"ترويع المصريين بالسلطة الأبوية"... توقيع "أولياء الأمور" شرط لاستعادة الأبناء حرياتهم

السبت 26 أكتوبر 201901:32 م

مع إصدار قانون التظاهر عام 2013، بدأت السلطات المصرية تواجه التظاهرات المندلعة والمحتملة بحملات من القمع المكثفة، فلجأت إلى القبض على عدد من النشطاء فجراً من منازلهم ووصلت حد القبض العشوائي على مواطنين أثناء سيرهم في الشوارع.

اشتدت القبضة الأمنية مع دعوات 20 أيلول/ سبتمبر، وقد نجم عن الحملة التي قادتها وزارة الداخلية اعتقال أكثر من ألفي مواطن في أقل من أسبوعين، وفقاً لعدد من التقارير الحقوقية التي صدرت عن مؤسسات حقوقية مصرية غير حكومية.

ومع تزايد عدد المقبوض عليهم في القضية رقم 1338 لعام 2019، والتي عُرفت إعلامياً بقبضة أحداث سبتمبر، دان عدد من المنظمات الدولية حملات الاعتقال وطالب بسرعة الإفراج عن المعتقلين، الأمر الذي دفع السلطات المصرية للإفراج عن المئات ممن قُبض عليهم، لكن بحيلة جديدة، يبدو أنها (السلطات) سوف تستخدمها خلال المرحلة الراهنة والمقبلة.

الحيلة الجديدة

أفرجت النيابة العامة عن عدد من المعتقلين البالغين والقصر، فيما كان للأمن الوطني دور بارز في تخلية سبيل عدد كبير من المعتقلين كذلك. وعمد الأمن الوطني، وهو جهة أمنية غير مختصة بذلك، إلى إطلاق سراح المعتقلين بعد إرغام الأهالي على توقيع تعهد بعدم مشاركة "المعتقل" في أي نشاط سياسي، سواء بالاحتجاج أو حتى بكتابة منشورات تدعو لذلك عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

"بعد ترحيلنا إلى القسم، طُلب منا الاتصال بأحد الأقارب من الدرجة الأولى لاستلامنا… وفور وصول والدي فوجئ بأمين شرطة يطلب منه الإمضاء على التعهد قبل تخلية سبيلي".

وبالرغم من أن السلطات المصرية كانت تستخدم هذا الأمر مع "الأطفال والقصر" أحياناً تجنباً لحبسهم بعد تجريم التظاهر في مصر بفعل القانون، فإن التعهد الذي استخدمته السلطات الأمنية في هذه القضية لم يقتصر على الأطفال إنما استخدمته كذلك مع الذين تعدت أعمارهم الـ30 عاماً.

وتضمن التعهد الذي حصل رصيف22 على نصه، الآتي: "أتعهد أنا... درجة القرابة من الدرجة الأولى، بعدم مشاركة فلان (...) في أية تظاهرات أو كتابة منشورات على صفحات التواصل للدعوة للتظاهر والتحريض عليها، الإمضاء (...)، الرقم القومي(...)".

وقد وقع على تلك الصيغة عشرات من الأهالي الذين توجهوا إلى أقسام الشرطة لتسلم ذويهم سواء بعد عرضهم على النيابة، أو حتى من دون حصول ذلك إذ احتجزهم لأيام عدة دون عرضهم على النيابة. 

"والدي تعهد بعدم مشاركتي في أي احتجاج" 

يروي عبد العال، البالغ من العمر 45 عاماً والمتزوج ولديه طفلان، وأحد الذين أخلي سبيلهم بهذه الطريقة: "قُبض علي عشوائياً أثناء عودتي من عمل في ميدان رمسيس، بعد أن استوقفتني عناصر من الأمن وفتشت هاتفي المحمول، ثم تم ترحيلي إلى قسم الأزبكية الذي مكثت فيه ليلة واحدة، قبل ترحيلي من جديد إلى سجن طره من دون العرض على النيابة".

ويضيف:"لم يكن أحد من عائلتي على علم بذلك ولم أستطع التواصل معهم بعدما تحفظت قوات الأمن على هاتفي ومنعتني من التواصل مع أحد".

"قضيت تسعة أيام محتجزاً من دون طعام سوى القليل منه، ومن دون تغيير ملابسي أو الحصول على أدوات نظافة، وكان العدد كبيراً جداً في المكان الذي كنت محتجزاً فيه، وفي اليوم العاشر تم تقسيمنا إلى مجموعات، منا من جرى عرضهم على النيابة وآخرون رُحّلوا إلى القسم التابع لمحل السكن".

يتابع عبد العال: "بعد ترحيلنا إلى القسم، طُلب منا الاتصال بأحد الأقارب من الدرجة الأولى لاستلامنا… وفور وصول والدي فوجئ بأمين شرطة يطلب منه الإمضاء على التعهد قبل تخلية سبيلي".

لم يختلف الحال مع ممدوح الصغير، المقيم في منطقة التبين التابعة لمدينة حلوان في جنوب القاهرة والبالغ من العمر 32 عاماً، وهو متزوج ولديه 3 أطفال.

يقول الصغير: "شاركت في التظاهرات التي انطلقت من حلوان يوم الجمعة 20 سبتمبر، والتي نددت بسياسات النظام الحالي وطالبت برحيله، هذه التظاهرة التي واجهتها قوات الأمن بإطلاق عدد من الأعيرة النارية لتفريق المتظاهرين ولم تستغرق المواجهة فيها أكثر من 15 دقيقة".

ويروي الصغير ما تعرض له قائلاً: "عقب فض التظاهرة قامت قوة من قسم التبين بتفريغ الكاميرات في الشوارع وتعرفت على عدد كبير من المشاركين. وعلى هذا الأساس خرجت حملة أمنية كبيرة ألقت القبض على العشرات، وكنت أنا وابن عمي من ضمنهم".

ويشير إلى أنه بعد يومين من الواقعة، وأثناء احتجازه في القسم، تم عرضه على الأمن الوطني ثم أخلي سبيله بعد أن وقع والده على تعهد يضمن عدم مشاركته وابن عمه في أية إحتجاجات جديدة أو كتابة منشورات أو عبارات تحرض على ذلك عبر صفحتيهما.

ويعلق الصغير: "كانت هذه المرة الأولى التي أشارك فيها بالاحتجاجات، لكن خروجي جاء لسوء الأوضاع الاقتصادية وسياسات الدولة المجحفة التي زادت الطبقة الفقيرة فقراً".

ومن منطقة التبين في مدينة حلوان إلى قسم الزاوية الحمراء، الحي الشعبي الواقع في شمال القاهرة، لجأ الأمن الوطني فيه إلى الأسلوب نفسه إذ قام بتخلية سبيل العشرات ممن تمّ لقاء القبض عليهم أثناء الاحتجاجات أو عشوائياً بعد توقيع ولي الأمر أو الأبناء لذويهم.

ويروي مصطفى توفيق، البالغ من العمر 40 عاماً والمتزوج ولديه طفلان، قصته مع الاحتجاز قائلاً: "ألقي القبض علي أثناء عودتي من عملي ليلة دعوة 20 سبتمبر، وتم احتجازي لأنني ملتح وأرتدي جلباباً، ثم ترحيلي إلى القسم وعرضي على النيابة في محكمة زينهم التي أمرت بحبسي 15 يوماً على ذمة التحقيق".

ويضيف: "قبل انتهاء مدة الحبس المقررة بـ3 أيام تم ترحيلي مرة أخرى إلى قسم الزاوية الحمراء وطُلب مني الاتصال بأحد أقاربي من الدرجة الأولى… وبالفعل قام أمناء الشرطة بجمع أرقام أهالينا وأبلغوهم بضرورة التوجه إلى القسم لاستلام ذويهم، وقد حضر أشقائي إلى القسم إلا إنهم فوجئوا بطلب أمين الشرطة بضرورة تصوير هوياتهم الشخصية لإرفاقها في ملف القضية ثم طلب منهم إحضار صورة من شهادة ميلادي بالرغم من حملي هويتي الشخصية".

يستطرد توفيق قائلاً: "انصرف أشقائي ليعودوا في اليوم الثاني، بعدما كنت قد عرضت على الأمن الوطني الذي أصدر قراراً بتخلية سبيلي وإلغاء قرار حبسي، وبالفعل أخلي سبيلي بعد توقيع شقيقي الأكبر البالغ من العمر 43 عاماً على تعهد يضمن عدم مشاركتي في أية إحتجاجات أو الدعوة لها".

تعهدات غير قانونية

يوضح المحامي الحقوقي محمد فرحات أن هذا النوع من التواقيع على التعهدات اعتُمد سابقاً مع ذوي الأطفال والقصر، معلقاً: "تعهد استلام الأطفال قانوني ولا غبار عليه، مع أن صياغته قاسية إذ يتضمن حسن تربية الأبناء ومتابعتهم استناداً إلى قانون التظاهر الذي اعتبر أن التظاهر والتعبير عن الرأي جريمة إلا إذا حصلا في أطر معينة".

ويتقاطع ما قاله المحامي الحقوقي مع رواية الطالب في الثانوية العامة أحمد عبد العليم الذي يبلغ من العمر 17 عاماً، وكان قد ألقي القبض عليه في شارع رمسيس أثناء توجهه إلى منطقة الفجالة لشراء بعض المستلزمات الدراسية، وتم احتجازه 3 أيام ثم أخلي سبيله بعد تعهد والده في قسم الأزبكية بـ"حسن تربيته".

أخلي سبيله بعد أن وقع والده على تعهد يضمن عدم مشاركته وابن عمه في أية إحتجاجات جديدة... ممدوح الصغير واحد من بين كثر اضطر ذووهم لتوقيع تعهدات للإفراج عنهم، في إطار إجراء غير قانوني تعتمده السلطات المصرية 
"التعهدات التي يوقع عليها أولياء الأمور لاستلام ذويهم البالغين غير قانونية ولا توجد مادة في القانون أو الدستور تنص على ذلك"... حيلة السلطات المصرية لجعل المواطن متحكماً في تصرفات من حوله

من جهته، يلفت المحامي الحقوقي كريم عبد الراضي إلى الأذى النفسي الذي يخضع له بعض الآباء أثناء إستلام أطفالهم المقبوض عليهم، ويقول:"هناك ضباط في الأمن الوطني يقومون بتوبيخ الآباء أثناء كتابة تعهد الاستلام".

ويعطي مثالاً على ذلك:" إذا كان رد الوالد أن الطفل قد ألقي القبض عليه بشكل عشوائي ولم يكن مشاركاً في التظاهرات، يأتيه الرد: خلاص مينزلش من البيت طول ما فيه قلق، ربوا عيالكم".

في المقابل، يوضح عبد الراضي أن "التعهدات التي يوقع عليها أولياء الأمور لاستلام ذويهم البالغين غير قانونية ولا توجد مادة في القانون أو الدستور تنص على ذلك، لأن كل شخص بالغ مسؤول بشكل كامل عن تصرفاته".

ويرى أن الأمن الوطني لجأ إلى هذا الإجراء في الأحداث الأخيرة لبث الرعب والخوف وترهيب العائلات والأسر لإحكام السيطرة على المجتمع من جديد، خصوصاً أن التظاهرات بهذا الشكل هي الأولى من نوعها منذ إحكام النظام سيطرته على الشارع المصري بعد أحداث 30 يونيو.

"كل فرد أصبح كلبشاً للآخر"

من جانبه، يرى أستاذ علم الاجتماع في الجامعة الأمريكية سعيد صادق أن ما تقوم به أجهزة الأمن (في إشارة منه إلى تعهد استلام البالغين) ما هو إلا حالة مشابهة لاستدعاء أولياء الأمور إلى المدرسة لأسباب تتعلق بأطفالهم.

"طبيعة المجتمع المصري تتأثر بالمؤسسات الدينية والإعلامية والبيئة المحيطة، والعائلة لها أهمية كبيرة ودورها مؤثر، وهذا ما جعل الأمن المصري يستند إلى تعهد أولياء الأمر".

ويقول: "طبيعة المجتمع المصري تتأثر بالمؤسسات الدينية والإعلامية والبيئة المحيطة، والعائلة لها أهمية كبيرة ودورها مؤثر، وهذا ما جعل الأمن المصري يستند إلى تعهد أولياء الأمر".

ويصف صادق ما يحدث بأنه "غير جديد وتكرر في أشكال أخرى مثل القبض على أشخاص لمجرد أنهم أشقاء أو أبناء شخص مطلوب أمنياً"، معتبراً أن "قوات الأمن أصبحت تتعامل بمبدأ السيئة تعم والعائلة بأكملها متهمة إذا أرتكب فرد واحد منها أمراً اعتبرته القوات مخالفاً لقوانينها".

ويضيف:" بدأت الدولة تلجأ لتعميم السلطة الأبوية واعتمادها واستخدامها لترويع المواطنين البالغين، وهي بهذه الطريقة تزيد من الأعباء والقيود على الشخص الذي يقرر المشاركة في أي شيء لأنه سيتسبب بهلاك من حوله أجمعين بسبب تصرفاته"، معتبراً أن "الدولة تلعب على الجانب النفسي للمجتمع وتجعل من المواطن مراقباً ومتحكماً في تصرفات من حوله... فباختصار كل فرد أصبح كلبشاً للآخر".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard