شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ساهم/ ي في صياغة المستقبل!

"رميت همومي في البحر طلع السمك يلطم"... يوم مع سائق توكتوك في شوارع مصر

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

حياة

الأحد 4 أغسطس 201904:20 م

ثلاث عجلات صغيرة، وهيكل من الحديد الأسود المغطى بكساء من الجلد البني، ومشغل موسيقى يبث أغاني مهرجانات وأخرى شعبية، هذا باختصار وصف مركبة صغيرة الحجم تجري في شوارع مصر وحواريها، يطلق عليها اسم "التوكتوك". يقودها مصريون كثر، أغلبهم من الشباب والمراهقين، لم يجدوا فرصة عمل أخرى في بلاد تقول حكومتها إن فيها نحو 3 ملايين عاطل عن العمل.

حسام رضا (36 سنة) واحد من الذين قرروا أن يكون التوكتوك مصدر رزقهم، اشتراه قبل ثمانية أعوام، وأصبح رفيق حياته. يستيقظ كل يوم في العاشرة صباحاً، يخرج من منزله في محافظة الجيزة إلى "الجراج" الذي يبيت فيه التوكتوك. ينظفه جيداً، ويطمئن على ضغط الهواء في عجلاته، ثم ينطلق باحثاً عن زبائن.

على ظهر التوكتوك، كتب حسام "رميت همومي في البحر، طلع السمك يلطم"، معتبراً أن الجملة تمثل شعاراً جيداً يعبر عن ملايين المصريين من الذين طحنتهم قرارات اقتصادية صعبة اتخذتها الحكومة في السنوات الأخيرة، كان أكثرها فداحة تعويم الجنيه المصري في العام 2016، وما تلاه من غلاء أسعار الخدمات والسلع الأساسية ورفع الدعم عن المحروقات.



يجري السائق الشاب بمركبته في شوارع منطقة "أرض اللواء" الشعبية. لا يفصله عن حي "المهندسين" الراقي سوى خط سكة حديد. هكذا يقول ضاحكاً: "مش مسموحلي أدخل بالتوكتوك جوا المهندسين. العالم بتاعنا في المناطق الشعبية، بقينا عايشين فيها زي ما نكون دولة جوا دولة. دول صحاب التكاتك".

حال حسام هو نفس حالة ملايين غيره يعملون على "التوكتوك". لا يوجد إحصاء رسمي بعدد هؤلاء. تقول نقيبة سائقي التوكتوك في مصر نجلاء سامي لرصيف22 إنه على الرغم من غياب الإحصاء الرسمي عنهم، إلا أن عدد السائقين يتجاوز 5 ملايين سائق في كل مصر، وهو عدد يشهد زيادة يومية، وأغلب هؤلاء من القصّر أو المراهقين، ويصل متوسط سعر التوكتوك إلى 40 ألف جنيه (حوالى 2400 دولار أمريكي).

"شباب صايع"

خلال عمل حسام في أعمق الحواري والأزقة، يواجه الكثير من الأمور اللافتة، بعضها يؤذيه والآخر يقدم له تجربة مثيرة.

أول ما يواجه سائق التوكتوك في مصر هو الوصم الاجتماعي، يقول حسام "الناس ما بتخبيش (لا تخفي) نظرة الاحتقار لينا، مع إننا بنعمل خدمة كويسة وبنوصلهم لشوارع مكسرة وحواري ضيقة. لكن فكرتهم عننا بتفضل إننا شباب صايع، بياخد مخدرات ويتحرش بالبنات وبيعامل الناس بطريقة وحشة (سيئة)... الحقيقة إننا ما اخترناش الشغلانة دي إلا عشان نكسب رزقنا بالحلال... أنا عارف ان دي بقت شغلت اللي مالوش شغلانه، بس صوابعك مش زي بعضها".



تتشابك هذه الأمور مع حسابات إجتماعية أخرى تخشى النفوذ وتوازن القوة. "انت ياد يا ابن الوسخة"، صرخ سائق سيارة خاصة على حسام في أحد الشوارع عندما حاول تجاوزه. قال السائق الآخر "عارف لو خدشت العربية هنزل أديك بالجزمة (بالحذاء)".

سائق التوكتوك لم يرد الإهانة. هو لا يعرف صاحب السيارة الخاصة، ربما يكون من أصحاب النفوذ، ربما يستطيع إيذائه، يقول "أخاف يطلع حد مهم في البلد وممكن يأذيني".

البحث عن زبون كريم

إلى جانب الطبقة الوسطى، يعيش في منطقة حسام، أرض اللواء، عدد كبير من جنسيات مختلفة، بينها الصوماليين والسودانيين والأثيوبيين والآريتريين، يتعرف سائق التوكتوك على جنسياتهم من "حديث مشوار". منذ سنوات، كان يشكل هؤلاء فرصة جيدة لدفع أجراً جيداً مقابل التوصيل، لكن "بمرور الوقت، اتعلموا الفصال (المساومة) من المصريين، وبقوا بيدفعوا أقل من التعرفة الرسمية".

"انت ياد يا ابن الوسخة"... يتحمّل أكثر من 5 ملايين سائق توكتوك في مصر النظرة الاجتماعية التي تعتبرهم إما مدمنين أو متحرشين جنسياً

لا يوجد إحصاءات حكومية واضحة لعدد سائقي التوكتوك في مصر، إلا أن التقديرات تتوقع أن العدد يفوق 5 ملايين سائق، معظمهم من القصّر والمراهقين... "ربنا يبعد عننا الحكومة"

يعود حسام ليقول: "لكن البركة في اليمنيين... هم أهل كرم"، يدفعون له أكثر مما يطلبه، وبعضهم يطلب هاتفه ويقول له إنه سيتصل به عند الاقتضاء، مضيفاً "في النهاية مضطر أن أعمل في كل مكان، أنا مش عارف التوكتوك هيوديني فين".

"مصر على صغير"

"معلش لازم أغير عجلة التوكتوك"، يقول لنا حسام ويطلب التوقف على جانب الطريق، يبدأ في فك عجلة التوكتوك ويركب العجلة الأخرى، وأثناء ذلك يحكي: "أكثر من مرة يركب معي شخص ويقول لي هدفعلك اللي أنت عاوزه، واكتشف أنه ‘ديلر’ (تاجر صغير) مخدرات وعايز يوزع البضاعة على زباينه، لما بعرف كدة بطلب منه ينزل... عايزين نعيش بالحلال".



حسام يرى أن مركبته الصغيرة تمثّل "مصر على صغير"، يلتقي فيها بأنواع كثيرة ومتنوعة من الزبائن: "كتير بتركب معايا ستات عندها مشاكل في بيتها مع أزواجهم، بيفضفضوا معايا ويطلبوا النصيحة مني باعتباري راجل يعني"، مستطرداً "أنا بعرف الست ‘المحترمة’ من الست اللي عاوزة تضحك عليا بضحكتين عشان ما تدفعش الأجرة".

يدخل حسام بالتوكتوك إلى شارع صغير، ويحكي: "وفي نوع تاني من الركاب". هذا النوع من الزبائن، وهو أكثر من يصادفه، يشتكي الاوضاع الاقتصادية وضيق العيش، ويوجه السباب للحكومة.

هناك أيضاً من يقتحم المشاكل الخاصة، يروى "مرة ركب معايا راجل عنده تقريباً 50 سنة. حكالي عن مشكلته إن متقدم لبنته عريس معندوش وظيفة ثابتة. كان خايف يظلم بنته، بس هي كبرت وكان لازم تتجوز. فضفضنا سوا ونصحته لو أخلاق العريس حلوة، والعروسة عايزاه، مش مهم الوظيفة الثابتة... حكينا سوا وكنا مرتاحين".

"ربنا يبعد عننا الحكومة"

يمضي رضا إلى محطة بنزين على جانب الطريق، ويقول أثناء تزويد مركبته وقوداً: "أنا معنديش أحلام كتير، مش عاوز غير أعيش مستور، وربنا يبعد عني الحكومة"، ويضيف: "بخاف أصحى من النوم ألاقي مثلاً قرار جديد بمنع التكاتك من السير في الشوارع، ده الكابوس اللي خايف منه".

يختم حسام رحلته معنا، وكانت من أطول رحلاته، قائلاً: "زيي زي (مثل) أغلب الناس. عندي مشاكل كتير وعارف إن الحكومة مش هتساعد. إحنا لا موظفين كبار في الدولة ولا من الناس الكبيرة. ما عنديش إلا التوكتوك هو بس اللي يقدر يحل مشاكلي".

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard