من أسرهن، ونبهت إلى وجود تبرير مجتمعي للعنف ضد المرأة.

واعتبرت أن الحل يبدأ بتغيير العقلية المجتمعية المؤيدة للعنف ضد المرأة، وبالمنظومة التشريعية، لاسيما قانون العقوبات الذي يمنح إسقاط الحق الشخصي على المعنِّف الذي غالباً ما تكون تربطه صلة قرابة بالمعنَّفة، فضلاً عن العفو العام الذي يمنح ضمانات للمعنفين بأن فترة سجنهم لن تطول.

وفي هذا السياق شددت رحاب أبو عكليك، شقيقة فاطمة، أن عائلتها رافضة بشكل قطعي إسقاط الحق الشخصي لزوج شقيقتها الذي هو أيضاً ابن عمها، وهو ما ظهر واضحاً في اللافتة التي كانت تحملها خلال الوقفة.

وطالبت بتنفيذ أقسى العقوبات بحق زوج شقيقتها، مبدية عدم موافقة الأهل على عقوبة عشرة أعوام، فهذه العقوبة ليست رادعة بحسب وجهة نظرهم، فضلاً عن أنها لن تعيد بصر شقيقتها لترى أبناءها يكبرون!

على الرغم من مرور ساعات عديدة على انتهاء وقفة #طفح_الكيل، إلا أن حرب الهجوم والدفاع مازالت مندلعة، كان أبرزها يوم الأحد عندما وصف النائب الأردني، صالح العرموطي، خلال جلسة لمجلس النواب، الحملة بأنها تهاجم الدين الإسلامي وقانون الأحوال الشخصية، فضلاً عن أنها "نتاج" لمؤسسات المجتمع المدني ذات التمويل الأجنبي الذي ينتقده باستمرار تحت قبة البرلمان.

انتهت وقفة #طفح_الكيل وخرج من خرج في #طالعات_من_الأردن، وانشغل المغردون بمن مع ومن ضد الشعارات، ونسوا جميعاً أن الهدف الأساسي كان دفاعاً عن فاطمة التي فقدت بصرها، وتكاد من جراء زوبعة تلك الحرب أن تفقد نصرها أيضاً!

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard