"صندوق الأسرار المثقوب"... هل يصبح أيوب قرا سفيراً لإسرائيل لدى القاهرة؟

الجمعة 7 يونيو 201906:06 م

يتفاخر المرشح الإسرائيلي المحتمل لشغل منصب سفير تل أبيب في القاهرة بعلاقاته غير العادية بأنظمة عربية وكيف أنه بمكالمة تلفونية واحدة قادر على حل أكثر المشاكل تعقيداً، وأنه بات أهلاً للثقة في عواصم عربية إلى درجة جعلته يقنع ملك البحرين بأن إسرائيل قادرة على علاج ابنته من مرضها العضال، بحسب قوله.

لكن أيوب قرا، وزير الاتصالات الإسرائيلي الدرزي، عُرف بانفلات لسانه إلى حد كاد معه أن يتسبب في سلسلة أزمات دبلوماسية مع عدد من الدول العربية والغربية بعد أن هتك على حسابه على تويتر ستر علاقات ظلت طي الكتمان، فاضطر، بناء على نصائح المقربين منه، إلى توكيل سكرتيرة مكتبه شيرلي شيف بأمر توظيف مختصين لإدارة حسابه.

في الأيام الماضية، تناولت تقارير صحافية إسرائيلية خبراً يفيد بأن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو يعتزم تعيين قرا سفيراً لبلاده في القاهرة، مكافأة له على دعمه في صراعات حزب الليكود.

لكن الخبر لم يرُق لا للمعارضة ولا لوزارة الخارجية الإسرائيلية نفسها، ولا حتى للإعلام، لا سيما أن هناك بالفعل سفيرة جديدة وافقت الخارجية على تعيينها في القاهرة وهي الدبلوماسية المحترفة أميرة أورون التي يفترَض أن تتسلم مهام منصبها رسمياً هذا الصيف، ما قد يعني أن نتنياهو بصدد إلغاء تعيينها لمصلحة صديقه.

"صهيوني متحمس"

ولد قرا في مارس 1955 في قرية دالية الكرمل الدرزية، جنوب شرق حيفا، ودرس القانون، وشغل العديد من المناصب باسم الليكود، بدءاً من عضوية الكنيست مروراً بوزير بدون حقيبة، فنائب لوزير تطوير النقب والجليل، ثم نائب لوزير التعاون الإقليمي، وصولاً إلى منصب نائب رئيس الكنيست ونائب وزير في مكتب رئيس الحكومة.

ويُعدّ الوزير الدرزي الذي يتحدث العربية بطلاقة أحد المقربين من نتنياهو، ويصف نفسه بأنه "صهيوني متحمس"، ويصنَّف سياسياً ضمن أقصى اليمين داخل الليكود، وسبق أن صُنف في الكنيست ضمن "المتمردين" الذي عارضوا خطة الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة عام 2005.

يرفض قرا إقامة دولة فلسطينية مستقلة ويرى أن حل الصراع يكمن في ضم الضفة الغربية للأردن وقطاع غزة لمصر. لا غرابة إذن في تأييده الجارف للاستيطان في الضفة. وتظل إيران بالنسبة إليه عدو إسرائيل الأول الذي يستوجب إقامة تحالف مع الدول العربية "المعتدلة" ضده.

"لص الدراسة"

يرتبط تاريخ مرشح نتنياهو لمنصب سفير إسرائيل في القاهرة بأكثر من فضيحة، أشهرها قيامه بنسخ دراسة في دورة "تحديات الحكم"، بهدف الحصول على درجة الماجستير في السياسة العامة من جامعة تل أبيب.

وبحسب تقرير نشره موقع "ماكو" العبري، في 1/1/2014، قام قرا بنسخ الدراسة ولكن لسوء حظه فإن مَن كتبها كان المشرف على الدورة الدكتور غال آلون، عندما كان يعمل في مركز للأبحاث.

"حلّال العقد"

أواخر عام 2015، أفرجت السلطات المصرية عن الجاسوس الإسرائيلي من أصل بدوي عودة ترابين بعد انتهاء مدة عقوبته لـ15 عاماً في السجون المصرية، مقابل إفراج إسرائيل عن سجينين مصريين أنهيا عقوبتيهما أيضاً.

بينما كان في استقبال ترابين في منزله في النقب، تحدث قرا لصحيفة "يديعوت أحرونوت" في 10/12/2015، عن أنه المسؤول عن إطلاق سراح الأخير وقال: "أنا على وشك استقبال الوطني الإسرائيلي عودة ترابين، والذي كنت سبباً في إطلاق سراحه من خلال نشاط مكثف واهتمام".

وأضاف: "وعدت بإطلاق سراحه وأنا سعيد لأني كنت عند كلمتي. كان الأمر صعباً للغاية، لكني آمنت دائماً أن لدي واجباً أخلاقياً كممثل لدولة إسرائيل في ما يتعلق بإطلاق سراحه. أشكر رئيس الوزراء (نتنياهو) الذي دعم طلبي على مدى سنوات من أجل تحريره في كل لقاء وحديث مع المصريين".

لم تكن هذه المرة الوحيدة التي يقول فيها قرا إنه تدخل لإطلاق سراح إسرائيليين محتجزين في مصر. ففي 22/8/2016، قالت "يديعوت" أيضاً إن مصر أطلقت سراح مقاول إسرائيلي يدعى فؤاد قيصر بعدما عثرت السلطات في معبر طابا بحوزته على ذخيرة.

ونقلت الصحيفة عن قرا قوله: "منذ اليوم الأول بعد بحث الموضوع مع السلطات المصرية، أدركت أنه لا توجد جريمة حقيقية، وأن ذلك حدث بحسن نية. لذلك هدأت زوجته وعائلته وأخبرتهم أنه لن تمر أيام حتى يعود فؤاد بسلام".

وأضاف: "أشكر السلطات المصرية التي أثبتت أن أية عملية احتجاز تتم بحق إسرائيلي يجري بحثها عملياً وقانونياً بشكل جدير بالتقدير".

"لا يصمت أبداً"

حب الظهور الذي يتسم به قرا وضع إسرائيل مرات عدّة في مواقف محرجة، أحدها عندما كتب على تويتر في 14/2/2017، عشية لقاء نتنياهو والرئيس الأمريكي دونالد ترامب في البيت الأبيض: "سوف يتبنى ترامب ونتنياهو خطة الرئيس المصري السيسي بإقامة دولة فلسطينية في غزة وسيناء بدلاً من الضفة الغربية. وبذلك يُمهد الطريق لسلام شامل مع الائتلاف السني".

ومع الحديث عن احتمالية تعيينه سفيراً في مصر، فتح المذيع الإسرائيلي جي زهار بشكل ساخر في 5/6/2019 ملف الأزمات الدبلوماسية التي كاد أن يتسبب بها قرا، عبر برنامجه "هتساد هشيني" (الجانب الآخر)، على القناة 11.

وذكّر زهار بزيارة قرا إلى الفاتيكان في أكتوبر 2016 بالتزامن مع هزة أرضية مدمرة ضربت إيطاليا. وقتها قال قرا إن الزلزال وقع بسبب تصويت "اليونيسكو" على قرار "معاد لإسرائيل"، ما اضطر إسرائيل وقتها إلى الاعتذار رسمياً لروما.

وقبل ذلك بأيام، صوتت اليونيسكو على قرار بعدم شرعية أي تغيير أحدثته إسرائيل في بلدة القدس القديمة ومحيطها وعلى طابعها الفلسطيني.

وفي يونيو 2017، احتج المغرب رسمياً عبر إحدى السفارات الإسرائيلية في غرب أوروبا على لقاء جمع قرا في الإكوادور برئيس جبهة البوليساريو إبراهيم غالي الذي يسعى إلى إقامة دولة مستقلة عن المغرب في الصحراء الغربية، بحسب ما أورده زهار في برنامجه.

ولم يمسك قرا لسانه أيضاً في حوار أجرته معه شبكة "بلومبرغ"، تباهى خلاله بالعلاقات الإسرائيلية-السعودية.

وبحسب تقرير لموقع NRG العبري في 20/6/2017، قال قرا للشبكة الأمريكية إن لقاءات تجري بين مسؤولين سعوديين وإسرائيليين عبر وسطاء أمريكيين بهدف تطوير العلاقات الدبلوماسية والتوصل إلى حل للقضية الفلسطينية.

وقال قرا، وكان وقتها قد شغل منصب وزير الاتصالات، إن المخطط الذي تمت مناقشته طرح إمكانية أن ينشط رجال أعمال إسرائيليون في السعودية، والسماح للطائرات الإسرائيلية بالتحليق فوق المملكة، ما يقلل الوقت المستغرق للسفر إلى آسيا بثلاث ساعات.

وعن علاقاته الشخصية وعلاقة إسرائيل بأنظمة دول خليجية أخرى، قال قرا في حوار أجراه معه موقع "ذا ماركر" في 23/1/2017: "قبل بضع سنوات جلبت إلى إسرائيل في سرية ابنة زعيم البحرين لإجراء عملية جراحية. لم تصدق أنها ستُشفى. منذ ذلك الوقت بدأت العلاقة معهم. في وقت لاحق عينوا يهودية في سفارة البحرين في الولايات المتحدة".

وتابع: "لدينا مكتب تمثيل في أبوظبي، وعلاقة دافئة مع المغرب ولدينا اتصالات في جميع دول الخليج تقريباً. أيضاً العلاقات مع دول المنطقة، مثل الأردن ومصر وتركيا، جيدة كما لم تكن أبداً".

وخلال الحوار نفسه، قال قرا مفاخراً: "أنا الوحيد الذي بإمكانه رفع الهاتف والاتصال بأية دولة عربية وإسلامية، بإمكاني التحدث مع الكثير من العناصر المؤثرة، ولعلني الوحيد الذي يرتبط بمعظم الجاليات اليهودية في الدول العربية، وهذا أمر حساس هنالك. نجحنا في كل مكان في إخراج معظم أبناء الجالية اليهودية إلى إسرائيل أو الولايات المتحدة".

"منصب حساس"

تشهد إسرائيل حالة من الغضب بعد الكشف عن احتمال تعيين قرا سفيراً في القاهرة، مع ما يتضمنه ذلك من قلق من أن يتسبب في كارثة دبلوماسية مع مصر.

تحت عنوان "لا للتعيين السياسي لأيوب قرا سفيراً في القاهرة"، كتبت كسينيا سفيتلوفا، عضوة الكنيست السابقة والخبيرة في شؤون الشرق الأوسط وزميلة معهد "متفيم" الإسرائيلي للسياسات الخارجية: "في كتابه ‘حوار بين الصم (1990)’ يصف الباحث الثقافي ريموند كوهين كيف كانت المفاوضات الإسرائيلية-المصرية في كامب دايفيد على شفا الانفجار، عندما اعتبر الوفد المصري نظام الملابس الحر والمتحرر للمسؤولين الإسرائيليين انتقاصاً منه. هذه التفصيلة الصغيرة تجسد جيداً الاختلاف العميق بين الدولتين والثقافتين".

يتفاخر بعلاقاته غير العادية بأنظمة عربية وكيف أنه بمكالمة تلفونية واحدة قادر على حل أكثر المشاكل تعقيداً، وأنه بات أهلاً للثقة في عواصم عربية... نتنياهو ينوي تعيين أيوب قرا سفيراً لإسرائيل في القاهرة
يتحدث العربية بطلاقة. يصف نفسه بأنه "صهيوني متحمس". يرفض إقامة دولة فلسطينية مستقلة وسبق أن عارض في الكنيست خطة الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة عام 2005... هل يعيّن نتنياهو أيوب قرا سفيراً لبلده في القاهرة؟

وأضافت سفيتلوفا في مقالها المنشور على موقع "غلوبس" بتاريخ 5/6/2019: "أخبرني ذات مرة أحد السفراء الإسرائيليين الذين خدموا قبل سنوات في مصر أن ‘العمل في السفارة بالقاهرة كالسير في حقل ألغام’. هذا المنصب الحساس والهام لدى جارتنا الكبيرة من الجنوب يتطلب احترافية ومعرفة سابقة بالدبلوماسية الإسرائيلية والدولية وكذلك قدرة كبيرة على ضبط النفس".

وتابعت: "هناك حكمة مصرية تقول ‘إنْ كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب’. الشيء الأخير الذي على سفير إسرائيل في القاهرة أن يفعله هو التسريب للصحافة وإثارة الرأي العام من أجل أغراض سياسية مختلفة".

وذهبت سفيتلوفا إلى أنه بحال تعيين قرا سفيراً في القاهرة، سيكون ذلك خبراً في غاية السواء للعلاقات الإسرائيلية المصرية خاصة، ولوزارة الخارجية الإسرائيلية بشكل عام.

غضب الخارجية والمعارضة

القبول بتعيين قرا أمر يصعب على وزارة الخارجية الإسرائيلية تقبله، ما دفع العديد من موظفيها إلى التقدم بطلب إلى وزير الخارجية يسرائيل كاتس للحيلولة دون إتمام الخطوة، وفق ما أوردته صحيفة "هآرتس" في تقرير لها بتاريخ /6/6 2019.

طلب الموظفون من الوزير الدفاع عن قرار لجنة التعيينات المهنية في الوزارة التي سبق واختارت أميرة أورون للمنصب. وأوضحت "هآرتس" أن القرار معلق الآن على مكتب المستشار القضائي للحكومة الإسرائيلية أفيخاي مندلبليت الذي من المفترض أن يقرر ما إذا كان بالإمكان إجراء تعيينات سياسية من هذا النوع خلال فترة الحملات الانتخابية.

ومن المقرر أن تشهد إسرائيل انتخابات برلمانية في سبتمبر المقبل بعد حل الكنيست أواخر الشهر الماضي.

من جانبه، أرسل تحالف "أزرق-أبيض" المعارض رسالة إلى مندلبليت طالبه فيها بمنع نتنياهو من تعيين قرا في القاهرة ومن تعيين وزير الأمن الداخلي جلعاد أردان ممثلاً دائماً لإسرائيل لدى الأمم المتحدة، بعد انتهاء ولاية المندوب الحالي داني دانون، وفق خبر نشرته صحيفة "معاريف" العبرية بتاريخ 5/6/2019.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard