ناشده العرب ولقبوه بـ"الحافظ"... الجنّيّ كبيكج حامي الكتب

الاثنين 7 أكتوبر 201904:56 م

يحدث أن تتصفح كتاباً قديماً، فتجد بعض الأزهار أو الوريقات الجافة بين دفتي الكتاب أو صفحاته. وكثيراً ما يقوم قارئ كتاب ما بوضع وريقات وأزهار غضّة بين صفحات الكتاب، تخليداً للحظة معينة عاشها وهو يقرأ. وقد يقصد من ذلك تحنيطاً مقصوداً لتلك الوريقات أو الزهور عن طريق دفنها بين طيات الكتاب، فتيبس من دون أن تتهرّأ.

ترك لنا التاريخ الكثير من المخطوطات المصنوعة من الجلود والورق، ووصل بعضها إلينا في حالة جيدة والبعض الآخر كان شبه تالفٍ. للحقيقة قد شغلت فكرة الحفاظ على الكتاب أو المخطوط ذهن الكاتب أو الورّاق الذي يستنسخه، فما الذي فُعل من قبلهما حتى يأمنا عوادي الزمن التي تصيب الكتب من حشرات ورطوبة وحرق؟ وهل لوجود بعض النباتات بين طيات الكتب القديمة علاقة بذلك؟


حرّاس الكتب من الآفات

ذكر الشيخ بكر بن إبراهيم الإشبيلي في كتابه "التيسير في صناعة التسفير" أنّ لطائر الهدهد دوراً في الحفاظ على الكتب والمخطوطات، وذلك بأن يبخّر الكتاب بأعضاء وريش الهدهد، فإنّه يقتل حشرة الأرَضَة. وإن كان لنا أن نفسر ذلك، فلربما ما جاء في كتاب الحيوان للجاحظ من وصف للهدهد والقنزعة التي على رأسه، سيساعدنا على ذلك! كانت القنزعة ثوباً من الله ألبسها للهدهد على ما كان من برّه لأمه، لأنها حين ماتت جعل قبرها على رأسه، فهذه القنزعة عوضاً عن وهدة القبر.

وقالت العرب بإن الهدهد طائر منتن الريح والبدن، وعلّلوا ذلك بسبب شيء خامره من تلك الجيفة التي يحملها على رأسه! وفي التحليل المنطقي لا العلمي، نجد أن ما فعله الهدهد ساهم في الحفاظ على جثة أمه على الرغم من أن الجثث سريعة التحلّل، وبالقياس يكون تبخير الكتاب بأعضاء وريش الهدهد محاكاة سحرية تعطي نفس النتائج في الحفاظ على المخطوط، آخذين بعين الاعتبار تحليل جيمس فرايزر في كتابه "الغصن الذهبي" للعقائد السحرية لدى القدماء، فالقيام بتقليد سقوط المطر من قبل الكاهن عبر رشّ الماء من خلال حفنة من الأغصان، سيستدعي ردّاً منعكساً من الطبيعة بأن تمطر السماء، فكما حافظ الهدهد على جثة أمه سيحفظ التبخير بأعضائه وريشه الكتاب أو المخطوط من حشرة الأرَضَة.

كذلك أورد الإشبيلي في كتابه نقلاً عن شخص يُدعى محمد السميري بأن هذا الأخير قد قال: لقد وجدت في بعض الكتب الصحاح، مَن كتب في أول ورقة من الكتاب وفي آخر ورقة من الكتاب هذه الأحرف فإن حشرة الأرَضَة لا تضرّ الكتاب وهذه الأحرف هي في كلمة: "يا كيكتج" وهي صحيحة مجرّبة.


من هو كيكتج؟

كيكتج هذا نجده مكتوباً في أول الأوراق في مخطوطات بلاد المغرب وآخرها، وعادة ما يأتي مسبوقاً بأداة النداء "يا"، أمّا في بلاد المشرق فهو "كبيكج" وقد قدم الباحث آدم كتشك مقالاً عن هذا الــ "كبيكج" ترجم ونشر في مجلة "تراثيات" من قبل الخبير عاصم محمد الشنطي، في معهد المخطوطات العربية في القاهرة عام 2006 العدد 8 من المجلة.

"يا كيكتج"  أو "يا كبيكج"، كلمة نجدها في مقدمة الكتب والمخطوطات العربية، فمن هو "كيكتج/كبيكج" ولماذا كان يناشده العرب ويلقبونه بـ"الحافظ"؟ 

تتمظهر كلمة كيبكج بعدّة صيغ حروفية، فتكتب: "كبيكج – كيتكج – كيكتج - أكيكنج كج كج" وأيضاً تكتب مسبوقة بحرف النداء، وأحياناً تكتب في جملة طويلة: "يا كبيكج احفظ الورق – يا كبيكج يا حافظ - يا حفيظ يا كبيكج- يا كبيكج امنعِ الأرضة".

وردت كلمة كبيكج/ kabikag عند ستينجاس في معجمه بأنها نوع من نبات المَقدُونِس البري ذي السمّ القاتل. وتعني أيضاً أنها الملاك الحارس للزواحف وملك الصراصير عند الهنود، وعند كتابة اسمه في الصفحة الأولى من الكتاب، فسوف تمتنع الصراصير عن أذية الكتاب احتراماً لملكهم كبيكج.

لحظ البيروني كلمة كبيكج، ورأى أنّها تعود إلى الكلمة الهندية السنسكريتية "كابي" والتي تعني كمصطلح، الإله فيشنو، أي الحامي في معجم: "J.T. plats.A dictionary of Urdu". هكذا نجد أن طلب الحماية من كبيكج منطقي لدى القدماء، فهو أحد صيغ الإله فيشنو، ولا ضير أن يكون التقليد قد تسرّب إلى الوراقين العرب من دون أن يعرفوا مقصده، أو لربما عرفوه فاستخدموه كحرز وتميمة لحماية الكتب.

واستناداً إلى ما سبق نلاحظ من خلال تحليل آدم كتشك أنّ كلمة "كبيكج" تعني في آن واحد نبات المقدونس السّام واسم الجنّي الذي يحمي الكتب والمخطوطات من الأرَضَة والسوس.

كبيكج في كتب العرب القدامى

أورد الرازي في كتابه "الحاوي" أنّ كبيكج هو نبات العناب، ونقل عن جالينوس أن أنواعه أربعة، قوتها كلها حارة، حريفة، شديدة، حتى إنها متى وضعت على الجلد أحدثت قروحاً مع وجع. وقال الخورازمي: هو ورد الحبّ، وذكره ابن سينا كدواء يطبخ مع الخلّ لتهدئة وجع الأسنان، كذلك فعل ابن البيطار وأورده في معجم الأدوية وقد زاد عليهم السخاوي في كتابه "فتح المغيث" بأن ذكر تميمة تكتب على الكتاب: "فارق مارق، احبس حبساً أو كبلح" وقد ظنّ المحققون بأنّ لكلمة "كبلح" ارتباطاً بكلمة كبيكج. وأورده الألباني في تعليقه على الرقى والتمائم وعن غريبها ما يفعله مشايخ العجم من كتابة كلمة " يا كبيكج" لحفظ الكتب من حشرة الأرَضَة.

كبيكج هو نبات له خصائص سميّة ودوائية كما أوردنا أعلاه، وله فوق ذلك حكاية أسطورية تسرّبت من الهند وبلاد فارس إلى الوراقين العرب. وهكذا مُزجت الأسطورة والخصائص السمّيّة والدوائية للكبيكج عند الوراقين العرب، فاستخدموه كعلاج يمنع حشرة الأرَضَة، وفيما بعد غاب ذلك المفهوم عن الوراقين اللاحقين الذين ظنّوا أنّ كبيكج كلمة سحرية أو اسم لجنّي قد وكِّل بحماية الكتب والمخطوطات، فأصبحوا يخطّون تلك الكلمة في مقدمة كتبهم ومخطوطاتهم.

وزيادة على ما ذكرناه، قد يكون تحذيراً من أن سمية نبات كبيكج قد تنتقل إلى الفم من خلال ملامسة الأصابع للأوراق وتقليبها، لذلك وجب على القراء الذين يلحظون كلمة "كبيكج" في مقدمة الكتاب أو المخطوط أن يأخذوا حذرهم، لأنّ الكتاب قد عُولج بنبات الكبيكج كي يحميه من حشرة الأرَضَة. وكما ذكر  في البحث عن أصول أسماء الآلهة اليونانية – تاريخ الشك سوزان هيكت- أنهم كانوا أناساً ساعدوا البشرية، من مثل باخوس/ إله الخمر الذي صنع لهم النبيذ ثمّ عُبد فيما بعد، وهذا هو حال نبات الكبيكج الذي أصبح جنيّاً حامياً للكتب من وحش الأرَضَة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard