"الأوغاد"... أبطال العالم الحديث

الأحد 10 نوفمبر 201903:11 م

نشر هاورد جاكوبسون، روائي وأستاذ جامعي، مقالاً في صحيفة الغارديان بعنوان "شايلوك الشخصية الشكسبيرية: الشرير أم الضحية"، ليبحث في احتمالات تاريخه كأرمل حزين مخلص لذكرى زوجته، ويكتشف الظروف التي أودت به ليكون ما كان عليه، شارحاً عن روايته "اسمي هو شايلوك" التي يعطيه فيها فرصة أخرى ليقول عن نفسه ما أحجم شكسبير عن ذكره في مسرحيته.

يكتب الناقد السينمائي روجر إيبرت عن فيلم العراب، ليقول إن رواية ماريو بوزو تجري بأحداثها من الداخل إلى العالم الخارجي، وهذه ما نقله المخرج فرانسيس كوبولا في الفيلم المقتبس عنها. نحن نتعاطف مع عائلة الدون كورليوني ليس لأننا نحب حرب العصابات، بل لأننا نتعرف عليهم في منزلهم وضمن روابطهم الأسرية منذ البداية.

في دراسة لها بعنوان "شيطان ميلتون: البطل أم نقيضه؟" تقدم الباحثة الألمانية إديث كايتلر، شخصية الشيطان التوراتية في "الفردوس المفقود" للكاتب جون ميلتون، بشكل متعدد الأوجه ويحمل تناقض البطل والشرير، وتراه ثائراً ضد الطاغية والطغيان، مبشراً بالحرية وسجيناً للأنانية.

لماذا تغيرت صورة الوغد أو الشرير في الدراما والسينما والأدب بشكل ملحوظ منذ ستينات القرن الماضي؟ ومن أين يأتي هذا الميل لتصويره واحداً من عامة الناس بقصة مأساوية تقتضي تعاطف المشاهد ومراجعة آرائه بخصوص دوافعه ومبرراته؟ هذا ما نحاول الإجابة عنه في هذا المقال.

تغير دور الشرير عن الأعمال الكلاسيكية

في أطروحته "التعاطف مع الشياطين"، يرى الباحث الفرنسي ميشل كامبو أن دور الشرير في الأعمال الكلاسيكية هو امتحان البطل لإظهار فضائله، فهو الخصم والعدو الذي تنتهي القصة بهزيمته وانتصار البطل، ليرمز هذا إلى انتصار الأخلاق والخير على الشر في ثنائية متضادة شديدة الوضوح. ومع أنها تبدو مغرقة في البساطة والسطحية إلا أن دور الشرير نادراً ما كان يحيد عن هذه الصورة التي يعلم فيها القارئ أو المشاهد، بالعاقبة الوخيمة التي سينتهي إليها ما لم يلتزم بالدور النبيل الذي يتوجب عليه المضي به في المجتمع لينال قبوله، مثل الطبيب الذي باع روحه للشيطان في مسرحية فاوست ولقي حتفه لقاء هذا الفعل.

وبرأيه فإن هذا الدور شهد تغييراً جوهرياً في القرن الماضي، بجملة التغييرات التي طرأت على العالم، كتحييد دور الكنيسة في أوروبا والحروب والتطور التكنولوجي والثورات على الطغيان الاستعماري وبروز دور النساء في المجتمعات. فأصبحت شخصية الخصم عبارة عن الوجه الآخر للبطل أو الانعكاس المظلم له، تماثله بالصفات والقوة والكاريزما. في صورته الحديثة لا يمثل خصم البطل القباحة ولا النهاية المتوقعة لأفعاله، فالجمهور الحديث يتغاضى عن أخطائه وينجذب لشخصيته ويحاول أن يتمثل بها ليبرر دوافعها خارج الحدود التقليدية لثنائية الخير والشر.

فمثلاً في مواجهة شخصية المحقق الذي يسعى لحل الجرائم ويظهر دراية بعلم النفس الجنائي ودوافع المجرمين، نجد أيضاً لصاً ذكياً قادراً على التنبؤ بخطوات خصمه والإفلات من قبضته مثل المطاردات الذكية التي نراها بين توم هانكس وليوناردو ديكابريو في فيلم Catch Me If You Can. 

متابعو الأفلام "يرون في الأشرار طريقة لاكتشاف الجوانب المظلمة في ذواتهم وفي النفس البشرية بالعموم، فدراسة الشرير هي دراسة لآثام هذا العالم" وإجابة عن أسئلة قد لا نتجرأ أساساً على طرحها 


التعاطف مع شخصية الشرير في التحليل النفسي

صورة الخصم ليست وحدها ما تبدل في الثقافة الشعبية الحديثة بل أيضاً تفاعل المشاهد معه، فبينما كان المتوقع من المشاهد أن يتابع المصاعب التي تواجه البطل الخيّر ويتعاطف مع غاياته النبيلة في هزيمة الشر، أصبحنا نجد ميلاً لخصومه في كثير من الحالات وتبريراً عاطفياً لدوافعهم، تبرير يضع بعين الاعتبار تاريخهم والظروف التي انتهت بهم لأن يصبحوا ما هم عليه. فلماذا نرى مشاهدين أصحاء نفسياً يطورون ميلاً وإعجاباً نحو الشخصيات الشريرة في الأدب والمسرح والسينما والدراما؟

يقترح الأمريكي ويستون دورهام، استشاري نفسي في ولاية تكساس، في مقاله "سيكولوجيا ارتباطنا بالأشرار"، الاستناد على نظرية كارل يونغ في الأنماط النفسية للاوعي لتفسير هذه الظاهرة، حيث قسمت النظرية الأنماط لثلاثة أنواع: الوقائع والشخصيات والدوافع. يربط دورهام هذه الأنواع بالأحداث التي نتفاعل معها، كالموت والولادة والانفصال عن العائلة، ليقول إن جاذبية الشخصية الشريرة مردها هي تلك الوقائع التراجيدية التي يتعرض لها، كموت أحد أفراد العائلة في الطفولة، ولأن الموت هو تجربة عامة وكونية نفهمه كدافع قد يحفز الأماكن المظلمة في السيكولوجيا عند من يشهده، وهو ما أسماه يونغ "الظل" الذي يعتبره في صراع دائم مع التعريف الاجتماعي لفكرتي الخير والشر عند المشاهد.

في دراسة ترافيس لانجلي، باحث وأستاذ في علم النفس الإجرامي، عن إعجابنا بالشخصية الشريرة، يرى أنه يتجاوز كونه صراعاً بين ما هو مقبول وما هو مرفوض اجتماعياً، فهو يعتقد أنه ناتج عما أسماه فرويد الأصول اللا اجتماعية للطبيعة البشرية، المنقادة بنوازع ورغبات لا واعية لتحصل على ما تريد، باستعداد فطري للشر تكبحه النظم الاجتماعية.

وهذا برأيه ما يبرر تفاعلنا مع شخصية الوغد الذي يحقق رغبات موجودة في اللاوعي ويحفز ميلنا نحوه. ويذهب أبعد من ذلك، ليدرس الاحتياجات الأساسية في نظرية أبراهام ماسلو، مفسراً أن أولئك الذين عجزوا عن تلبية هذه الاحتياجات، يعوضون عنها لإرضائها بالخيالات والاحتمالات التي تحققها الشخصيات الشريرة بقواها الخارقة وقدراتها اللامحدودة في الحصول على ما تريد بكل السبل الممكنة. وهذا من وجهة نظره يمكن أن يكون منعكساً شرطياً كما طرح بافلوف في تجربته، فنحن نربط رؤية الشرير بالقوة والحرية والانتقام والتفلّت من كل القيم المجتمعية، فيحفز فينا كل ما لا نستطيع أن نكونه.

هل نحن أشرار عندما نعاند القوانين؟ 

هل كل من يخترق القانون هو شخص سيء بالضرورة؟ تطرح دراسة أجراها كل من ريتشارد كين ومونيكا مكوي وإليزابيث بأول، أساتذة في علم النفس والاجتماع، بعنوان التحيز للشخص السيء: من وجهة نظر نفسية، مثالاً من رواية الكاتب جورج أورويل 1984، هو شخصية وينستون سميث الذي تعتقله السلطات لاتهامه بارتكاب جرائم فكرية وإقامة علاقات غير شرعية. وبرغم اعتباره خارجاً عن القانون، ينال تعاطف القراء الكامل باعتباره ثائراً على نظام قمعي شمولي يعيد تأهيل مواطنيه وبرمجتهم بحسب تعاليم "الأخ الأكبر".

وهذا أحد الأسباب التي تدفعنا كمشاهدين للتعاطف مع المتهمين وعدم اعتبارهم أشراراً، متخطين بذلك ما تسميه الدراسة "خطأ الإسناد الأساسي"، وهو ما يعني إسقاط الفعل على طبائع الفاعل، أو إسناد السلوك الخاطئ لخلل في شخصية المرتكب له. وبحسب الدراسة فإن معرفتنا بالظروف الخارجية المحيطة التي أدت إلى ارتكاب الفعل الخاطئ تجعلنا نسنده إلى مسببات تبرر وقوعه، لنرفع اللوم عن الفاعل ونتفهم دوافعه أو حتى نشاركه مأساته.

كما تذكر الدراسة ان أثر التعرض المتكرر لمشاهد مقروءة أو مرئية مكرسة للشخصية الشريرة يزيد من تفاعلنا معها كمتابعين، وبخاصة إذا كانت صورة الشرير بوسامة البطل في الأعمال الكلاسيكية، فتوحي لنا بصفات بطولية تعطينا وهم الخير في كل ما هو جميل وجذاب.

تقنية السرد الذاتي أو البوح

تشير الأمريكية سوزان كين، أستاذة في الآداب، في دراستها نظرية التقمص العاطفي السردي إلى أن التماثل بين المتابع والشخصية الخيالية يستقطب التقمص العاطفي لدوافعها وحالاتها بشكل كبير في السرد الذاتي أو الاعتراف، سواء اختلف المتابع مع الشخصية أو تشابه معها. فاستخدام ضمير المتكلم برأيها يوحي بمصداقية للمشاهدين والقراء واحتكاك مباشر لشخصية الراوي مع شخوص القصة. كما أن هذه التقنية تسمح لنا بالدخول إلى أعماق الشخصية والتعرف عن قرب على نوازعها ودوافعها النفسية الداخلية والخارجية المحيطة.

فإذا أراد المؤلف خلق صلة عاطفية بين المشاهدين أو القراء والشخصية التي لا تتمتع بفضائل حميدة، على حد تعبير كين، فما عليه إلا اتباع تقنية سردية تجعلنا نرى العالم الروائي بأكمله من خلال هذه الشخصية. وهذا ما يعزز في السينما والدراما، وليس من خلال السرد فقط، بل في طريقة اللقطات القريبة لملامح الشخصية ونقل حواراتها الداخلية وذكرياتها بالصوت والصورة.

الأوغاد، أبطال العالم الحديث

سواء كان لوسيفر (الشيطان) في قصة الخلق كما قدمها ميلتون، ثائراً أم محض شرير، أو أن شايلوك الأرمل الوفي ضحية لخديعة حاكتها ابنته مع حبيبها أو مجرد تاجر جشع، أو أن ظروفاً خارجة عن إرادة مايكل كورليوني ورطته في عالم المافيا والإجرام في العراب أم لا، يجب أن نقر بأن لشخصية "الوغد" أيضاً عالمها وسبلها في جعل المشاهد يتعاطف معها لدرجة التحيز التام لها في بعض الأوقات، وسواء كان الدافع نفسياً أو متأثراً بالتقنيات الروائية والسينمائية فإن جمهور اليوم يظهر ميلاً تجاه النذل بنفس القدر الذي يميل فيه للفارس النبيل.

فالمتابعون، كما تخلص دراسة كامبو، "يرون في الأشرار طريقة لاكتشاف الجوانب المظلمة في ذواتهم وفي النفس البشرية بالعموم، فدراسة الشرير هي دراسة لآثام هذا العالم" وإجابة عن أسئلة قد لا يتجرأ البطل أساساً على طرحها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard