"عواجيز في السينما حياتهم حلوة"... لماذا تتجاهل الأفلام العربية الشيخوخة؟

الثلاثاء 1 أكتوبر 201904:27 م

حاولت السينما العربية تقديم حكايات مختلفة عن الشيخوخة أو العمر الثالث بالطبع، لكن غالبية الشخصيات المُسنَّة، لم ترق لمستوى البطولة،  المحتكرة غالباً للشباب، واقتصر على الوجود في خلفية الحدث الرئيسي، ربما يشتبك معه لكن يبقى أقل أهمية منه.

مع الوقت، تحول الأمر لمجموعة من القوالب الثابتة المترسّخة في الأذهان، دون انشغال حقيقي بهموم وأحلام ورغبات هذه الفئة، ومراعاة الاختلافات الفردية بين البشر.

يقول الأستاذ الجامعي مصطفى رياض، (64 عاماً) من مصر لرصيف 22: "الأفلام العربية دأبت على تصوير كبار السن تصويراً نمطياً، فهم إمَّا متسلطون فاسدون يحاربون البطل أو البطلة الأصغر سناً، وعادة ما تنتهي القصة بهزيمة الشيوخ الذين تمكّن منهم الحقد والجشع وانتصار الشباب، وإمَّا مثاليون يحاولون عبثاً أن يعيدوا مجتمعاتهم إلى مكارم أخلاق زمن مضى فينتهي الأمر بهم إلى العزلة في سياق مأساوي، أو بالنجاح في توجيه الأحداث إذا كانت النهاية سعيدة".

تبدل الحال قليلاً في السنوات الأخيرة، مع ظهور أفلام عربية تضع كبار السن في الصفوف الأمامية وتمنحهم أدوار البطولة، ساعية لتقديم قصص إنسانية تحتفي بالحياة واستمراريتها، وتشجع على اقتناص الفرص مهما بلغ عمر الإنسان، في محاولة لمواكبة توجه سينمائي عالمي منشغل بتسليط الضوء على جوانب مختلفة من حياة الشيخوخة.

"الشيخوخة تفرد واستثنائية"

في فيلمه الروائي الطويل الأول "فوتوكوبي" إنتاج عام 2017، يركز المخرج المصري تامر عشري على فكرة الصراع بين القديم والحديث، والتطور مقابل الاندثار. فالبطل رجل عاش حياته منكباً على عمله، حتى تقدم به العمر دون أن يحظى بزوجة أو أولاد، فأصبح مهدداً بالانقراض، مثلما حدث لأشياء كثيرة أَلِفها في الماضي، لكن الحب الذي ينشأ بينه وبين جارته المريضة التي تعاني الوحدة أيضاً بعد موت الزوج وسفر الابن، هو ما ينقذه من هذا الشعور بالضياع، ويجدد الحياة بداخله.

الفيلم الذي يعزف على أوتار الحنين لزمن فائت معتمداً على قصة بسيطة هادئة، ينتصر لأحقية البطلين المسنين في الحصول على السعادة دون التقيد بنظرة المجتمع، كما يعرض صورة مثالية للتواصل بين الأجيال، قائمة على تبادل الخبرات والمنافع.

"المسنّون في السينما العربية إمَّا متسلطون فاسدون يحاربون البطل أو البطلة الأصغر سناً، وإمَّا مثاليون يحاولون عبثاً أن يعيدوا مجتمعاتهم إلى مكارم أخلاق زمن مضى فينتهي الأمر بهم إلى العزلة"
"يجب أن تتوقف السينما عن النظر إلى أصحاب العمر الثالث باعتبارهم أجوبة، فهم يمتلكون أسئلة، ربما تكون أعقد وأصعب إنسانياً لمرورهم بتجارب وسياقات مختلفة"

يرى المخرج السوري نضال الدبس (59 عاماً) أن "السينما العربية عازفة عن تقديم الشخصيات التي تتمتع بالتفرد والاستثنائية. فهي تصبّ اهتمامها على البطل النموذجي في نظر الأغلبية، الذي ينتمي بطبيعة الحال إلى فئة الشباب. فيما تتجاهل البطل ذي الصفات الخاصة مثل المسن أو مثلي الجنس".

"السينما العربية عازفة عن تقديم الشخصيات التي تتمتع بالتفرد والاستثنائية".

ويضيف الدبس لرصيف22: "سمات شخصية كبير السن تُقدَّم بطريقة سطحية وبدائية، باعتباره نموذجاً واحداً متكرراً في كل الأزمنة... الكلمة السحرية هي التناقض، فكل مسنّ عاش كماً هائلاً من التناقضات بسبب التغيرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، واختلفت علاقته بكل شيء من حوله مع تطور الزمن، وبالتالي لا يصح أن ينحصر ظهوره على الشاشة بكونه اختصاراً لجيل مسؤول عن خيبات الحاضر، وهي نظرة إيديولوجية بحتة، أو نموذجاً لزمان أجمل كانت فيه الحياة رائقة ومثالية، لإثارة حالة النوستالجيا".

"حفَّار قبور نسي يعيش"

تدور أحداث فيلم "إلى آخر الزمان" إنتاج عام 2017 للمخرجة الجزائرية ياسمين شويخ في مكان خيالي يطلق عليه "سيدي بولقبور"، حيث تنشأ قصة حب بين أرملة عاشت حياتها منصاعة للكثير من القيود الاجتماعية، وحفار القبور الذي خطَّ الشيب رأسه، ونسى أن يعيش حياته بسبب طبيعة عمله، فأصبح وحيداً لا يتوقع شيئاً من الدنيا. ربما تغيب النهاية السعيدة عن حكايتهما بسبب خوف الحبيبة من المغامرة معه، لكنه يتمرّد على البقاء في المكان الذي سرق شبابه وحياته، فيتجه نحو المجهول، متحلياً بالشجاعة اللازمة للبدء من جديد.

يتجاوز الفيلم قصة الحب، ويتوغل في ثنائية الموت والحياة، ليجعلنا ندرك أن الحياة أعقد من الموت، وتحتاج إلى جسارة لمواجهة مخاوفنا والتغلب عليها. تماماً مثلما فعل حفار القبور المسنّ، فهي مفتوحة للمغامرة والتجريب حتى ينتهي الوقت المحدد للإنسان، أو تنتهي هي نفسها.

"الحياة مفتوحة للمغامرة والتجريب حتى ينتهي العمر أو الحياة".

"نظرة الوطن العربي للمسنين محدودة للغاية"، هكذا تقول السيدة شرفة شريف حوات، من المغرب (66 عاماً).  وتوضح أن الأزمة تتجاوز الأفلام، لأن ثقافتنا الشرقية لا تؤمن بأن كبار السن لهم طموحات في هذه الحياة، وأن من حقهم اختيار ما يسعدهم بعد الوصول إلى سن المعاش.

فيما يعتقد نضال الدبس أن الأزمة تكمن في التعامل مع المسن على اعتبار أنه "كتاب منتهي"، وليس كفصل أخير لا يزال يُكتب وقابل للقراءة والاكتشاف. ويتابع: "يجب أن تتوقف السينما عن النظر إلى أصحاب العمر الثالث باعتبارهم أجوبة، فهم يمتلكون أسئلة، ربما تكون أعقد وأصعب إنسانياً لمرورهم بتجارب وسياقات مختلفة".

ذكريات ومخاوف وعالم متغيّر

يبتعد فيلم "جود مورنينج" إنتاج سنة 2018 للمخرج اللبناني بهيج حجيج، عن حالة الرومانسية المسيطرة على الفيلمين السابقين، وينسج خيوط حكايته في مقهى بيروتي يضج بالحيوية. حيث يلتقي صديقان متقاعدان يومياً، لتبادل الأحاديث، مطالعة الصحف، مراقبة المارة في الشارع والاندماج مع رواد المكان، في محاولة للتمسك بكل ما يبقيهما على تماس مع الحياة.

يتأمل الفيلم بخفة وهدوء ما يمر به الإنسان في عمر الشيخوخة، ما يثقله من ذكريات وما يعتريه من مخاوف، في عالم يتغير سريعاً من حوله بطريقة تعزز شعور الغربة والوحدة.

يقول رياض إن هناك موضوعات وأفكاراً متعلقة بكبار السن يتمنى مشاهدتها على الشاشة، مثل صراع الأجيال والفجوة التي تتسع بينها، بشرط أن يكون التناول متوازناً وليس نمطياً. فكبير السن قد يكون أكثر معرفة وأقل قدرة على الفعل، في حين يكون الشاب أكثر قدرة على الفعل ولكنه أقل في الخبرة والمعرفة.

كما يؤكد أن هناك ضرورة للاهتمام بقصص المرأة المتقدمة في العمر، بما يلغي الفكرة السائدة عن "سن اليأس" وتقديمها في مجالات الحياة المختلفة، بوصفها سيدة تتفاعل مع مجتمعها وتشتبك مع أفكاره فتنتج جديداً. وأخيراً، يشدد على أنه يتوق لرؤية حب الحياة لدى كبار السن والإقبال على تذوقها بحس الخبير، على نحوٍ يسمح لهم بالإضافة إليها.

بينما تطمح السيدة شرفة إلى زيادة الاهتمام بهذه الفئة العمرية، وتضيف: "أتمنى أن أشاهد على الشاشة أناساً في العمر الثالث يعيشون حياة هانئة بعيداً عن أنانية المحيط الأسري والاجتماعي".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard