"شتيمة حمّالة أوجه"... جدل "كـ* إمو" المستخدمة في احتجاجات اللبنانيين

السبت 16 نوفمبر 201912:02 م

"لكل المزعوجين من الشتائم، نحنا شعب عم يخلق، فطبيعي يقطع بكـ* إمو". بهذه العبارة ختم الرابر مازن السيد (الراس) حفلاً أقيم في الثامن من تشرين الثاني/ نوفمبر في موقف اللعازارية، وسط تنوّع شعارات الحضور بين مَن أراد إعادة إحياء "الهيلا هو" بنسختها الأصلية وبين مَن قرّر تحويلها إلى شعار ألطف عبر إنهائها بـ"الطريق مسكّر يا حلو".

يتفق أغلب اللبنانيين على أن وزير الخارجية السابق والنائب جبران باسيل استُهدف أكثر من غيره في شعارات المتظاهرين، وتأكيد هذا الاستنتاج بسيط، فهو مَن حظي بالكم الأكبر من الشتائم، وتحديداً الشتيمة الشهيرة التي تضمّنت ذكر عضو أمه التناسلي.

وقد أثارت طبيعة هذه الشتيمة الشهيرة غضب نساء كثيرات اعتبرن أن "الكـ*" ليس شتمية، وأن الشعار في صلبه ذكوري.

شتيمة حمّالة أوجه

في المجتمع اللبناني، وأثناء أي سجال بين شخصين، يرتفع مستوى الغضب في حال قرّر أحدهم شتم "أم" أو "أخت" الآخر، وتحديداً من خلال استخدام مصطلح "كـ*". هذا الغضب نابع في أصله من فكرة اعتبار المرأة شرف الرجل وعرضه.

لنتخيل هذا السيناريو الذي شهده كل اللبنانيين، ولو لمرة واحدة في حياتهم: تتخطى سيارة في أحد الأحياء الإشارة الحمراء وتصطدم بسيارة أخرى، يخرج السائقان ويتفاقم السجال بينهما، فيقول أحدهم للآخر: "كـ* إمك". في هذه اللحظة سيرد الطرف الآخر بكل عفوية: "عم تسبّلي إمّي؟"، وسينتقل الخلاف من كونه بسبب "حادث سير" إلى "المس بالكرامة".

هذه الشتمية بالتحديد حمّالة أوجه، ويتم قبولها أو نبذها حسب الطريقة التي تلقى بها. نستخدمها لإهانة شخص نكرهه، ونستخدمها كمزحة أو كمحاولة للتعبير عن الاشتياق لأحدهم، وفي الثورة اللبنانية استُخدمت لإهانة جبران باسيل.

مشيت في الأيام الأولى من الثورة مرددة الـ"هيلا هو" في الساحات خلال النهار، وفي الجميزة مساءً أثناء دندنة أحدهم لها. بعد عدّة أيام قاطعتها، ومن ثم عدت إليها حين تنبّهت إلى أن باسيل نفسه لا يمانع في استخدام والدته ليستعطف الناس، فتوضع صورة كبيرة لهما في وسط الشارع، ويحضرها معه إلى تظاهرة ضد الثورة.

وبالتالي قلت لنفسي: حين شتمت جبران باسيل عبر استخدام عضو أمه التناسلي، لم تكن صورتها كامرأة حاضرة في رأسي. قمت بذلك لأنه رجل عنصري يرفض حق المرأة اللبنانية في إعطاء الجنسية لأولادها، ويظن أنه أهم من الكل وتحديداً المرأة، وعليه فإنّي أصيب في شتيمتي حسه الذكوري، وبما أن والدته لا تمانع في تكريس نفسها للدفاع عنه وحشد جماهيره، رغم وقوف شعب كامل في وجهه، فأنا أشتم المصدر الذي أتى منه هذا الرجل، أشتم مخرجه الأول إلى الحياة.

تشرح الناشطة النسوية نضال أيوب أسباب رفضها لاستخدام شتيمة "كـ* إمو" بالقول: "مشكلتي في الأساس مع الشتائم الذكورية التي تطال شريحة محددة من الناس، ومنها أيضاً ‘توتي توتي توتي جبران واحد لوطي’، أو تلك التي تستخدم أعضاء النساء. في ما عدا ذلك لا أمانع في أن أشتم، وأستغرب الأشخاص المزعوجين من الشتائم. نحن اليوم في الساحات من خلفيات وطبقات اجتماعية متنوعة وكل شخص يعبّر بالأسلوب الذي يراه مناسباً. وأغلب المنتقدين للشتائم هم أشخاص لا يشاركون في الأحداث، ينزعجون من الشتمية ويقولون ‘عيب’ لكن في المقابل السرقة، النهب، السلاح المنتشر في الطرقات، والموت على أبواب المستشفيات ‘مش عيب’؟!". وتضيف: "المتظاهرون في الساحات لا يحرّضون على أحد وهم ناس يمارسون حقهم البديهي في شتم سلطة تدمّر حياتهم".

أما يارا الدبس، وهي أيضاً ناشطة نسوية، فلا تمانع في استخدام شتيمة "كـ* إمو" وتشرح: "كلمة ‘كـ* إمو’ في سياقها الموجَّه لجبران باسيل فقدت معناها الحرفي، وبالتالي لا يمكنني سوى التعامل معها كأسلوب تعبيري. أنا من النساء اللواتي يشتمن، ولا أعتبر أن الكـ* إهانة، لكن هذه الشتائم بإمكانها أن تفرّغ الغضب لدى الجماهير".

وتضيف: "نحن لسنا في إشكال فردي مع أحد الأشخاص حيث يتم استخدام الشتيمة بخلفية ذكورية، نحن في طور مواجهة سلطة تضم مجموعة فاسدة من الرجال، ولذلك حين أشتمهم فإن صورة أمهاتهم غير حاضرة في رأسي، وبالتالي لا يمكن التعامل مع الكلمة بمعناها الحرفي، فأنا حين أستخدم الأعضاء الذكورية التي لا أملكها لشتم أحدهم مثل ‘أيـ** فيك’، أو حين يتم استخدام كلمة ‘الله’ من قبل شخص غير مؤمن لكي يكفر، نكون أمام مصطلحات تُستخدم بطريقة غير حرفية بل أمام مجرد وسيلة للتعبير عن غضب آني من دون وجود خلفيات جندرية واجتماعية".

أساس الشتيمة ذكوري

شرح لي صديق الفرق بين الشتائم التي تتضمن ذكر الأعضاء التناسلية، بقوله إن تلك المتعلقة بالرجل دائماً ما ترتبط بفعل معين مثل: "أيـ** فيك" أو تشبيه مثل "متل أيـ**" في حين أن الشتائم النسائية تستخدم العضو بحد نفسه كشتيمة. وهذا الأمر مرتبط بقوة القضيب وضعف العضو الأنثوي بحسب الثقافة الاجتماعية. ولهذا مثلاً، يُستخدم مصطلح "كساية" لوصف الرجل بأنه جبان أو غير قادر على القيام بفعل رجولي.

في المجتمع اللبناني، وأثناء أي سجال بين شخصين، يرتفع مستوى الغضب في حال قرّر أحدهم شتم "أم" أو "أخت" الآخر، وتحديداً من خلال استخدام مصطلح "كـ*". هذا الغضب نابع في أصله من فكرة اعتبار المرأة شرف الرجل وعرضه
أساس شتيمة "كـ* إمو" هو فعلاً ذكوري، ويتأسس على ثقافة حماية الرجل لنساء عائلته، وإهانته لنساء خصومه، لكن ممارستها واستخدامها في الواقع تحوّل إلى فعل تلقائي بين النساء والرجال، دون أن تحمل، حين يتم التلفّظ بها، كل هذه الأبعاد

هذه التحليلات كلها في وقتنا الحالي ستبقى على الورق، لأن الجموع التي ترفض في الحياة الطبيعية واليومية أن يتم التعرض لها من خلال أعضاء أمهاتهم التناسلية، ستستخدمها هي نفسها بهدف محاربة قوى طاغية عليها، وستكرّس الأعضاء نفسها لإهانة ومحاربة هذه السلطة، وبالتالي سيتم اللجوء إلى الكـ*.

وسنرى أن الشاب نفسه المستعد لضرب أحدهم في الطريق للدفاع عن شقيقته، يهين خصمه عبر إهانة شقيقته، أمه وجدّته، فتتحول نقطة ضعف الاجتماعية على الصعيد الفردي إلى مصدر قوته على الصعيد العام.

وإذا أردنا الغوص في عمق هذا الأمر سنرى أن أساس هذه الشتيمة هو فعلاً ذكوري، ويتأسس على ثقافة حماية الرجل لنساء عائلته، وإهانته لنساء خصومه، لكن ممارستها واستخدامها في الواقع تحوّل إلى فعل تلقائي بين النساء والرجال، دون أن تحمل، حين يتم التلفّظ بها، كل هذه الأبعاد، وهذا الأمر لا ينحصر فقط في المجتمع اللبناني بل في أغلب المجتماعات، حيث يُهان الرجل عبر إهانة والدته، كما في النكات التي نراها في الأفلام.

تشرح رنا، وهي إمرأة مثل جميع اللبنانيات تعاني من القوانين والأعراف المجحفة في مجتمعاتنا بحق النساء وتفعل كل ما في وسعها لمحاربها، أنها شتمت وستشتم دائماً والدة جبران باسيل وكل رجل يشبهه، دون أن تشعر بذرّة نفاق تجاه نسويتها الخاصة بها.

وتقول: "في حال تعرّفت على امرأة لا تعجبني أفكارها سأشتم أفكارها، الأمر نفسه ينطبق على الرجل، وسأتنقّل بين الخيارات العدة المتوفرة في لغتي دون أن أفكر، والشتيمة تصنَّف شتيمة لأنها تضم الكـ* والأيـ*. قد أقول: ‘أيـ** فيكي’ أو ‘كـ* إختك’ لشابة. بالنسبة إلي حين أبدأ بالتفكير، بكـ* أم جبران باسيل أفقد نسويتي، لأنني سأعتبر أنني أشتم كـ*ي كمستضعف أمام الأيـ* ويتعرض للإهانة".

وتتابع: "الكـ* عضو ثابت ومتلقٍّ بطبيعته وبالتالي لا يمكن مقارنته بالقضيب القادر على الولوج والتحرك، ولذلك من الطبيعي أن تختلف لغوياً طريقة استخدامهما في الشتيمة. لا أسمع الرجال يعارضون تشبيه قضيبهم بأشخاص لا يحبونهم، أو استخدام النساء للمصطلح نفسه، لأن فخرهم بقضيبهم يتعدى فكرة استخدامه في سياق إهانة أحدهم، فخر الرجال بقضيبهم من المسلمات. ولهذا فإن شعار ‘كـ*ي مش مسبّة’ لا يشبهني، لأنني لن أسمح أن يتم شمل أو جمع كـ*ي بذلك المنتمي إلى والدة جبران باسيل أو إلى نساء أخريات قد لا أحبهن، وبالتالي حين أغضب من هؤلاء سأهين أفكارهن وأعضاءهن التي تشكل مصدراً أساسياً لوجودهن".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard