المجانين حين يصبحون حلّاً لسكان المدن المنكوبة

الأربعاء 9 أكتوبر 201910:49 ص

حين سُئل قيس بن الملوح: "من أحق بالخلافة، بنو هاشم أم بنو أمية؟"، أجاب: "ليلى".

لم يقدّم التاريخ العربي بعد العصر الأموي مجنوناً جديداً، حتى تكاد كتبه تخلو من ذكرهم، بناءً على هذا بقيت على يقين أن العرب لم يصابوا بالجنون منذ تلك الفترة ولم يولد فيهم مجنون منذ ذلك الحين، وأصبحتُ أظن أن العرب يمثلون صفوة الصفوة من الأعراق، إذ ليس فيهم مذموم، حتى التقيت " هيام "، وكان عمري 15 سنة، ليس فيها ما يثير الاستغراب من بعيد سوى أنها تقطع ساحة الشيخ ضاهر من شرقها إلى غربها وهي تمشي بهدوء شديد، في منتصف الطريق المخصص للسيارات، وتغنّي بصوت مرتفع "أوعدك".

حين اقتربت منها كانت المفاجأة، لم تكن قبيحة كما توقعت، لم تحمل ملامح عدوانية، وجهها بريء كما عقلها بالضبط. كبرتُ وكبرت هيام، مع التقدّم في العمر ازددنا عدوانية وغضباً – كلٌّ حسب ظروفه – ولأن عقلها بريء، بخلاف عقلي، لم يساعدها على كبت غضبها من كل ما حدث معها وعاشته وشاهدته وشعرت به، فصارت تخرجه كلما تحسّست خطراً ما، وتتحول لشخص شديد العداوة، لذا كان الناس يتركون مسافة أمان بينهم وبينها حين كانت تشتم بصوت مرتفع، ويقتربون حين تغني. كانت نمطاً مختلفاً عن المجانين الذين قرأت عنهم أو الذين قابلتهم لاحقاً، بالنسبة لي ولأغلب سكان اللاذقية هي الوحيدة التي ستبتسم حين تراها مهما كانت درجة تعاستك، الوحيدة التي تعلّمك أن العقل لا فائدة منه هنا، الوحيدة التي أجبرت عيون الكثيرين على الانكسار أمامها حين وقفت عارية في شارع هنانو، وبدأت تشتم أحد المتحرشين، الوحيدة التي جعلت الفقراء ينسون الأسعار الخرافية في واجهات المحلات ويكتشفون سرّاً جديداً من أسرار السعادة: السخرية.

هيام جعلت أغلب سكان اللاذقية يتمنون أن يصبحوا مثلها، وهذا لم يحدث في أي مدينة أخرى مع أي مجنون آخر عبر التاريخ.

هيام جعلت أغلب سكان اللاذقية يتمنون أن يصبحوا مثلها، وهذا لم يحدث في أي مدينة أخرى مع أي مجنون آخر عبر التاريخ

في مكان آخر من العالم كان "فان كوخ" يقطع إحدى أذنيه ويقدمها لحبيبته، مقدّماً مع هذه الهدية قافلة كآبة لا تحتمل، والتي كانت، بشكل أو بآخر، أحد أهم مصادر إبداعه، ربما لو خُيّر بمبادلة لوحاته مقابل أسبوع من الحياة على طريقة "هيام" لخسرنا رسّاماً عظيماً وربحنا بالمقابل كآبة فاتحة قليلاً، في هذا العالم الأسود.

عُرّف الجنون لغةً بأنه غياب العقل، جُنّ عقله أي غاب واستتر، وهو أحد الأمراض النفسية والعصبية التي تصيب الإنسان حيث تطرأ تغييرات على قدرات العقل لدى الإنسان، ما يخرجه عن السيطرة على نفسه ومحيطه.

"وائل" نسف هذا التعريف من جذوره، وأسّس لمرحلة جديدة من الجنون ربما لم تكن مألوفة سابقاً في هذه المدينة. شاب في الأربعين، هادئ، نطقه سليم وصوته يشبه صوت مذيعي الأخبار، ما يجعله مختلفاً هو اتساخه التام ومشيه حافياً صيفاً شتاءً، وبنطال يرفع منه الجهة اليسرى إلى أعلى الركبة من دون سبب واضح، في أحد المرات ناداه أحد أصدقائي وأجلسه معنا في المقهى ثم سأله: "أين تعيش يا وائل؟"، أجاب بكل جدية: "في النفوس".

حاول صديقي تصحيح الجواب: "قصدك جنب النفوس؟"، قال وائل: "لو قصدي جنب النفوس كنت قلتلك"، ثم نهض وقال لنا وهو يشير إلى موظفي المقهى: "قولولن يعطوني مي... راسي بيعطش كتير مافيني اتحمّل".

هذه العبارة تصنع تعريفاً آخر للجنون وهو تحميل العقل معنى على معنى لا يمكن حمله، فالحالة الطبيعية أن تقول: أشعر بالعطش، وليس: رأسي يشعر بالعطش، الجسم هو من يعطش وليس الرأس.

وحدهم الشعراء سيقولون رأسي يعطش كثيراً، وحده وائل يشبه المجانين الأوائل في هذه المدينة لكن لا ليلى له ليسلمها مقاليد الخلافة.

ربما ينقذنا الشعر إذا استخدمناه على طريقة وائل، ربما يجب تدريس مادة الكتابة الإبداعية في المدارس والاحتفاء بمختلفين ساهموا في جعلنا نميّز بين الخيطين الأبيض والأسود دون أن يُطالبوا بمقابل.

لم يقدّم التاريخ العربي بعد العصر الأموي مجنوناً جديداً، حتى تكاد كتبه تخلو من ذكرهم، بناءً على هذا بقيت على يقين أن العرب لم يصابوا بالجنون منذ تلك الفترة ولم يولد فيهم مجنون منذ ذلك الحين.

ماتت "هيام" في مشفى الأمراض النفسية والعصبية في دمشق. خبرٌ تناقله سكان المدينة على مواقع التواصل الاجتماعي، حتى في موتها جعلت المدينة أقرب إلى بعضها مرة أخرى، مازال وائل وعادل على قيد الحياة مثلهما مثل باقي المجانين هنا.

مجنونٌ آخر يجب الحديث عنه هنا وهو "عادل" أو "عدولة"، الأنيق، المبتسم، الحليق دائماً، عكس "وائل" تماماً، ولأنه عكسه يمكنك دائماً التنبؤ بسلوكه، لا أعرف من أقنع عادل بأنه مجنون أصلاً، التقيت به أكثر من مرة في الميكرو باص، في كل مرة كان يجلس بوقار ويطلب من السائق أن يُنزله في أحد الأحياء، ثم يشرد كأي انسان طبيعيٍ في هذه المدينة، في كل مرة أقاطع فيها شروده وألقي عليه التحية تعود الروح إليه من جديد، فيعود إلى طبيعته حين يعرف أن هناك من يعرفه ولا داعي للتصنّع أكثر من اللازم، فيبادرني بسؤاله المعتاد ناسياً زملاءه الركاب من حوله: "معك خمسين؟".

هذا ما يطلبه عادل منك حين يلتقيك في الشارع، إذا أعطيته الـ"خمسين" سيرسل لك قبلة في الهواء تعبيراً عن شكره، وإن لم تعطه سيكتفي برفع يده مودّعاً.

"عدّولة" أجمل من كل الذين رأيتهم يرتدون زيّاً رسمياً وربطة عنق، ليس أجمل، هو أنظف وأطهر وأصدق، هو الوحيد الذي جعل البدلة الرسمية تتكلّم بلهجة أهالي السكنتوري والشيخ ضاهر وحي المنتزه، وهو الوحيد الذي ينطبق عليه ما قيل عن مساهمة المجتمع في تكريس حالة الجنون لدى من يعانون اضطراباً ذهنياً، عادل الضائع بين شخصيتين تراه يحتضنهما بابتسامة طفل وهدوء من يحتلّون المناصب.

الزي الرسمي يلزمه سلوك يشبه سلوك "عدولة" فقط لا غير، لا يجب أن يلتزم كل من يلبسون الملابس الرسمية التماهي مع شخصية "ترامب" ومحاولة إضافة تنويعات عليها، لم يعد أحد غبياً ومغلق العينين كما في السابق.

ماتت "هيام" منذ شهر تقريباً في مشفى الأمراض النفسية والعصبية في دمشق. خبرٌ تناقله سكان المدينة على مواقع التواصل الاجتماعي، حتى في موتها جعلت المدينة أقرب إلى بعضها مرة أخرى، مازال وائل وعادل على قيد الحياة مثلهما مثل باقي المجانين هنا.

مدينة المجانين والبحر مازالت على قيد الحياة حتى الآن، ليس بسبب الرطوبة وإنما بسبب التماهي المتزايد من السكان مع هؤلاء النجوم.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard