لمَن الحكم في المغرب؟... عن التعددية الحزبية والصراعات بين الأحزاب والمَلَكية

الجمعة 27 سبتمبر 201904:43 م
Read in English:

Who Governs Morocco? On Pluralism and the Monarchy’s Struggle for Influence

كان للاستعمارين الفرنسي والإسباني اللذين خضع لهما المغرب منذ أوائل القرن العشرين دور أساسي في ولادة الفكر الحزبي في المغرب. وكان للحركة الوطنية التي قاومت المستعمر دوراً بارزاً في ظهور ثقافة الأحزاب.

المغرب هو من الدول العربية القليلة التي تبنّت قُبيل الاستقلال وبعده التعددية الحزبية. وفي المملكة اليوم 34 حزباً تمثّل اتجاهات مختلفة، منها ذات اتجاه يساري، وأخرى تجمع بين الوسطية والليبرالية، وثالثة ذات توجه إسلامي.

وينص الفصل السابع من الدستور المغربي على أن دور الحزب هو تأطير المواطنات والمواطنين وتكوينهم سياسياً وتعزيز انخراطهم في الحياة الوطنية وفي تدبير الشأن العام، والمساهمة في التعبير عن إرادة الناخبين والمشاركة في ممارسة السلطة، على أساس التعددية والتناوب، بالوسائل الديمقراطية، وفي نطاق المؤسسات الدستورية.

ولادة الحزبية في المغرب

حسب كتاب نور الدين الزاهي، "الزاوية والحزب"، بدأت الحركة الوطنية تنظيم ذاتها سياسياً بتأسيس المدارس التعليمية الحرة التي رأت أولاها النور عام 1919 في مدينة فاس.

وفي خطوة سياسية لاحقة، قامت الحركة الوطنية بتأسيس جمعيات ثقافية لكن بغلاف سياسي، وكانت بداية هذا العمل الجمعوي عام 1926. و"تم تدشين التنظيم الحزبي في المغرب من خلال تأسيس ′الزاوية′ باعتبارها النواة التنظيمية المكلّفة إنتاج القرارات وتوجيه عمل الحركة الوطنية".

بعد ذلك، تأسست "الطائفة"، وهي إطار تنظيمي مهمته تنفيذ القرارات التي ينتجها أعضاء "الزاوية".

ويشرح الزاهي أن هذه الأشكال التنظيمية التي كانت غالبيتها سرية، وتم تتويجها عام 1934 بالتنظيم الحزبي الذي حمل اسم " كتلة العمل الوطني". وقد مُنعت الكتلة من العمل في إحدى الفترات لتعود عام 1937 على شكل "الحزب الوطني".

عام 1944، عرف الحزب الوطني انشقاقاً أدى إلى ولادة "حزب الاستقلال" بزعامة علال الفاسي، وكان هذا الحزب صاحب مبادرة وثيقة المطالبة بالاستقلال، يوم 11كانون الثاني/ يناير 1944، قبل أن ترد إدارة الحماية بقمع الوطنيين المغاربة ونفيهم وقتلهم.

كانت تلك المحطة إعلاناً لدخول المغرب في مرحلة جديدة من النضال السياسي الذي سيتوج بالاستقلال عام 1956.

العمل الحزبي بعد الاستقلال

بعد حصول المغرب على استقلاله، شهدت الساحة السياسية المغربية ظهور تيارات حزبية جديدة.

عام 1959، حصلت انشقاقات داخل حزب الاستقلال، فوُلد حزب "الاتحاد الوطني للقوات الشعبية" الذي تزعمه المهدي بن بركة. وفي العام ذاته، تأسس حزب "الحركة الشعبية"، وهو الحزب الذي اعتُبر حزباً موالياً للقصر، وهدفه وضع حد لهيمنة الحزب الواحد المتمثل بحزب الاستقلال.

المهدي بن بركة

وفي الستينيات من القرن الماضي، تأسس "حزب جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية"، وقاده أحمد رضا كديرة الذي شغل في ما بعد منصب مستشار الملك الراحل الحسن الثاني، وكان يُنعت بصديق الملك. وكان الهدف من ولادة هذا الحزب الوقوف في وجه حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية الذي رفض تأييد أول دستور للمغرب عام 1962.

أحمد رضا كديرة

في بداية السبعينيات، دخل حزب جديد على الساحة، هو "حزب التقدم والاشتراكية" الذي تأسس في البداية على مبادئ الشيوعية، غير أنه مع تفكك الاتحاد السوفياتي تخلى عن النهج الشيوعي، وبات يُعتبر اليوم من الأحزاب التقدمية. 

عام 1975، أُعلن ميلاد حزب "الاتحاد الاشتراكي" الذي أسسه منشقون عن حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية.

لكبح جماح الأحزاب ذات التوجه الاشتراكي، وخاصة حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية الذي أخذ يثير اهتمام الجماهير المغربية، دفع القصر بصهر الراحل الحسن الثاني، أحمد عصمان، إلى تأسيس حزب "التجمع الوطني للأحرار". كان ذلك عام 1978، وضم المولود الجديد عدداً كبيراً من أعيان الدولة وكبار الموظفين السامين.

وشكّل هاجس خلق التوازنات دافعاً أساسياً لخلق أحزاب أخرى موالية للقصر، فتأسس عام 1981 حزب "الاتحاد الوطني الديموقراطي". وبعد سنتين، ظهر في المشهد الحزبي مولود جديد، موال للمخزن (أي للقصر الملكي)، هو حزب "الاتحاد الدستوري" الذي نُعت بحزب الإدارة.

أحمد عصمان

وشهدت حقبة التسعينيات ظهور عدد مهم من الأحزاب، أهمها "حزب العدالة والتنمية" ذو التوجه الإسلامي، و"جبهة القوى الديمقراطية"، و"الحزب الديموقراطي الاشتراكي"، و"حزب الحركة الديمقراطية الاجتماعية"، و"الحركة الديمقراطية" و"الديمقراطيون المستقلون"، و"النهج الديمقراطي".

كما عرفت السنوات اللاحقة تأسيس بعض الأحزاب، منها "النهضة والفضيلة" الذي انشق عن "العدالة والتنمية".

الصراع بين الملكية والحزبية

شكّل حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، منذ تأسيسه، جبهة وحيدة للصراع مع المؤسسة الملكية. وبحسب الباحث في الشؤون الحزبية طارق لكدالي، فإن أصل الخلاف بين أطر الحزب وبين الملك هو طريقة تدبير شؤون الحكم في المغرب.

ويقول لكدالي لرصيف22 : "التوجه الثوري الذي اختاره مؤسسو الحزب الوطني جعل المخزن يدخل معه في صراع حاد، تجلى في اعتقال رموزه بتهمة ′زعزعة أمن البلاد′، وعلى رأسهم محمد البصري المشهور بالفقيه، وعبد الرحمن اليوسفي الذي سيعيّنه القصر عام 1998 لقيادة حكومة التوافق الوطني".

الفقيه البصري

يُضيف لكدالي أنه برغم انشقاق حزب الاتحاد الاشتراكي عن الاتحاد الوطني للقوات الشعبية عام 1975، استمر في توجهه المعارض للسلطة الملكية.

وبرغم اختيار حزب الاتحاد الاشتراكي طريق الديمقراطية عوض الثورة، فإن لغة التواصل بينه وبين القصر ظلت منقطعة بسبب المواقف التي اتخذها ولم تحظ برضا الأخير، منها مقاطعة الحزب للاستفتاء الشعبي على دستور عام 1962، ورفضه اقتراح تنظيم الاستفتاء لتقرير مصير الصحراء المغربية عام 1981.

هاجس خلق التوازنات يشكل دافعاً أساسياً لخلق أحزاب موالية للقصر... قراءة في خريطة الأحزاب السياسية في المغرب منذ الاستقلال، وكيف رُسمت علاقتها بالملكية

يعتبر سياسيون مغربيون أن الملك هو الحاكم الفعلي وأن الأحزاب تشارك في الحكومة وليس في الحكم... علاقة الأحزاب المغربية بالمَلَكية منذ الاستقلال حتى اليوم

ويوضح أستاذ التعليم العالي في جامعة الحسن الأول مصطفى القاسمي أن الملك الراحل وجه خطاباً لاذعاً للحزب الاشتراكي عقب قرار رفض الاستفتاء على مغربية الصحراء، قائلاً: "اعتبرتكم خرجتم عن الجماعة الإسلامية، ولا أخاف عليكم من خروجكم من البرلمان، ولكن أخاف عليكم من قذفكم بالحجارة من طرف المواطنين".

ولفت القاسمي إلى أن كلام الحسن الثاني جاء في سياق اعتبار النظام السياسي المغربي ذا مرجعية إسلامية، ومن ركائزه حكم الجماعة.

وإذا كان حزب الاتحاد الاشتراكي قد بدأ، بعد هذه الأحداث، يستعد للمشاركة في تدبير الشأن العام، وذلك بالتراجع عن سياسة الاحتجاجات الشعبية، فإن حزب منظمة العمل الديمقراطي، ذا التوجه اليساري، دخل في صراع مع القصر من خلال رفضه المشاركة في الاستفتاء الشعبي حول دستور عام 1996.

قرار الرفض ذاك فجّر الحزب وخلق داخله انشقاقاً، تبعته ولادة حزب جديد هو "الاشتراكي الموحّد". وبحسب القاسمي، اعترف عدد من المتابعين للشأن السياسي بكون إدريس البصري، وزير الداخلية وقتذاك، هو مهندس اختراق حزب منظمة العمل الديموقراطي، والدفع به إلى الانشقاق.

إدريس البصري

ووفقاً لمعطيات لكدالي، فإن الحزب المذكور تأثر كثيراً بهذا الانشقاق الذي دفع به إلى الانصهار في ما بعد مع بعض الأحزاب اليسارية وتشكيل ما يُسمى اليوم بـ"حزب اليسار الموحد".

نهاية الصراع

قبل وفاة الحسن الثاني بسنة واحدة، بدأ المشهد السياسي المغربي يعرف نسائم انفراج، إذ نزع حزب الاتحاد الاشتراكي معطف المعارضة وقبل قيادة سفينة التدبير الحكومي. وعليه، تم تنصيب الأمين العام للحزب عبد الرحمن اليوسفي رئيساً للحكومة التوافقية التي ضمت أحزاب الكتلة المكونة من الاتحاد الاشتراكي والاستقلال والتقدم والاشتراكية.

عبد الرحمن اليوسفي

منذ ذلك الحين، لم يطفُ على السطح السياسي أي صراع بين القصر وحزب الاتحاد الاشتراكي، غير أن صورة الحزب بدأت بالتراجع مباشرة بعد نهاية ولاية حكومة التوافق التي تزعمها أمينه العام السابق. ومباشرة بعد صعود الملك محمد السادس إلى الحكم، أُعلن تعديل حكومي، فكانت البداية تقليص عدد الوزراء وإعفاء إدريس البصري، وزير الداخلية والإعلام الذي كان ينعت بالوزير القوي.

بدأت شعبية الاتحاد الاشتراكي تتراجع، إذ فقد مقاعد كثيرة في الحكومة الموالية التي قادها عباس الفاسي. واليوم، فقد حتى العدد الكافي لتشكيل فريق داخل البرلمان، إذ لم يعد يتوفر على النصاب القانوني للفريق وهو 20 عضواً.

هل ألحقت التعددية ضرراً بالعمل السياسي؟

يعود لكدالي إلى ستينيات القرن الماضي، ويخبر أن جريدة "باري ماتش" الفرنسية نشرت مقالاً يشير إلى أن القصر يفضل تعدد الأحزاب والهيئات السياسية حتى يقع احتكاك بين الأفكار والنظريات، معلقاً أن هذا الكلام لم يعجب قادة حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية.

من جانبه يرى القاسمي أن التعددية الحزبية لم تُلحق أي ضرر بالعمل السياسي.

ويبرر القاسمي، المتخصص في القانون الدستوري، رأيه بأن دور الأحزاب تأطيري للمواطن، مبرزاً أنها تترجم مطالب المواطنين في إطار العمل السياسي.

يُذكّر الباحث نفسه بما قاله الحسن الثاني في إحدى خطبه بأنه ليس ضد التعددية الحزبية، بل يسعى إلى تحقيق تعددية حزبية تجمع اليمين والوسط واليسار.

الملكية والأحزاب... لمَن الحكم؟

حافظ دستور 2011 على منطق الملكية التنفيذية الذي كان سائداً في الدساتير المغربية السابقة، فظل الملك يتمتع باختصاصات واسعة كرئيس للدولة وكأمير للمؤمنين محتكراً التشريع في المجال الديني.

ووفقاً للدستور الحالي، تتوزع اختصاصات الملك بين نوعين من الصلاحيات الملكية، حسب الظروف، فله العديد من الاختصاصات في الظروف العادية واختصاصات إضافية في الظروف الاستثنائية.

وينص الفصل 41 من الدستور المغربي على أن الملك هو أمير المؤمنين وحامي حمى الملة والدين، والضامن لحرية ممارسة الشؤون الدينية، ويترأس المجلس العلمي الأعلى الذي يتولى دراسة القضايا التي يعرضها عليه.

ويفسر لكدالي هذا المعطى بأن الشأن الديني هو حصري لدى المؤسسة الملكية، ولا شأن للأحزاب بها.

أما الفصل 42 من الدستور فينص على أن الملك هو "رئيس الدولة، وممثلها الأسمى، ورمز وحدة الأمة، وضامن دوام الدولة واستمرارها، والحكم الأسمى بين مؤسساتها، والساهر على احترام الدستور، وحسن سير المؤسسات الدستورية، وصون الاختيار الديمقراطي، وحقوق وحريات المواطنين والمواطنات والجماعات، واحترام التعهدات الدولية للمملكة".

"الترسانة القانونية للدستور المغربي تجعل هامش التدخل الملكي قائماً برغم وجود الحكومة والمؤسسات الدستورية".

ويشرح لكدالي أن الترسانة القانونية للدستور المغربي تجعل هامش التدخل الملكي قائماً برغم وجود الحكومة والمؤسسات الدستورية، بينما يحرر نظام الاقتراع ووجود التعددية التدبير العام للسياسة المغربية من الارتهان للحزب الواحد.

هذا الرأي يؤيده القاسمي، موضحاً أن أي حزب حصل على الأغلبية لا بد له من التحالف مع أحزاب أخرى لتشكيل الحكومة.

في سياق متصل، يرى الناطق الرسمي باسم جماعة "العدل والإحسان" الإسلامية المحظورة فتح الله أرسلان أن الملك هو الحاكم الفعلي في النظام المغربي، مبرزاً في حديث له في أحد لقاءات الجماعة أن الأحزاب تشارك في الحكومة وليس في الحكم.

الرأي نفسه يتبناه الأمين العام السابق لحزب "العدالة والتنمية" عبد الإله بنكيران الذي يعتبر الملك الحاكم الفعلي للنظام. وكان قد قال في تصريحات إعلامية سابقة إن "لدى المغرب دستوراً يحدد مَن يحكم. والملك يتمتع برئاسة المجلس الوزاري وهو أمير المؤمنين والقائد الأعلى للقوات المسلحة، لذا فهو الحاكم".

وفي خطاب للأمة لمناسبة الذكرى الـ18 لعيد العرش، اعتبر ملك المغرب أن الحركة الحزبية لم تستوعب بعد خارطة الطريق التي وضعها ويدافع عنها من أجل تحقيق البعد التنموي الشامل، موجهاً انتقاداً شديد اللهجة للأحزاب، وواصفاً أساليب عملها بالمتجاوزة. 

الانتقاد الملكي للسياسة الحزبية في المغرب عزاه متابعون إلى انسلاخ الأخيرة عن أدوارها الدستورية، المتمثلة في تأطير المواطنين والمساهمة في تدبير الشأن العام، والانخراط في الصراعات في ما بينها.

وبينما يُفترض أن ينتهي "أجل" الحكومة الحالية عام 2021، تتزايد الدعوات للأحزاب بضرورة العودة إلى سكة التأطير الحقيقية، على أمل استرجاع الثقة بينها وبين الحاكم وبينها وبين الناخبين.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard