"أوقاتي بتِحلوّ مَعَاك"..سَيِّد مكَّاوي لَيالي وأغاني "الأُنس والفَرفَشَة"

الأحد 7 أبريل 201911:31 ص

"اتجمّعوا الروّاد في دنيا الخلود، ويا ألف رحمة على القانون والعود"، هكذا رثاه صديقه الشاعر كمال عمَّار في صحيفة "المساء" حينما رحل عنَّا مكّاوي في الهزيع الأخير من الليل، اللحظات الأثيرة لديه من اليوم، كان ذلك في 22 مايو من سنة 1997.

تُحدثنا ابنته أميرة سيد مكّاوي عن لحظاته الأخيرة: وجدتُه ملفوفاً في قماشة بيضاء، نحيلاً من تحت عباءة الموت، أحكموا إغلاقها عليه، وجعلوا رؤية وجهه مستحيلة.

وتحكي عن اضطرابات عاشتها بسبب غياب والدها، سيطرت على تفكيرها، تخيّلت ذات مرّة أنَّ سيّداً يداعبها، ويتساءل: ما الذي جعلك تصلّين ركعتين ليّ بعد أن حدثوكِ أنني لم أعد حياً؟


حياته من "كُتَّاب" الجامع لمقهى "الحرامية"

ما بين الطابع المعماري الفريد الذي يجمع بين الأصالة والمعاصرة في حي "البلاقسة" بعابدين، ولد سيد مكّاوي مُبصراً، وسط أسرة تعاني من فقرٍ مُدقعٍ، يوم 8 مايو في العام 1926، حتى أصابه مرض في عينيه.

لم ينل هذا من عزيمة مكّاوي، بل عمَّق العمى بصيرته، وقد قال ذات يوم: "الظلام قنديلي في مشواري الفني"، بحسب كتاب "صعاليك الزمن الجميل".

"كنت مرة بأذّن في جامع أبو طبل، وخدني الغُنا ونسيت أأذِّن الفَجْر، وبدل ما أقول الأذان قعدت أغنِّي، المزيكا ندهتني زي الندَّاهة" سيد مكاوي

يتذكر مكّاوي، بحسب الكتاب، حياته في الصغر: "شيخٌ مجنونٌ يحفّظني القرآن ومعه عصا غليظة يضربني بها دائماً، ولم أكن أفهم منه شيئاً، ثم ذهبت للقارئ العظيم الشيخ حنفي السقا، وكانت قراءته أشبه بمايسترو الموسيقى".

وكان عادة ما يستمع لصوت "المعدّدة" في المآتم، عبر نشيجها الموزون في تعديد مناقب الفقيد، ويشاهد دور "الردّاحة" في مكايدة الخصوم، يرتوي من جماليات تلك الأصوات في أمثالهن، ليغنّيها على العود في صياغة هارمونيّة بديعة.

"كنت مرة بأذّن في جامع أبو طبل، وخدني الغُنا ونسيت أأذن الفَجْر، وبدل ما أقول الأذان قعدت أغنِّي، المزيكا ندهتني زي الندَّاهة"، هكذا تقصّ أميرة عن حكايات مكّاوي لها مع الموسيقى.

وكان مكّاوي يهوى اللهو وركوب الدراجات، بخفّة ورشاقة يتسلّق الترامواي ويتدلّى منه بسلاسة شديدة، تاركاً والدته متوجّسة عليه، تبحث عنه في الأزقّة والطرقات.

يشير طارق الشناوي إلى دور البيئة في تشكيل مفردات أغنية مكّاوي، ويُعدِّد أغاني لعبت البيئة فيه دوراً كبيراً مثل: "شدّ الحزام على وسط"، و"الشيّالين"، و"العربجيّة"، "قرأ يا شيخ قبعة"، و"أوبريت مصر في ألف عام".

اقتفى مكّاوي خطوات قُرَّاء التواشيح الدينيّة في عصره، أبرزهم الشيخ محمد سلامة والشيخ محمد رفعت والشيخ سيد الصفتي، الذين احترفوا التلحين والغناء معاً في خطوات متشابكة.

وسرعان ما التقطه إمام مسجد "أبو طبل" بشارع محمد فريد بوسط القاهرة، موكلاً إليه آذان الفجر نيابة عنه كلما أعياه المرض.

احترف قراءة القرآن عند العائلات، يتلو عليهم القرآن لجلب البركات، لكنهم أنكروا ما يفعل في جلسات "الأنس والفرفشة" في المقاهي.

كان مَكَّاوي يجلس في  مَقهَى "الحراميّة" بالسيِّدة زينب، في صحبته آلة العود، ويدندن بأنامله على العود بصوتٍ خافتٍ لا يقطعه إلا تدخين النرجيلة، واحتساء رشفة من كوب الشاي، ثم يتحوّل الأمر بعد ذلك إلى تبادل السخرية، والنكات، والكلام مع روّاد المقهى.

ذات يوم، حصل مكّاوي على كنز من الأسطوانات النادرة، من عازف القانون محمود رأفت، وشقيقه عازف الكمان إسماعيل رأفت، وبينما كان يستمع إليهما، إذ راح يصدح ما يتذكّر من الاستماع والحفظ.

لازم العود مكّاوي فترة طويلة من حياته، الأوّل اشتراه بـ 150 قرشاً، والأخير بألفي جنيه، بحسب حواره على قناة "القرين" الكويتيّة.

تروي الناقدة الفنية ماجدة خير الله المشهد اليومي المعتاد لمكّاوي، يجلس في ركن قصي من مقهى "الحرامية" بالسيدة زينب، في صحبته آلة العود، ويدندن بأنامله على العود بصوتٍ خافتٍ لا يقطعه إلا تدخين النرجيلة، واحتساء رشفة من كوب الشاي، ثم يتحوّل الأمر بعد ذلك إلى تبادل السخرية، والنكات، والكلام مع روّاد المقهى.

"مدرسة المشاغبين"

يقول الشيخ سيّد، بحسب كتاب "مقامات الروح: دليل إلى الأغنية العربيّة" لياسر ثابت، عن شخصية أثّرت كثيراً في تكوينه الموسيقي: "عندما التقيت زكريا أحمد طلبت منه أن يوجّهني فنياً، فوجّهني شطر فنان الشعب سيّد درويش، ولم أكن قد سمعت به من قبل".

وجد مكّاوي في الشيخ زكريا الأغنية الطويلة والقصيرة، أما الشيخ سيد درويش فالتعبير العذب، بحسب ثابت.

أولى تجاربه في تطويع أصوات الممثلين والتلحين لهم كانت في مسرحية "مدرسة المشاغبين"، في العام 1993، حسبما يقول مكّاوي على قناة القرين الكويتيّة.


شيئاً فشيئاً فُتحت الأبواب المغلقة له، لحّن مونولوجات محمود شكوكو، وأغنيتي " أحبك وأفضل أحبك" و"حكايتنا إحنا الاثنين" لليلى مراد، وأغنية "اسأل مرة عليّا" لمحمد عبد المطلب، وأغنية "لو بتحبني أو بتعزّني" لنجاة، و"أوقاتي بتحلو معاك" لوردة الجزائريّة، وأغنية "سيب وأنا أسيب" لأحمد عدوية الذي لقبه بـ "مطرب السطوح".

"المسحّراتي"

في العام 1952، تعرف مكّاوي على الشاعر فؤاد حداد، عبر الفنان التشكيلي حسن فؤاد، حينما قرأ ديوانه "المسحرّاتي"، وجده يخاطب هوى عميقاً في نفسه.

بحسب الدكتور ياسر ثابت، تذرّع فؤاد حداد بذريعة إشفاقه على المستمعين من تقبّل مضمون أشعاره، ولكن مكّاوي نجح في إقناعه عمليّاً، حينما سمع ألحانه وغناءه. مع نجاح الحلقات العشر الأولى للمسحرّاتي، واصلا معاً إبداعهما المشترك حتى بلغت 160 حلقة.

يقص مكّاوي لنا: "حكايتي مع المسحرّاتي بدأت منذ أدركني الوعي صغيراً، وكانت مصر آنذاك تُضاء شوارعها بالفوانيس الجاز أو الغاز، وعدد سكّانها لا يتجاوز 17 مليون نسمة، ولذلك كان من السهل على المسحرّاتي أن يحفظ أسماء سكان الحي فرداً فرداً، بحسب ما جاء في كتاب "المسحرّاتي".

أغنية للسادات

في 9 نوفمبر 1977، غادر الرئيس المصري الراحل أنور السادات إلى القدس ليروّج للسلام، سرعان ما صدح مكّاوي بأغنية يعرفها جيداً من عاش تلك الفترة: "كان قلبي معاك طول ما أنت هناك، ناطق وياك بإيمان وثبات"، حسبما يذكر كتاب "كنت صبياً في السبعينيات".


حاول المتحذلقون الوقيعة بين الشيخ إمام والشيخ سيد مكّاوي، تارة بتوجه أصابع الاتهام إلى الشيخ سيد مكّاوي على أنه مطرب السلطة، بينما وصفوا الشيخ إمام بمطرب الكادحين، ولكن ابنته أميرة ترفض هذه الاتهامات قائلة: كيف هذا يصدّق ووالدي دخل قلوب المستمعين من كلمات البيئة؟.

في علاقاته الشخصيّة، لم يأنس مكّاوي إلا لصديقه الشاعر صلاح جاهين، وشوهدا كثيراً يجلسان في حضرة طواجن الضأن ولحمة الرأس والممبار، يلتهمان الطعام، في استراحة من أجواء الحفلات

قصّة حب

حضرت زينات خليل، الفنانة التشكيليّة، جلسة موسيقية لمكّاوي، وبعد أن سمعت العزف بكت، حينها سألها لماذا تبكين؟ قالت لا أدري، عندئذ سألها: المدموزيل مخطوبة؟، أجابته بالنفي، ثم عادت إلى منزلها ومكّاوي مسيطر على أفكارها وخيالاتها، وبعدها أظهرت له رغبتها في الزواج منه، بحسب كتاب "صعاليك الزمن الجميل".

أما في علاقاته الشخصيّة، فلم يأنس مكّاوي إلا لصديقه الشاعر صلاح جاهين، وشوهدا كثيراً يجلسان في حضرة طواجن الضأن ولحمة الرأس والممبار، يلتهمان الطعام، في استراحة من أجواء الطرب والحفلات، كما يوضح الشناوي.

ومن أبرز الأعمال الموسيقيّة التي جمعت بين مكّاوي وجاهين: "كان في زمان يا حبيبتي"، و"ليلة إمبارح مجاليش نوم"، و"رباعيات صلاح جاهين"، وإعداد إذاعي لرواية "الحرافيش" لنجيب محفوظ، و "أنا هنا يا بن الحلال"، و"الصحبجيّة"، و"البيانولا"، و"ياللي بتبحث عن إله تعبده"، و"الدرس انتهى".

ولا ينسى المصريون "أوبريت الليلة الكبيرة"، لقد استطاع مكّاوي عبر نغمه المُسكر، "المصهلل"،وكلمات "الفرفشة" لصلاح جاهين، أن يميل بكتوف العرائس الخشبيّة في انسجام مبدع، مع رنّة الخلخال، ليجسّد مشهداً غير مألوف من المولد الشعبي.


"ملحّن تشكيلي" و "ممثّل"

يذكر الناقد طارق الشناوي وصف الكاتب الصحفي حسن فؤاد لمكّاوي بـ "الملحّن التشكيلي"، بسبب ألحانه المزيّنة بالمنمنمات الموسيقيّة والأخيلة التعبيريّة، بحسب الناقد طارق الشناوي.

حينما اعتمدته الإذاعة المصريّة مطرباً في التراث الغنائي لديها في عام 1945، طرح على رئيس الإذاعة المصريّة الأستاذ محمد حسن الشجاعي، آنذاك، أن تكون أوّل أغنية تذاع من ألحانه.

قوبل الطلب بالرفض في بادئ الأمر، حاول مكّاوي أن يتغلّب على تأرجح ثقة الشجاعي فيه قائلاً: "بعون الله أنا قادر أغنّيلك وألحّنلك عناوين جرائد الأهرام والأخبار".

وأمام لجنة الاستماع التي يرأسها مصطفى رضا رئيس معهد الموسيقى الشرقيّة، وقف مكّاوي بخطوات راسخة أمام ميكروفون الإذاعة، يتغنّى بكلمات "الورد في وجنات بهي الجمال" من ألحان الشيخ عبد الرحيم المسلوب.

ورغم كونه ضريراً إلا أن ذلك لم يمنعه من التمثيل بالسينما، حيث استغلّ المخرج أحمد بدرخان ذلك، وأسند إليه دور ملحّن وعازف عود في فيلم "العروسة الصغيرة".

ويسرد طارق الشناوي قائمةً بالأفلام التي مثّل وغنّى بها منها: "شلّة الأنس"، "الزوجة الثانية"، "فجر يوم جديد"، "مفتش المباحث"، ولا يعلم الكثيرون كذلك أنه وضع الموسيقيّة التصويريّة لعدد من الأفلام العربيّة أيضاً، منها: "خلي بالك من زوزو"، و "عودة الابن الضال"، و"العتبة الخضراء"، و"قاهر الظلام".

تقاسم مع مطربين آخرين الغناء، مثل: صفاء أبو السعودي في المسلسل الإذاعي "الولد الشقي"، وأغنية "أنا هنا يا ابن الحلال" مع صباح.


إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard