"الكأس يتكلم عني"... هل يفضح الكحول أسرارنا ويكشفنا على حقيقتنا؟

الخميس 3 أكتوبر 201907:04 م

يعتبر الكثير من الأشخاص أن الكحول هو السبب الذي يكمن وراء كل مشاكل الحياة، وفي الوقت نفسه هو الطريق الأفضل لحلّها، فهو بمثابة "زيوت التشحيم الاجتماعية" التي تسهّل عملية التواصل الاجتماعي وتكشف "المستور"، وينطلق المتمسّكون بهذه النظرية من فرضية أنه عندما نكون في حالة سُكْر، فإننا، في الغالب، نكسر القيود التي تكبّلنا، ونتخطى جميع الحواجز، ونسمح لأنفسنا بالتعبير بصدق عن أفكارنا ومشاعرنا الحقيقية، ما قد يكشف سمات شخصيتنا الحقيقية وما نحن عليه في أعماقنا.

وتتمسّك الكثير من الثقافات بالدور الذي يلعبه الكحول لجهة فضح حقيقة الشخص ونواياه، لذا من الملاحظ مثلاً أنه في عالم "البيزنس" في اليابان، يتم إرغام الشركاء المحتملين على الإفراط في شرب الكحول، من أجل الوصول إلى الثمالة قبل إبرام أي صفقة كبرى، على اعتبار أن الشخص الذي يقع تحت تأثير الكحول سوف يقول الحقيقة ولا شيء غيرها، وحتى في وطننا العربي يجتمع الكثير من الشباب من أجل أن يخوضوا غمار لعبة "حقيقة أو جرأة"، بشرط أن تكون الأجوبة تحت تأثير الكحول بهدف إضفاء المزيد من الإثارة على الأجواء.

عندما نكون في حالة سُكْر، فإننا، في الغالب، نكسر القيود التي تكبّلنا، ونتخطى جميع الحواجز، ونسمح لأنفسنا بالتعبير بصدق عن أفكارنا ومشاعرنا الحقيقية

وبالفعل هناك الكثير من علاقات العمل والصداقة والحب التي كُتبت لها النهاية بسبب بعض التصرفات المتهوّرة والأقوال الفاضحة التي خرجت من فم الشخص الثَمِل، هذا وقد ربطت الدراسات بين العنصرية والثمالة وبين الكحول والسلوكيات المحفوفة بالمخاطر، كممارسة الجنس من دون وقاية، أو قيادة السيارة بتهوّر، فهل هذا كله يعني أنه يجب علينا أن نأخذ سلوك الناس في حالة الثمالة كدليل قاطع على شخصيتهم الحقيقية؟

التفلّت من القيود

لم يكن رامي (اسم مستعار) يعلم أن السهرة التي أمضاها مع أصدقائه ستنتهي على هذا النحو...

يعمل هذا الشاب اللبناني البالغ من العمر 30 عاماً في شركة هندسة مقرّها بيروت، ومنذ استلامه منصبه لفتت انتباهه شابة شقراء مفعمة بالحيوية و"قريبة للقلب"، كما يصفها، إلا أنه لم يكن يجرؤ على مفاتحتها بالموضوع، بخاصة وأنه علم بأنها قد تكون على علاقة بشاب يعيش في الخارج كانت قد تعرفت عليه عبر الإنترنت، وعن هذه النقطة يقول لرصيف22: "عملت تحرياتي الخاصة وعرفت إنو من فترة عملها شاب add على فايسبوك وشافتو كم مرة وعاجبها بس إنو ما في شي جدّي بيناتن...أصحابي حمسوني كتير إنو إفتح معها الموضوع وجرّب حظي بس ما كنت اقدر، يمكن لأنو نحنا منشتغل سوا وبخاف هالشي يأثر على جوّ المكتب".

ومن أجل تجنّب الإحراج، حاول رامي باستمرار تجاهل الحديث مع زميلته: "كنت خاف إنو نظراتي تفضحني أو إضعف قدامها، لهالسبب كنت جرب ما إحكي معها إلا عند الضرورة وبالإشيا يلي إلها علاقة بالشغل بس".

غير أن عملية كتمان المشاعر لم تستمر لفترة طويلة، إذ إن بعض كؤوس من الفودكا كانت كافية لفضح كل شيء، على حدّ قوله: "شربت كتير ليلتها وما بعرف شو صرلي اتصلت فيها بنص الليل وقلتلها كل شي بحسّو... ما بتذكر شو حكيت بس بعرف إني بكيت كتير".

وبالرغم من أنه لم يعد يتذكر تفاصيل الاتصال إلا أن الأمور بعدها سارت على ما يرام، بحيث ارتبط بعد فترة بزميلته، والتي اتضح أنها كانت تكنّ له المشاعر نفسها، هذا ويؤكد رامي أنه لولا الكحول لما تمكن من القيام بالخطوة الأولى: "أنا بطبعي شخص خجول وبلاحظ على حالي إنو وقتا إشرب بصير غير إنسان، ببطل أعمل ألف حساب لكل شي... بتحرّر من كل مخاوفي وأكيد لولا هيديكي السهرة كنت بعدني لهلق عالرسمي معها".

من جهته يخبر عبد العزيز (اسم مستعار) بأنه يميل بطريقة تفكيره إلى الحضارات القديمة التي كانت متصالحة مع جميع حالات الإنسان، بما في ذلك الثمالة: "عشان كدة يقال إنو البيرة اختراع فرعوني ومشروب مقدس مش حرام"، معتبراً أن "الأديان السماوية تطرفت في تصوير الإنسان ككائن عاقل وثمّنت الكبت ووقفت في وجه كل ما هو ممتع لصالح الانضباط وطاعة الرب".

ويكشف عبد العزيز الذي يعمل مترجم قصص، عن مدى تأثره بالتجربة الروحانية لمعلم التصوف الباطني جورج غوردجييف، والذي كان يعتبر أن الطريق إلى الحقيقة يكون عن طريق الثمالة، فيقول لرصيف22: "لما تروحي تسأليه عن الأسئلة الوجودية والصوفية، بيقول لك اشربي واشربي ولما تسكري يقول لك: اسألي، بتختفي الأسئلة وبيظهر الضحك... الضحكة دي بالنسبة لغوردييف هي لحظة الاستنارة"، ويضيف: "أعتبر الحياة متعة ورقصة، والأسئلة بتظهر لما بنكون خايفين وقلقانين وحاسين بوحدة سلبية وانفصال عن الكون".

ويشير الشاب المصري البالغ من العمر 35 عاماً، أنه يحب احتساء الكحول عندما يكون بمفرده: "بحب أشرب كتير لوحدي، لإن بحب نفسي وباتصالح مع الشر اللي فيها، زيّ ما بيقولوا الحضارات القديمة والتصوف".

ماذا يحدث للدماغ بعد احتساء الكحول؟

على مرّ السنين، تطوّر دماغ الإنسان باستمرار وتكيّف مع جميع المتغيرات، ومن المهم فهم ما يحدث للدماغ عندما نحتسي الكحول بإفراط.

أوضح موقع big Think أنه في الوضع الطبيعي تكون القشرة المخية في الدماغ مسؤولة عن تقييم الظروف واتخاذ القرارات السليمة، أما مع وجود الكحول، فإن هذه المنطقة لن تعمل بشكل صحيح، كما أن استهلاك الكحول يزيد من مستويات الدومابين ( هرمون السعادة) ما يخفف من عمل الدماغ، الأمر الذي قد يساهم في حدوث تغييرات سلوكية خطيرة ومزعجة، وهو أمر كانت قد أكدته ماريا باجانو، أستاذة مساعدة في الطب النفسي في جامعة كيس ويسترن ريزيرف، بالقول إن شرب الكحول يغيّر مستويات الناقلات العصبية في الدماغ.

وبدوره أكد الطبيب دانيال أتكينسون، أن تأثير الكحول يطال الصعيدين النفسي والجسدي، لكون المشروبات الكحولية تضعف قدرة الشخص على إطلاق الأحكام واتخاذ القرارات، كما أنها تسبب ردود أفعال بطيئة، على حدّ قوله.

وفي حديثه مع صحيفة مترو البريطانية، يشرح أتكينسون أنه عندما يصل الكحول إلى المخ، فإنه سيؤثر على مناطق معيّنة من الدماغ، ما يؤدي إلى تضاؤل المنطق والعواطف، كاشفاً أنه من المحتمل أن تساهم المشروبات الكحولية، بحسب قوّتها، في "نسيان" بعض الأشخاص أخلاقياتهم المعتادة التي تربوا عليها طوال حياتهم، مستدركاً بالقول: "بالطبع هذا لا يبرر ولا يضفي الشرعية على السلوك الطائش أو العدواني".

بين اللامبالاة والعنصرية

حاولت الكثير من الدراسات الغوص في تأثير الكحول على سلوك الإنسان وتصرفاته، وعمّا إذا كانت المشروبات الكحولية تعمي بصيرة المرء وتجعله غير قادر على التمييز بين الصواب والخطأ، وفي هذا الصدد قام باحثون من كلية الآداب والعلوم في جامعة ميسوري بتوزيع 67 مشتركاً، تتراوح أعمارهم بين 21 و35 عاماً، على ثلاث مجموعات، بحيث طُلب من كل مشترك احتساء واحد من 3 مشروبات: مشروبات غازية عادية، مشروبات وهمية أو مشروب الفودكا مع التونيك.

وبعدها طلب الباحثون منهم إكمال مهام التعرف على الأخطاء على جهاز الكمبيوتر، ليتبيّن أن الأشخاص الذين هم في حالة سُكْر يدركون جيداً أنهم يرتكبون الأخطاء نتيجة الخمر، إلا أنهم وبكل بساطة لا يكترثون لذلك.

وفي معرض الحديث عن تأثير الكحول على السلوك البشري، وجد الباحثون أن الأفراد يصبحون أكثر عنصرية وميلاً للإجرام ومناهضة المثلية الجنسية، عند استهلاك الكحول بشكل مفرط.

وفي التفاصيل، فقد أجرى الباحثون مقابلات مع أشخاص سبق وأن تعرضوا لحوادث وأصيبوا بجروح جرّاء العنف، وذلك في كارديف وبلاكبيرن وليستر، نظراً لكون هذه المدن البريطانية الثلاث متعددة الثقافات والأعراق والأديان، وتبيّن أنه من بين 124 شخصاً، تعرّض 18.5% للهجوم من قبل أشخاص بدافع التحيز، وقد شكل التسمم بالكحول 90% من هذه الهجمات.

وتعليقاً على هذه النقطة، قال البروفيسور جوناثان شيبيرد، مدير معهد كارديف للأبحاث المتعلقة بالجريمة والأمن، لصحيفة المترو البريطانية، إن "أحد الجوانب البارزة للدراسة هو اكتشاف أن معظم الهجمات لم تغذها الكراهية وحدها، ويبدو أن الكحول يعمل بمثابة المحفز. وتشير نتائجنا إلى أن معالجة تعاطي الكحول ليس مهماً لصحة الأفراد فقط، ولكن لصحة مجتمعنا ككل".

وعليه اعتبرت الدراسة أن الحدّ من استهلاك الكحول ليس سوى استراتيجية جيدة للحدّ من مخاطر الهجمات.

وبالرغم من أن هذه الدراسة تشير بوضوح إلى أن الكحول يغذي الكراهية تجاه الآخرين، غير أنها تثير في الوقت نفسه مجموعة من التساؤلات: هل الكحول يفضح حقاً المعتقدات التي يحاول البعض كتمانها؟ هل بوسع المشروبات الكحولية إثارة معتقدات وأفكار ليست موجودة بالأساس؟ هل بالإمكان فصل الشخص عن مشاعره وأقواله عندما يكون في حالة ثمالة؟

الرأي العلمي

لا يمكن لأحد أن ينكر تأثير الكحول على أدمغتنا، فبعد احتساء المشروبات الكحولية قد نختبر مجموعة من العواطف التي تتأرجح بين الغضب، الحزن، الفرح...

وفي حال أسأنا التصرف فغالباً ما نعتذر عن سلوكنا وأقوالنا، متذرّعين بأن الكأس هو الذي "تحدث" و"تصرف" نيابة عنّا وكثيراً ما نردد الجملة التالية: "لم أكن على طبيعتي...".

فعلى مرّ السنوات، ترسخت في أذهاننا فكرة أن الطريقة التي نتصرف بها تحت تأثير الكحول هي نسخة مختلفة تماماً عن الطريقة التي نتصرف بها في العادة، معتبرين أن المشروبات الكحولية تجعلنا نخرج عن طورنا، وتعكس صورة بعيدة كل البعد عن شخصيتنا، ولكن ماذا لو كان الكحول يخلع عنّا القناع ويجعلنا نظهر على حقيقتنا؟

فقد أظهرت دراسة نشرت في العام 2017 أن الثمالة لا تجعلنا بعيدين كل البعد عن شخصيتنا الحقيقية، لا بل على العكس فإن الكحول يقربنا من ذاتنا.

بهدف تسليط الضوء على "الشخصية في حالة الثمالة"، أجرت الدراسة التي نشرت في دورية العلوم النفسية السريرية، اختباراً شمل 156 شخصاً، وطلب الباحثون من كل مشترك ملء الاستبيان الذي يتضمن بعض الأسئلة التي تصف شخصياتهم مع ومن دون الكحول، وبعدها تم تقسيم المشتركين إلى مجموعتين: الأولى تضمنت أصدقاء من نفس الجنس استمتعوا ببعض الكوكتيلات من الفودكا من أجل زيادة الكحول في دمائهم إلى حوالي 90 مغ، في حين أنه تم تكليف المجموعة الأخرى بمراقبة المجموعة الأولى مع احتساء مشروبات الصودا فقط.

ترسخت في أذهاننا فكرة أن الطريقة التي نتصرف بها تحت تأثير الكحول هي نسخة مختلفة تماماً عن الطريقة التي نتصرف بها في العادة، ولكن ماذا لو كان الكحول يخلع عنّا القناع ويجعلنا نظهر على حقيقتنا؟

وبمجرد أن أصبحت المجموعة الأولى في حالة سُكْر، طُلب من المشتركين إكمال سلسلة من المهام لفحص مدى تغيّر شخصيتهم، وفي حين أن الأشخاص الذين ثملوا لاحظوا تغيراً في الطريقة التي تصرفوا بها، فإن أولئك الذين لم يستهلكوا الكحول لم يلاحظوا إلا تغيّراً بسيطاً على تصرفات المجموعة الثملة، باستثناء أن المنتسبين إليها باتوا أكثر انفتاحاً.

وتعليقاً على هذه النقطة، قالت راشيل وينوغراد وهي معدّة الدراسة وعالمة النفس في جامعة ميسوري: "لقد أبلغ المشتركون عن اختبارهم اختلافات في العوامل الخمسة الكبرى للشخصية، ولكن الانفتاح كان العامل الوحيد الذي بدا مختلفاً بقوة بين المشتركين، سواء كانوا في حالة سُكْر أم لا".

أما عن السبب الذي يجعلنا نشعر بأننا لا نكون على طبيعتنا تحت تأثير الكحول، فعلى الأرجح أن هذا مجرد تأثير الوهم، بحسب تأكيد راشيل: "لطالما اعتقدنا أن احتساء الكحول سيجعلنا أقوى، فنؤمن بذلك، غير أن الحقيقة أننا نبقى على طبيعتنا بعد تناول المشروبات الكحولية إنما نكون أكثر انفتاحاً".

وعليه في المرة التالية التي تستيقظون فيها مع hangover (صداع الكحول) وينتابكم الشعور بالخوف والإحراج، نتيجة التفكير المفرط في مجريات الليلة السابقة، وعمّا إذا أخفقتم بالفعل في التصرف، أسرعوا إلى إراحة أعصابكم عن طريق تناول فنجان قهوة على وقع موسيقى هادئة، واعلموا أن المسألة كلها قد تكون مجرّد أوهام تدور في رأسكم.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard