"أنا مش حجة ولا عجوزة"... عن كبت المسنّات في مصر

الثلاثاء 1 أكتوبر 201905:44 م

"انتي بقيتي ست كبيرة خلاص، مينفعش لبس البنطلونات والمسخرة دي".

هكذا تحدّث زوج أخت نور توفيق في عيد ميلادها الأربعين، وهي الطريقة التي يتحدث بها الكثير في مجتمعاتنا، خاصة الرجال، إلى المرأة التي تصل لمنتصف العمر، أو تتجاوزه للعمر الثالث.

"عندما يقولون كبار السن، يتبادر لذهني سيدة في الخمسين بينما الرجل يكون في السبعين أو الثمانين من عمره، لا أعرف لماذا أفكر هكذا"، تقول نور لرصيف22.

ويحتفل العالم في الأول من تشرين الأول/ أكتوبر كل عام باليوم العالمي لكبار السن، والذي يهدف بشكل أساسي لدعم المسنين، إبراز دورهم في التنمية الشاملة، وإلقاء الضوء على الرعاية التي يستحقونها والخدمات المقدمة لهم.

"لستُ حجّة ولا عجوزة"

أصدر الجهاز المركزي للتعبئة والاحصاء في مصر، أمس الاثنين 30 أكتوبر، بياناً صحفياً قال فيه إن عدد المسنين بلغ 6.5 مليون مسن منهم 3.5 مليون ذكور، بينما 3 مليون إناث، وبلغ توقع البقاء على قيد الحياة طبقاً للنوع، 72.7 سنة للذكور، و75.1 سنة للإناث.

ولكن لا تكشف تلك الأرقام الحالة النفسية والمزاجية التي يعيشونها، خاصة النساء المسنات، تحكي نور (41 عاماً)، موظفة بأحد المصالح الحكومية بالإسكندرية لرصيف22: "بعدما بلغتُ الأربعين من عمري، أصبح الكل يتعامل معي على أنني الحجة، ليس من قبيل أنني حجيت لبيت الله، ولكن من قبيل أن سني تقدم ولابد من معاملتي بوقار زائد كأي مسنّة، في الوقت الذي يتعاملون فيه مع زميلنا الذي اقترب من الخمسينات من عمره بأنه شاب، ولايزال من حقه أن يغازل أصغر زميلاتنا التي انضمت حديثاً للهيئة الحكومية التي نعمل بها".

وتتفق معها نوال شهاب (43 عاماً)، محامية من القاهرة، تقول لرصيف22: "المجتمع يتعامل مع السيدات اللواتي يتخطين سنّ الأربعين، أنهن كبيرات في السن وعجائز، ويجب عليهن أن يتوارين خجلاً، ومن تعمل منهن عليها أن تلتزم بالأزياء المحافظة لأقصى درجة، وحتى أدوات التجميل، عليهن الامتناع عن استخدامها أو تقليلها لأقل حد"، مضيفة، "في الوقت الذي حددت فيه الأمم المتحدة سن الشيخوخة بدءاً من 60 عاماً إلى 65 عاماً، يتعامل المجتمع المصري مع النساء بعد الأربعين بأنهن مسنات".

"انتي بقيتي عجوزة خلاص، وأنا حاتجوز غيرك"

أما صباح المهدي (50 عاماً) ربة منزل، تروي لرصيف22 لحظة شعورها بتقدم العمر، وتعامل محيطها معها، تقول: "أتذكر جيداً أنه منذ 5 سنوات تقريباً بعدما أكملت عامي الـ46، عندها قال لي زوجي الذي يكبرني بـ10 أعوام، بسخرية، "انتي بقيتي عجوزة خلاص، أنا هاتجوز غيرك" يومها لم أشعر بنفسي من الغضب، وتركت البيت وذهبت شاكية لوالدي".

تضيف المهدي، مبينة تأثير كلماته على علاقتها معه: "لم يكرّر سخريته تلك، ولكنني أراها دوماً في عينيه، فلو اشتكيت من أي مرض، أشعر وكأنه يريد أن يقول لي إنني كبرت في السن، رغم أنه يكبرني بـ10 سنوات كاملة، ولكنه يتعامل على أنه لايزال شاباً بينما أنا دخلت سن الشيخوخة".

"الكل يتعامل معي على أنني "الحجة"، ليس من قبيل أنني حجيت لبيت الله، ولكن لأن سني تقدم ولابد من معاملتي بوقار زائد كأي مسنّة، في الوقت الذي يتعاملون فيه مع زميلنا الذي اقترب من الخمسينات من عمره بأنه شاب"
يريد أولاد الأم المسنة في القصة "فرض اللاحول واللاقوة والسكون والسلبية التامة، وفرض الموت عليها فوق سطح الأرض انتظاراً للحظة الانتقال إلى باطنها"

"عيب أنا زي أمك"

في قصة "المربع" بمجموعة "النداهة" يرسم لنا يوسف إدريس شخصية امرأة/ جدة تجاوزت الخمسين عاماً، تحنّ إلى وجودها كأنثى، إلى نظرة شهوة بعيداً عن رتابة مجاملات أبنائها وأحفادها.

وبينما تخرج من جامع السيدة زينب بالقاهرة، تلمسها أياد شابة، فيعود لها شعورها بأنوثتها، يصف إدريس تلك اللحظة، التي تحمل تناقض روحانية المسجد مع حميمية الشهوة: "بأي قوة تستطيع أن تطلعه على ذلك الشعور الذي لا يقاوم، والذي جعلها تنسى أي شيء إلا أنها وجدته، وأنه في تلك اللحظة بالذات أعز عليها من الدنيا بما عليها".

أثناء الخروج من جامع السيدة زينب، يقترب منها الشاب، ويسألها أن يلمسها، لا تجيب، ولكنه يلمسها، تقول له: "عيب أنا زي أمك".

يصف إدريس لحظة الاشتعال الحميمي: "حين تفقد التوازن كنتيجة لهذا، تأتيها الذراع قوية مشمرة، تلتف حولها، ولومضة.. لومضة سريعة تشعرها، ربما منذ زمن بعيد حتى قبل أن يموت زوجها، أنها في أمان كامل.. ذلك الأمان."

"نعومة جسد الأم تفقد كلّ صفاتها الأخرى، ولا يبقى فيها سوى تلك الرجرجة الشحمية المرتاحة.. رجرجة الستات المرتاحات.. رجرجة تبقي السيدة أنثى ولو وصلت إلى الستين، ولكنها لا يبدو أنها وصلت أبداً إلى الخمسين".

"أولادها لم يعودوا بحاجة إليها إلا كديكور أم مُحنَّط في بيت العيلة".

تعيد العجوز اكتشاف حياتها، وعلى هدى غريزتها المشتعلة تكتشف هذه التمثيلية الزائفة بينها وبين أبنائها، يريدونها أماً فقط، مُتنكّرة لكلّ مشاعرها ورغباتها، يكتب إدريس: "لا لوم! فهكذا الدنيا.. وأولادها لم يعودوا بحاجة إليها إلا كديكور أم محنط في شقة "العيلة"".

وتكتشف أنّ أولادها "يريدون فرض اللاحول واللاقوة والسكون والسلبية التامة، فرض الموت عليها فوق سطح الأرض انتظاراً للحظة الانتقال إلى باطنها".

"يحاولون دفن المسنّات أحياء"

ترى دكتورة هالة منصور، أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس أن "وأد الفتيات والذي كان منتشراً في عصور الجاهلية، انتقل واختلفت أشكاله وأنماطه في العهود الراهنة، فبينما العالم الأول يفكر في كيفية توفير سبل الحياة الإنسانية لمواطنيه سواء أكانوا رجالاً أم نساء، نجد المجتمعات العربية تبحث عن شتى السبل لدفن النساء، سواء بإشعارهن بأنهن وصلن لسن الشيخوخة مبكراً، أو بإحباطهن وتصدير صورة سيئة لهن عن أنفسهن، مثلما يقال حول إنهن قد أصبحن عجائز ولا يمكن لهن ممارسة الحياة بشكل طبيعي، تحت ادعاء الحفاظ على وقارهن وغيرها من الادعاءات".

وترجع منصور تلك الطريقة في التعامل مع المرأة المسنة لانعدام وجود المساواة بالأساس في مجتمعاتنا، تقول لـرصيف 22: "النظرة المساوية للرجال والنساء فيما يخص حقوقهم في عيش الحياة كما يحلو لهم مهما تقدم بهم العمر، لن تخرج عن سياق المساواة بين الجنسين بشكل عام، والنظر للنساء أنهن مساويات للرجال في احتياجاتهن ورغباتهن، وحريتهن في اختيار نمط الحياة المناسب لهن"

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard