عندما يحلّق أهلكم فوق رؤوسكم كـ"كطائرات هليكوبتر"

الثلاثاء 19 مارس 201906:31 م

"أولادكم ليسوا لكم، أولادكم أبناء الحياة المشتاقة إلى نفسها، بكم يأتون إلى العالم، ولكن ليس منكم".

اهتم جبران خليل جبران بخبايا المجتمعات وتحدث مطولاً عن العلاقة بين الآباء والأبناء، موجهاً نقده إلى الفكر العربي الذي يجعل من الأبناء "صورة مصغرة" عن الأهل، من دون أن يكون للولد أي قدرةٍ على التفكير الحرّ أو التغريد خارج السرب.

وبالتالي من خلال كتاباته، حاول جبران التركيز على جوهر الحب كرابطٍ أساسي بين أفراد المجتمع، بمعزل عن الإجبار والمجاملات والقيود التي يضعها الأهل في الكثير من الأحيان على أبنائهم.

وبالرغم من أن أغلبية الآباء يطمحون إلى أن يكون أولادهم سعداء وأن يكون النجاح حليفهم في الحياة، إلا أنهم قد يوقعون أنفسهم في فخ المبالغة عن طريق "الإهتمام المفرط" والذي يكبّل الولد ويجعله غير قادرٍ على السير بمفرده في دروب الحياة المتشعبة.

هوس الأهل بالأبناء

هناك فرقٌ كبير بين "الآباء" العاديين والآباء "الهليكوبتر" أو "كاسحي الثلوج".

وبالرغم من أن هدفهما يبقى واحداً ويتمثل في تحقيق النجاح والسعادة للأبناء في الحياة، إلا أن طريقة التصرف والتربية تختلف جذرياً بين النمطين.

بدافع من الحب والمثالية، تتخذ العلاقة بين الآباء والأبناء أحياناً منحى سلبياً، إذ نرى مثلاً كيف يقوم الأهل بالمبالغة في الاهتمام بأبنائهم والتدخل في أدق تفاصيل حياتهم بمعزل عن عمر هؤلاء أو مكانتهم الاجتماعية.

في هذا الصدد، قد لا تترك الأم مثلاً وسيلةً للاطمئنان على أولادها واغراقهم بكمّ من الأسئلة التي لا تنتهي: ماذا أكلتم؟ هل أتممتم واجباتكم؟ مع من تحدثتم؟ ما هي مشاريعكم خلال اليوم؟... وغيرها من التصرفات التي تحاصر الولد وتخنق أنفاسه.

ظهر مصطلح "الآباء الهليكوبتر" لأول مرةٍ في العام 1969 في سياق دراسةٍ عن العلاقة بين الآباء وأبنائهم في فترة المراهقة، إذ أجريت مقابلات مع عيّنة من الأبناء استخدموا هذا المصطلح، بعد أن اعتبروا أن أهلهم يحلقون فوق رؤوسهم كـ"كطائرات هليكوبتر" لمراقبتهم وللتدخل الفوري في حال لزم الأمر.

للوهلة الأولى، تبدو المسألة طبيعية خاصة أن البعض يعتبر أنه من الرائع وجود آباء مستعدين لبذل حياتهم من أجل أولادهم، ولكن غالباً ما تتحول هذه المحبة والعناية إلى "هوس" فعلي ونزعة إلى التدخل بكافة التفاصيل الحياتية الخاصة، مما يطيح بمفهوم "الإستقلالية" وبقدرة الأطفال على الاعتماد على أنفسهم حتى حين يكبرون ويصبحون بالغين.

أما المشكلة فتكبر حين يتحول الأهل من "آباء هليكوبتر" إلى "كاسحة ثلوج": آلات تشق طريقها إلى الأمام وتزيل أي عقباتٍ قد تواجه الأطفال في مشوارهم نحو النجاح، مما يعني أنه ليس على الأبناء مواجهة الفشل أو الاحباط أو الفرص الضائعة.

توضح صحيفة "نيويورك تايمز" ان تدخل الأهل قد يبدأ في وقتٍ مبكرٍ، قبل ولادة الأطفال حتى، ويصبح أكثر حدةً عندما ينخرط الأولاد في المدرسة: إنجاز فرض من الفروض المنسية، استدعاء مدرب الرياضة ليسمح لطفلهم بتشكيل الفريق الذي يريده... ثم يقوم هؤلاء الآباء بالاعتذار في حال أهمل طفلهم واجباته المدرسية كما أنه قد يتصلون بأحد الأساتذة للتجادل حول علامةٍ معيّنةٍ.

المشكلة تكبر حين يتحول الأهل إلى "كاسحة ثلوج": آلات تشق طريقها إلى الأمام وتزيل أي عقباتٍ قد تواجه الأطفال في مشوارهم نحو النجاح، مما يعني أنه ليس على الأبناء مواجهة الفشل.

بمعنى آخر يحاول هذا النوع من الأهل فرش الطريق لأولادهم بالورود وابقاء حياة هؤلاء خالية من العوائق، حتى لو كان ذلك على حساب تجاوز الحدود الأخلاقية والاجتماعية.

الآثار السلبية

اعتبر عالم النفس البريطاني "دونالد وينيكوت" أن الأمراض البشرية التي يشهدها العالم هي بالأصل نتاج فشل علاقة الأبوين بأطفالهما واستيعابهما لهم.

بدورها لاحظت البروفيسور "جولي ليثكوت هايمز"، خلال عملها كعميدة للطلبة في جامعة ستانفورد أن الطلاب الوافدين كانوا رائعين ومتفوقين، إلا أن الكثير منهم كانوا غير قادرين على رعاية أنفسهم واتخاذ أي قرارٍ قبل الرجوع إلى أهلهم، خاصة أن الآباء كانوا يتدخلون أكثر فأكثر في حياة أبنائهم، ويتصلون بهم عدة مرات في اليوم.

من هنا اعتبرت "جولي" أن الآباء في المجتمعات الغنية، يعرقلون نجاح أطفالهم من خلال العمل بجدّ لحمايتهم من خيبات الأمل والفشل والمعاناة.

وفي كتابها How to Raise an Adult حاولت "هايمز" أن تدرس ظاهرة "الآباء الهليكوبتر" من أجل التعرف على أسبابها ومخاطرها، خاصة أنها باتت منتشرة بكثرةٍ بين جيل الألفية.

ومن أجل ذلك، أجرت الباحثة مقابلات مع عشرات الآباء الذين يساعدون أبناءهم في حلّ الواجبات المدرسية وإتمام الأبحاث الجامعية، وخلصت إلى القول "هذا الإفراط في المساعدة يساعد الأولاد في تطوير سير ذاتية رائعة للقبول في الكلية، إلا أنه يسلبهم أيضاً فرصة التعرف على أنفسهم وعلى الأمور التي يحبونها وعلى كيفية الابحار في هذا العالم".

وتابعت:" نريد أن نساعدهم بشدة عن طريق حمايتهم من الفشل والألم، لكن الإفراط في المساعدة يسبب الضرر، إذ بإمكانه أن يترك الشباب من دون نقاط القوة في المهارات، وفي الإرادة وفي الشخصية اللازمة لمعرفة أنفسهم والحياة".

وتحدثت "هايمز" عن ارتفاع حالات الاكتئاب والاضطرابات العقلية والمشاكل الصحية والعاطفية نتيجة العلاقات الخاطئة بين الأهل والأبناء، مشددةً على ضرورة احترام خيارات الأبناء وعدم الافراط في الاعتناء بهم: "نحن بحاجة لمعرفة أن أطفالنا لديهم ما يكفي من الوسائل للاستيقاظ في الصباح والعناية بأنفسهم".

وكون بعض الأهل لا يدركون ما اذا كانوا ينتمون إلى فئة "الآباء الهليكوتبر" أم لا، وضعت "جولي" مجموعةٍ من الأمور التي توضح وقوع المرء في فخ الافراط في الاهتمام:

-التحقق من اللغة المستخدمة: في حال كنتم تستخدمون صيغة الجمع، كالقول مثلاً "نحن" عند الحديث عن ابنكم أو ابنتكم، فهذا يعتبر مؤشراً على تشابك العلاقة بطريقةٍ غير صحيةٍ بينكم وبينهم.

-الانتباه إلى تفاعلكم مع الأشخاص البالغين فى حياة طفلكم: إذا كنتم تتجادلون مثلاً مع المعلمين والمديرين في المدرسة ومدرب/ة الرياضة، فهذا يعني أنكم تتدخلون في حياة أطفالكم ولا تسمحون لهم بالدفاع عن أنفسهم.

-المواظبة على حل الواجبات المدرسية لأبنائكم.

سوء السلوك

في الحديث عن الآثار السلبية الناجمة عن اهتمام الأهل الزائد بشؤون أولادهم، كشفت دراسةٌ أجرتها جامعة "مينيسوتا" أن الأطفال الذين لديهم آباء صارمون ويحبون فرض السيطرة أو المبالغة في دلال أطفالهم، أكثر عرضةً للمشاكل في المدرسة بسبب زيادة معدل سوء السلوك.

ليس من واجب الأهل أن يحلقوا فوق أطفالهم كالهليكوبتر والتدخل في تفاصيل حياتهم الخاصة، بل دورهم يكمن في تقديم ما يكفي من الحب والثقة لمساعدة أبنائهم على الانطلاق في الحياة.

وقال الباحثون إن ظاهرة "آباء الهليكوبتر" يمكن أن تؤثر سلباً على الصحة العاطفية للطفل، وهو الأمر الذي يجعله أقل قدرةً على التحكم بسلوكه والتعامل مع المواقف الاجتماعية، في حين أن الأطفال الذين يتعلمون كيفية التعامل مع المواقف الصعبة دون تدخل الوالدين، سيحققون المزيد من النجاح في وقتٍ لاحق من الحياة.

هذه الدراسة التي نشرتها جمعية علم النفس الأميركية في مجلة "تطوير علم النفس"، عملت على دراسة آثار الأبوة وسلوك 422 طفلاً في الولايات المتحدة وسويسرا.

وفي عمر الثانية، تمت دعوة الأمهات وأطفالهنّ إلى المختبر، حيث طلب منهم اللعب بمجموعةٍ من الألعاب لمدة 4 دقائق، ثم الابتعاد عنها خلال الدقيقتين التاليتين، وصنف الباحثون إلى أي درجةٍ حاولت الأم بسط سيطرتها على تصرفات طفلها.

وبعد ذلك، في سن الخامسة، درس فريق البحث ردود فعل الأطفال على حصةٍ غير عادلةٍ من الحلوى، وقدرتهم على حلّ لغز تحت ضغط الوقت، وأخيراً، في سن العاشرة، تم استجواب الأطفال حول مواقفهم تجاه المدرسة والمعلمين بالإضافة إلى القضايا العاطفية.

وعليه اكتشفت الدراسة أن وجود "آباء الهليكوبتر" في سن الثانية، ارتبط بالسلوك السيئ في الوقت الذي بلغ فيه الأطفال سن الخامسة. كما تؤكد النتائج على أهمية تثقيف الآباء والأمهات حول دعم استقلال الأطفال من خلال التعامل مع التحديات العاطفية.

وبدورها أكدت الأخصائية في علم النفس التربوي "ميشيل بوربا" أن "الفشل هو جزء من الحياة، واذا لم تُتَح لأطفالنا فرصة الفشل أو ارتكاب الأخطاء، فإنهم لن يدركوا أبداً معنى الارتداد".

بمعنى آخر ليس من واجب الأهل أن يحلقوا فوق أطفالهم كالهليكوبتر ويسمحوا لأنفسهم بالتدخل في تفاصيل حياتهم الخاصة، بل دورهم يكمن في تقديم ما يكفي من الحب والثقة لمساعدة أبنائهم على الانطلاق والنجاح في هذه الحياة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard