فرض الحجاب والكحول تباع سراً... الحياة في شمال سيناء بوجود المسلحين

الأربعاء 30 أكتوبر 201903:20 م

بعد الانسحاب الأمني من المشهد، عقب ثورة يناير 2011 في مصر، وصل السلاح ليد الجماعات الإسلامية في مختلف المحافظات.

ربما تم التسوية مع بعضها أو السيطرة عليها في مناطق، إلا أن مناطق جغرافية أخرى لا تزال تدفع الثمن حتى الآن، أبرزها في شبه جزيرة سيناء.

ظل إقليم سيناء، وخصوصاً محافظة الشمال، أحد هذه المناطق التي لم يتوقف فيها النزيف حتى الآن، منذ ظهور الجماعات الإسلامية عقب ثورة الخامس والعشرين من يناير، ومبايعتها لـ"أبو بكر البغدادي" زعيم تنظيم داعش في نوفمبر 2014، والذي اغتيل مؤخراً.

طوال هذه الفترة عاشت المحافظة الشمالية قصصاً مرعبة بعد أن صارت مدناً للأشباح، وتقع من وقت لآخر تحت سيطرة حركات أصولية دينية.

عم "عجيب" بائع الخمور

قبل عام 2013 كان عم "عجيب" هو البائع الرسمي الوحيد لمنتجات الشركات المصرية من البيرة والكحوليات في العريش.

في عام 2011 كان الرجل الستيني القادم من صعيد مصر، والمعروف لدى معظم سكان مدينة العريش شمال سيناء، يقف خلف باب حديدي مغلق، ذي فتحات ضيقة، بالكاد تمر النقود والطلبات من خلالها.

وكان هذا المكان قبل سنوات محلاً كبيراً يضم باراً لكل المشروبات، مطعماً، ومسرحاً للأفراح والحفلات، قبل أن يصبح شباكاً لبيع الكحول.

لم يصرح "عجيب" لأحد من زبائنه عن سبب هذا الحرص، لكن جميع الزبائن من خارج وداخل المدينة كانوا يعلمون أن تجار الكحول على قائمة المستهدفين من الجماعات الإسلامية المسلحة.

يقول أحمد مصطفى (40 عاماً)، مهندس مدني وشاعر، لرصيف22: "أتذكر أننا كنا نذهب لمحل عم عجيب أو (الجراند شو) بحسب اسمه التجاري لحضور ندوة أدبية، حيث كان المكان هادئاً، ويليق بالضيوف أو المصطافين القادمين للمدينة، ثم أصبح بعد ذلك مجرد محل صغير يبيع البيرة".

في شهر مايو 2013 أطلق مسلحون مجهولون النار على العاملين بمحل "الجراند شو"، وقتل زميل عم "عجيب"،ويدعى رامي، وأشارت التحقيقات الرسمية إلى أنه مجرد خلاف على قطعة أرض.

بعدها اختفى عم "عجيب" من العريش، وسارت شائعات بأنه عاد إلى مسقط رأسه في مدينة المنيا بصعيد مصر.

"إننا نعاني لو طلبنا علبة بيرة، فعلينا قيادة سيارة كأننا في مهمة خاصة لنذهب لأحد الأحياء في العريش، وننتظر حتى يأتي شخص بشنطة مخفية، ويأخذ على الأقل ضعف سعرها بالمقابل"
"وسط هذا الرعب تصيبنا هستيريا من الضحك،  خصوصاً عندما تنظر البنات في الجامعة إلى بعضها البعض، يمكن أن تميز التي ترتدي الحجاب لأول مرة، واحدة من الخوف ترتديه على قمصان بأكمام قصيرة، والأخرى على بنطلون قصير"

لكن برز تساؤل، لماذا لم يطرد هؤلاء التجار من الأرض، أو يقتلون قبل عشر سنوات من إقامة محل على أرض ليست ملكهم؟

وقتها سيطر الرعب على باقي الأماكن التي تقدم الكحول، من ضمنها فندق "أبروي" العالمي في العريش، وبحسب شهود عيان علّق الفندق لافتة كبيرة تقول إنه أوقف تقديم المشروبات الكحولية، تدريجياً بدأ الجميع يعلم قصة بيان وزّع في المدينة من قبل المسلحين يحرم بيع الخمور، وربما كان ذلك سبب بيعه الفندق لشركة "سويز إن" التي حولته بدورها لمنتجع رياضي ترفيهي.

أصبح مجرد السؤال عن علبة بيرة أو زجاجة ويسكي في "مدينة الأشباح" يثير الريبة، فالجميع يخاف حتى من ذكر اسم شخص يبيعها في السر.

يقول أحمد عبد الغفار، عامل في مجال السياحة: "إننا نعاني لو طلبنا علبة بيرة، فعلينا قيادة سيارة كأننا في مهمة خاصة لنذهب لأحد الأحياء في العريش، وننتظر حتى يأتي شخص بشنطة مخفية، ويأخذ على الأقل ضعف سعرها بالمقابل".

حرب السجائر

قبل مبايعة الجماعات المسلحة في سيناء للبغدادي، لم تكن مناهج عملها تختلف كثيراً.

وإذا ما نظرنا إلى "قائمة المحرمات" التي بدأ المسلحون فرضها على أهالي محافظة شمال سيناء، فسنجدها متطابقة بين قبل وبعد "مبايعة البغدادي".

السجائر أو "الدخان" باللهجة المحلية وضعت ضمن هذه القائمة، وبدأت الجماعات بتحذير أصحاب المحال و "فتارين" بيع السجائر شفهياً، ذلك قبل أن تقوم بشن هجمات مسلحة لحرق تلك المحلات، وقتل عدد من أصحابها، وكانت أشهرها في عام 2015، تلك التي قتل فيها إبراهيم عروج، الذى امتلك محلاً لبيع السجائر وسط المدينة، بالإضافة لعدد من "الفترينات" التي يديرها عمال أو صبيان، وقالت البيانات الرسمية للحركات المسلحة وقتها إنه رفض الانصياع، واستعان بالجيش لإنقاذ أكل عيشه .

يقول ناصر، وهو يعمل بمحل وسط العريش: "إن شارع 26 يوليو في تلك الأيام كان يتحول لمعركة رصاص إذا ما حاول أحد إيقافهم، حيث كانت مجموعات صغيرة من الملثمين القادمين على سيارات نصف نقل يستهدفون فترينات السجائر فقط، وقتها لم يكن أحد يمتلك قوة للتصدي لهم، خاصة مع المفاجأة".

"مجموعات صغيرة من الملثمين القادمين على سيارات نصف نقل يستهدفون فترينات السجائر فقط"

تكررت هجمات المسلحين على بائعي السجائر في "سوق الخميس" و"شارع أسيوط" وسط المدينة، قبل أن تقوم مجموعات أخرى منهم بتوزيع منشوراتها في المدن وعلى العابرين (حصلنا على نسخة منها) بمنع تداول السجائر "المحرمة شرعاً"، بحسب تعبير المنشور.

تطوّرت الهجمات على تجار "الدخان" لتصل إلى قطع طرق السفر على السيارات المحملة بالسجائر والقادمة من القاهرة، باتجاه معابر السفر الفلسطينية.

وبثت وكالة أعماق فيديو يوضح حرق كميات كبيرة من السجائر التي استولي عليها.

فرض الحجاب يثير السخرية

"أن تحكي هذه الأيام هو شيء مرعب بحد ذاته"

كانت هذه العبارة مبرراً لرفض طالبات وسيدات عاملات ذكر أسمائهن صراحة، احتراماً لقصصهن الخاصة وخوفاً من ملاحقة شبح الجماعات المسلحة المستوطنة داخل شمال سيناء لهن اليوم.

مع موجة قتل "ولاية سيناء" للأقباط عام 2015، قطعت كمائن تابعة للتنظيم الطرق الرئيسية بين المدن، لتستوقف المارة في شبه جلسة تحذيرية للنصح والإرشاد.

كانت السيدات العابرات لأعمالهن، وزيارة الأقارب هدفاً أساسياً لتحذيرهن من التبرّج، وكان ذلك يشمل المحجبات منهن أيضاً، فالنقاب فرض عند الجماعة.

تقول (و.ع)، مدرسة أربعينية تعمل بمدينة الشيخ زويد: "كنت أرتدي حجاباً عندما استوقفت (الجماعة) أوتوبيس يقلّ المدرسين والمدرسات بحي الكوثر، ونصحوني بأن أرتدي النقاب وأزيل المكياج، لان لبسي لا يتفق مع شرع الله".

في أكتوبر عام 2017 سيطر تنظيم "ولاية سيناء" على مفاصل مدينة العريش لساعات، كان ذلك يحدث لأول مرة، لتبلغ ذروة نشاطها، وعرفت هذه العملية بـ"هجوم البنك الأهلي" الذي سُرق خلال الهجوم، ضمن أماكن أخرى سيطرت عليها الجماعة رغم انتشار الجيش.

دب الرعب في قلوب طلاب جامعة العريش، خاصة هؤلاء الذين وصلتهم أخبار تهديد لتفجير الجامعة إن لم يلتزموا بـ"شرع" تنظيم ولاية سيناء.

"قررن ارتداء الحجاب، خشية أن يصادفهن كمين عابر للمسلحين"

تقول (ي. ا)، طالبة بجامعة العريش الحكومية، لرصيف22، إنها وزميلاتها شعرن بالرعب الشديد لدرجة أنهن توقفن عن الذهاب للجامعة لأيام، وبعد عودتهن وصلهن نفس الإحساس داخل الحرم الجامعي، وسط تجمعات الزملاء، لذلك قررن ارتداء الحجاب، خشية أن يصادفهن كمين عابر للمسلحين".

وتضيف (ي. ا) أن وسط هذا الرعب كانت تصيبنا هستيريا من الضحك، و"كوميديا الموقف"، خصوصاً عندما تنظر البنات إلى بعضها البعض، لأنه يمكنك أن تميز الفتاة التي ترتدي الحجاب لأول مرة، حيث لا يتسق وطريقة لبسه العامة والقديمة، مثلاً فبعضنا من الرعب كان يرتدي الحجاب على قمصان بأكمام قصيرة، والآخر على بنطلون قصير.

أما (م.ر) طالبة، فتقول إنها اضطرت لارتداء الحجاب لفترة قصيرة قبل أن تترك العريش، و"تهاجر" إلى القاهرة خوفاً من أن يظنوا أنها مسيحية.

يذكر أنه في السنة ذاتها قامت الجماعات المسلحة بتفجير مبان تابعة لجامعة سيناء الخاصة، وبعد مرور عام نقلت الجامعة مبانيها إلى محافظة الإسماعيلية.

ولايزال السكان في شمال سيناء يطمئن بعضهم بعضاً بعبارات الصبر والأمل، انتظارا لليوم الذى تخلع فيه مدنهم عباءة الخوف والرعب، يوم يسيرون فيه على الطرقات بأمان، يرتدون ويأكلون ويشربون ما يحلو لهم، دون نظرات الريبة والخوف.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard