العلوم الزائفة: تلك التفاهات التي لابدّ منها

الجمعة 29 مارس 201910:02 ص

المعلومة الأولى

قام مجموعة من العلماء الأوروبيين من الهيئة العلميّة لأبحاث الذرّة والطاقة في فنلندا (FATAS)، بإنجاز عدد من الأبحاث والدراسات المكثّفة التي استغرقت عقوداً، لتحديد أثر الوقوف أمام المرآة في الصباح.

أوضح بروفيسور علم الذرّة فان إيك، في بحثه "تأثير مرآة الصباح على فوتونات الجسد" الذي نُشر عام 2003، دور الشحنات السلبيّة التي تنعكس من أجسادنا على سطح المرآة الأملس لترتدّ مرّة أخرى عليه، فتشحن الفوتونات التي تتمرّكز في خلايا الجسم، مسببّة حقلاً مغناطيسياً يجذب شتى أنواع الحوادث، فقد أظهرت العديد من الإحصائيات، أن نسبة الحوادث لدى الأشخاص الذين يقضون وقتا طويلاً أمام المرآة كبيرة جداً، شخص من ثلاثة أشخاص يصابون بداء الفوتونات المشحونة كلّ صباح، عدا عن ذلك، انعكاسنا في المرآة يسبّب خوفاً وارتباكاً، والسبب الرئيسي في ذلك هو "داء الفوتونات"، ولا علاقة لذلك باختلالات سيكولوجّية أو اجتماعيّة كما يعتقد البعض.

وجد العلماء جذوراً تاريخيّة لهذا المرض، الشاب الإغريقي نرسيس، الذي كان ينظر الى انعكاسه على سطح بحيرة، فارتدّت الشحنات السلبيّة، واهتزّت بفعل ذرّات الماء غير المتماسكة، وخلقت حقلاً مغناطيسيّاً حول الشاب المسكين، ما تسبّب بوقوعه في البحيرة وغرقه.

المعلومة الثانية

دودة الجراد واحدة من الطفيليّات الغريبة، تمتلك قوى لا توجد لدى الحيوانات الأخرى، خلال فترة نموّها، وبعد أن تستقرّ في جسد الجراد المسكين، تكتشف هذه الدودة أنها تعيش في الماء فقط، ولكي تنتقل إلى سكنها الجديد، تقوم بالتلاعب بالخلايا العصبيّة للجرادة، والتحكم بتحركّاتها وأفكارها، فتذهب الجرادة وتقفز في أقرب بحيرة، ما يتسبّب بموتها.

تختطف هذه الدودة جسد الجرادة وتغسل دماغها، ولاحظ أحد علماء الحيوان أفواجاً من الجراد تقوم بالانتحار عبر القفز في بركة سباحة، وبعد دراسات مطوّلة تأكّد من أن السبب هو هذه الدودة.

أيّ من هاتين المعلومتين صحيحة؟

لا يهمّ، الكتابة عن الصواب والخطأ، وما هو علمي أو أكاديميّ، ليست سهلة. أغلب المقالات العلميّة المستهلكة والمتداولة تحاول تبسيط الحقائق العلميّة والدراسات، بطريقة تجعل القرّاء أغبياء. لا يعلم من يكتب هذه القمامة الفكريّة أنه يساهم في صناعة عقليّة المستهلك المعاصر، سواء كان هدفه خلق مساحة معرفيّة تُضاف إلى تراث وثقافة القارئ، أو مجرّد توظيف معلومة تدفع القارئ للذهاب إلى السوبرماركت لشراء منتجات لا يحتاجها، وعلى الأغلب ستسبّب له السرطان يوماً ما.

 محرّرو الصحف والمجلات والمواقع الإلكترونيّة غير المسؤولة، يقرؤون ملخّصات الأبحاث العلميّة، ويقتبسون منها بصورة مواربة ومتحذلقة، لخلق عناوين وأخبار جذّابة، ترافق إعلاناً ما، كأن نقرأ عن دراسة تفيد بأن القهوة تعالج السرطان، في ذات الوقت، بجانبها أو على الصفحة المقابلة، إعلان للقهوة

لكن ما نعلمه أن محرّري الصحف والمجلات والمواقع الإلكترونيّة غير المسؤولة، يقرؤون ملخّصات الأبحاث العلميّة، ويقتبسون منها بصورة مواربة ومتحذلقة، لخلق عناوين وأخبار جذّابة، ترافق إعلاناً ما، كأن نقرأ عن دراسة تفيد بأن القهوة تعالج السرطان، في ذات الوقت، بجانبها أو على الصفحة المقابلة، إعلان للقهوة. المشكلة هنا ليست في "العلم"، بل بأسلوب الترويج له، وتحويله إلى جزء من الثقافة الشعبيّة والمتداولة.

الفرق بين العلم الحقيقي والزائف، يتجاوز فكرة أن العلم الحقيقي يدّعي الموضوعيّة والعموميّة، الدقة والتشكيك حتى الإثبات، والعلم الزائف يحمل العديد من التناقضات والخزعبلات والمعلومات التي قد تكون مضرّة وزائفة، بل يكمن الفرق في طريقة تعاطي المتلقّي لهذه المعلومات، سواء في سياق أكاديمي علمي أو شعبوي.

العلم الزائف قد يُستعمل كأداة للبروباغندا والتأثير على الرأي العام والتحكّم بسلوكيات المجتمعات، أشهر مثال في تاريخ العلم الزائف: ممارسة العادة السريّة تسبّب الموت المبكّر، والتي يُعتبر كتاب "الاستمناء-دراسة عن مضار العادة السريّة" الذي كتبه الطبيب الفرنسي صامويل تيسو عام 1760، من أشهر الوثائق القائمة على العلم الزائف.

الخطاب العلمي "الحقيقي" المدعّم بأبحاث علميّة ونظريات وأسس، يُستخدَم كأداة بروباغندا أيضاً، إذ أن تركيز شركات الأغذية على الحليب كمصدر أساسي للبروتين والكالسيوم، دون الاكتراث للمشاكل الهضميّة التي يسبّبها الحليب والأمراض السرطانيّة التي يمكن أن تصيب من يتناولون الحليب بكثرة، غيّر من سلوك المستهلك وجعل الطلب على الحليب في تزايد دائم، مع العلم أن البدائل موجودة، والأبحاث العلميّة التي تثبت ذلك موجودة وبكثرة، ولكن الناس لا تقرأ، الناس تشتري.

الخطاب العلمي "الحقيقي" المدعّم بأبحاث علميّة ونظريات وأسس، يستخدم كأداة بروباغندا أيضاً، إذ أن تركيز شركات الأغذية على الحليب كمصدر أساسي للبروتين والكالسيوم، بدون الاكتراث للمشاكل الهضميّة التي يسبّبها الحليب والأمراض السرطانيّة التي يمكن أن تصيب من يتناولون الحليب بكثرة، غيّر من سلوك المستهلك وجعل الطلب على الحليب في تزايد دائم، مع العلم أن البدائل موجودة، والأبحاث العلميّة التي تثبت ذلك موجودة وبكثرة، ولكن الناس لا تقرأ، الناس تشتري.

قصة دودة الجراد الطفيليّة أعلاه حقيقة علميّة، فيها شيء من الشاعرية، ممكن أن نحوّلها الى بحث علمي زائف، بدلاً من أن نشرّح جسد الجرادة الميتة ونراقبها، نستطيع الادّعاء أن من يتحكّم بالجراد هو كائن فضائي من مجرّة بعيدة، استطاع أن يبني قدرات للتحكّم عن بعد، عن طريق ذبذبات لا يسمعها إلا الجراد، طبعاً هذه كانت محاولة فاشلة للتحكّم بعقول البشر، النتيجة كانت أن الجراد يموت بدلاً من الانسان، الجراد الأضحيّة، وهذا البحث تنتج عنه حالة من الارتياب لدى البشر وأبحاث أكثر زيفاً وخيالاً، ولكن ينتج عنها أيضاً أبحاث علميّة حقيقة لدحض هذه الادّعاءات، فيزيد المخزون المعرفي البشري ويصبح لدينا معلومات أكثر عن الفضاء والذكاء الاصطناعي.

العالم الزائف

أشهر الفئات التي تشارك بعملية إنتاج المخزون المعرفي الزائف لدى البشريّة، المشكّكون بالاحتباس الحراري وتغيّر المناخ، فالمهندسون والعلماء الذين يعملون في الحقول الصناعيّة، يعترفون بأن المناخ من سيء إلى أسوأ ولكن يستمرّ الجميع باستخدام الإسمنت والمحروقات، لأن السوق يُملي علينا ذلك، الأهمّ أن "العالم الزائف" هو أي شخص، يتصفّح المعلومات المنتشرة من حوله، ويدّعي معارف ومعلومات خفيّة، ليس في متناول العامة، ويقوم بتجاربه وحساباته الشخصيّة، لتتحوّل التجربة العلميّة والتراث العلمي المرتبط بها إلى نوع من المهارة المنزليّة، يمكن لأي أحد أن يقوم بها، كما في فيديوهات "علّم نفسك" وتستبدل الأسس العلميّة بالغرور الذاتي وتعميماته، وكلما ازداد اطلاع "العالم" على الزيف، أزداد غروره الذي يضفي على كلامه صيغة منطقيّة، كونه بسيط وشعبوي، وتصبح نتائجه التي وصل لها منطقيّة جداً ومفهومة كأي خطاب شعبوي سياسيّ، فنعم الأرض مسطحة لأننا نرى الجزيرة على الطرف المقابل من البحر، ونعم المسلمون إرهابيّون، والحلّ هو بطردهم جميعاً، هذه الحلول التي تبدو شديدة المنطقيّة، ليست إلا خطابات سياسيّة وليست تجارب علميّة، وهذا ما يجعلها مقنعة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard