كيف تغيرت الصورة النمطية للإسلاميين في الدراما المصرية؟

الأحد 2 يوليو 201707:47 م
منذ أن بدأ عرض فيلم مولانا على شاشات السينما في شهر يناير السابق، اندلعت معركة حامية الوطيس بين السينمائيين من جهة وأصحاب التوجهات الإسلامية ورجال الأزهر من جهة أخرى، على خلفية انتقاد الفيلم لرموز الدعوة الدينية. ففي حين كان أصحاب الفريق الأول، يرون أن انتقاد المشايخ ورجال الدين حق مكفول لأصحاب الرأي، فإن الفريق الثاني اعترض من باب هالة الاحترام والتبجيل التي يجب أن تحيط بشخصية الداعية الإسلامي من جهة، وبسبب ما رأوه في الفيلم من تشويه متعمد له من جهة أخرى. مرت العلاقة بين الدراما والإسلاميين بمحطات عدة تغيرت خلالها صورة الإسلاميين مع تغير العهود والأنظمة السياسية الحاكمة.

فترة الملكية: غياب الإسلاميين عن الدراما

ابتدأ عهد السينما المصرية في عام 1928 بعد انتاج الفيلم الأول "زينب" المقتبس عن رواية للأديب محمد حسين هيكل. الفترة الممتدة من 1928 حتى  حركة الضباط الأحرار في 1952 لم تشهد ظهوراً واضحاً لأصحاب الفكر الإسلامي في الدراما السينمائية، ويمكن أن نرجع ذلك لعدة أسباب، أهمها أن المزاج الدرامي وقتها كان يميل إلى الموضوعات الرومانسية والفكاهية، ولم يكن يُنظر للدراما وسيلة فعالة لنقد الواقع الاجتماعي. بالإضافة إلى ذلك، لم يكن حضور جماعة الإخوان المسلمين على الساحة الاجتماعية طاغياً للدرجة التي تدفع صناع السينما لتجسيدهم على شاشاتها.

عهد عبد الناصر: حضور خجول وعجز

بعد القضاء على الملكية، عرف الضباط الأحرار القوة الناعمة التي من الممكن أن تتيحها شاشات السينما لهم، ولذلك عملوا على الاستعانة بآليات العمل السينمائي لنشر أفكارهم، ولكنهم لم يستعينوا بهذا السلاح في مواجهة الإسلاميين. فرغم حالة الصراع العنيفة التي دارت في تلك الفترة ما بين السلطة وجماعة الإخوان المسلمين، تلك التي وصلت في ذروتها إلى حادثة المنشية وما نتج عنها من إعدام عدد من قيادات الجماعة في 1966، لا نكاد نلحظ أثراً يُذكر للإسلاميين في الدراما، اللهم إلا في بعض الإشارات العابرة التي أظهرت عجز رجل الدين عن الوصول لأي حل مجتمعي. ففي فيلم "جعلوني مجرماً" الذي أنتج في 1954، يجسد شيخ المسجد صورة الواعظ العاجز عن تقديم أي علاج، بينما في فيلم "الزوجة الثانية" الذي أنتج في 1967، يظهر الشيخ في صورة الداعم للسلطة الاستبدادية، عندما يوظف آيات القرآن في سبيل الشرعنة لظلم المستبد وجبروته.
وربما لم يشذ عن تلك الصورة إلا فيلم "الشيخ حسن" الذي تم إنتاجه في 1954، وجسد فيه الممثل حسين صدقي شخصية شيخ أزهري صاحب شخصية قوية وحضور مؤثر على من يحيطون به، وظهر في أحد المشاهد بشكل إيجابي، وهو يقوم بتعنيف عدد من مدخني الحشيش، ويكسر أدوات التدخين ويصر على موقفه الملتزم رغم اعتراض أبيه وأصحابه.
#t=30m00s واللافت أن هذا الفيلم منع لأنه يقدم رؤية إيجابية للشيخ، ويبيّن قدرة الإسلاميين على التغيير في المجتمع. ولكن لم يتم الإعلان عن المنع بشكل رسمي، إلا أن هذا الفيلم لم يتكرر عرضه على الشاشات منذ فترة طويلة.

عهد السادات: فورة الإسلاميين في الدراما

بدءاً من عهد الرئيس الأسبق محمد أنور السادات، ظهر الإسلاميون كثيراً في الأعمال السينمائية، وكان ذلك بسبب ما قام به السادات من تصالح مع الإخوان المسلمين، وانتشار الجماعة في شتى الكليات والجامعات المصرية. وفي محاولة لإظهار اختلاف عهد السادات عن عهد سلفه، ظهرت بعض الأفلام التي انتقدت الظلم الذي وجهته الدولة الناصرية لأعدائها السياسيين من الشيوعيين والإسلاميين، ومن أهم تلك الأفلام فيلم الكرنك (1975)، وفيلم إحنا بتوع الأتوبيس (1979). ورغم أن أياً من أبطال الفيلمين لم يكن يمثل الفكر الإسلامي، فإن سياقهما العام كان يبدي بعض التعاطف مع الإسلاميين الذين تم تعذيبهم في المعتقلات الناصرية.

عهد مبارك: المواجهة إلى أقصى حدودها

أما في عهد مبارك، فقد وصلت المواجهة بين الإسلاميين والدولة إلى أقصى حدودها، خصوصاً في فترة التسعينيات، وهي الفترة التي شهدت إنتاج الكثير من الأفلام والمسلسلات التي شوهت النموذج الإسلامي وصنعت منه مسخاً يثير نفور المشاهدين ومخاوفهم. وكان من أهم الأعمال التي جسدت الإسلاميين وشوهتهم في تلك المرحلة، مسلسل العائلة وأفلام "الإرهابي"، و"الإرهاب والكباب"، و"طيور الظلام".

أنماط معدّة سلفاً

اعتادت الدراما المصرية في الحقبة المباركية وما تلاها، تناول الإسلاميين بأشكال عمومية وقوالب جاهزة وأنماط محددة سلفاً. كان أكثر تلك الأنماط تكرارية نمط الإسلامي المنغلق العابس الوجه، الذي لا يعرف غير الانقياد الأعمى لقرار مرشده أو شيخه دون أن يُعمل عقله. جيل التسعينيات سوف يتذكر على الدوام جملة "لا تناقش ولا تجادل يا أخ علي"، تلك الجملة التي رسخت صورة الإسلامي الذي لا يفكر فيما يوجه إليه، بل يسمع ويطيع فحسب.
كما أنه في أحد المشاهد الشهيرة من فيلم طيور الظلام، يقوم بطل الفيلم بالدعاء على جماعة من السلفيين أثناء تناولهم الطعام، ويقومون هم بالتأمين على الدعاء وسط انشغالهم بالأكل، في مشهد يخرج من حدود السخرية إلى الاستهزاء المطلق بعقل المشاهد.
النموذج الشهواني هو الآخر كان من أكثر النماذج التي ظهر بها الإسلاميون في الدراما السينمائية والتلفزيونية، فقد أظهرت أعمال درامية عدة الإسلامي إنساناً شهوانياً بامتياز، فرغباته المكبوتة والمنحصرة في الطعام والجنس، هي الدافع الأساسي لتحريكه ولتفسير تصرفاته. فمثلاً، في فيلم "الإرهاب والكباب" مثّل الفنان أحمد عقل دور الشيخ السلفي الذي يأكل بنهم، وينظر إلى فتاة الليل (يسرا) بطريقة شهوانية فجة طوال أحداث الفيلم مردداً المواعظ والنصائح التي تخوف من عذاب الآخرة.
&app=desktop​ مشهد الإسلامي صاحب اللحية الكثة، الذي ينهمك في التهام الطعام بطريقة مقززة، أضحى لكثرته مشهداً نمطياً تقليدياً، بحيث انحصر التجديد فيه، في كميات ونوع الأطعمة ليس إلا. مثال عن ذلك، ظهور الداعية الإسلامي، في الفيلم الكوميدي "الثلاثة يشتغلونها"، في مطعم تسود فيه نغمات العود والطرب، وهو  يتناول الطعام بيده بطريقة مقززة، وبجواره الشيشة ليدخنها بعد الطعام.
&app=desktop#t=96m00s الملاحظ أن الكثير من تلك المشاهد حاول أن يجعل طريقة إشباع الإسلامي لرغباته الشهوانية، محرمة وغير شرعية، فكثيراً ما أظهرته السينما يلتهم طعاماً من المال الحرام الذي كسبه بالسرقة أو النصب، كما أظهرته وهو يشبع رغباته الجنسية عبر طريق محرم وهو الزنا، الذي قد يصل في بعض الأحيان إلى هتك العرض والاغتصاب أو زنا المحارم. من ذلك ما ورد في فيلم الأبواب المغلقة (2001)، عندما ظهر الشاب المتدين في أحد المشاهد وهو يشتهي أمه.
#t=49m00s ثم يحاول اغتصاب جارته.
#t=90m00s أما نموذج الشيخ الكفيف الذي يملك سطوة واسعة على أتباعه من الجهاديين، فقد تكرر في الكثير من الأعمال الدرامية الحديثة نسبياً. ففي مسلسل "باب الخلق" الذي أنتج عام 2012 ظهر الشيخ الكفيف الذي جسده سناء شافع وهو يوجه أتباعه للقيام بعمليات إرهابية. وكذلك في مسلسل القيصر (2016)، ظهر الشيخ الضرير الذي جسده الممثل المصري أحمد حلاوة، والذي يملك سيطرة مطلقة على باقي السجناء، مما أهله للقيام بعمليات تفاوضية مع الجهات الأمنية.

كيف رد الإسلاميون على الدراما المسيئة؟

اختلفت ردود أفعال الإسلاميين على الطريقة التي أظهرتهم بها الدراما المصرية. فبالنسبة لقطاعات واسعة من أتباع المنهج السلفي، اختاروا كعادتهم أن يتخذوا من الصمت حلاً، فلم يعلقوا على مسألة تشخيصهم بتلك الصور المهينة واكتفى بعضهم بنقد تلك الأعمال في دروسهم ومحاضراتهم التلفزيونية.
أما بالنسبة للقطاع الفاعل من الإسلاميين، والذي تتمثل أغلبيته في أعضاء جماعة الإخوان المسلمين، فقد لجأ إلى أكثر من طريقة من طرائق الرفض والإنكار، من ذلك ما قاموا به من احتجاجات ضد صناع المحتوى الدرامي، إذ أعلنوا أن النماذج التي ظهر عليها الإسلاميون في الدراما، ما هي إلا صناعة تلفيقية تم إعدادها بواسطة رجال أمن الدولة وبمعرفة رجال الحزب الوطني المنحل الذين كانت مصلحتهم تكمن في تشويه صورة الفصيل الإسلامي باعتباره مرشحاً محتملاً للحكم، ووجهوا سخريتهم من بعض تلك الأعمال.

فعلى سبيل المثال وجه أحد شباب الإخوان المهتمين بالسينما نقداً لاذعاً للكاتب وحيد حامد بسبب مسلسل الجماعة عندما اتهمه بأنه تعمد "أن يظهر رجال الأمن بصورة رجال لطفاء مسالمين يتحرون عدم الصدام ويعاملون أفراد الإخوان الجانحين نحو استخدام العنف أفضل مما تعامل به الأم وحيدها".

التهكم والسخرية لم يكونا السبيل الوحيد أمام الإخوان، بل أقاموا في الكثير من الأحيان عدداً من الدعاوى القضائية ضد بعض الفنانين الذين جسدوا صورتهم بشكل مشوه، ومن أشهر تلك القضايا، تلك التي أقامها أحد شباب المحامين ضد الممثل عادل إمام، بعدما اتهمه "بأنه قدم أعمالاً فنية أساءت إلى الإسلام وسخرت من الملتزمين دينياً".

كيف كسرت السينما هالة الاحترام والتبجيل التي تحيط بشخصية الداعية الإسلامي...

هذه القضية حظيت باهتمام كبير على الصعيد الإعلامي، خصوصاً أن محكمة أول درجة قد حكمت فيها بالإدانة على إمام، وقضت بحبسه ثلاثة أشهر وتغريمه عشرة آلاف جنيه بتهمة ازدراء الأديان، قبل أن تقضي محكمة الاستئناف بتبرئة الممثل المصري، وقد اعتبر كثيرون هذه التبرئة "نصراً للفن ورفعاً لرايته عالياً".

الشكل الثالث الذي عبر الإسلاميون بواسطته عن رفضهم لأسلوب تجسيدهم درامياً، هو أنهم عملوا على المشاركة بأنفسهم في العمل الدرامي، مستلهمين تجربة مسرح الإخوان المسلمين في ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين. فكما يؤكد الشيخ الإخواني عصام تليمة في بحثه المعنون بـ"البنا وتجربة الفن"، كانت فرقة القاهرة المسرحية الإخوانية تضم أعضاء مهمين وممثلين معروفين من أمثال عبد المنعم مدبولي وسراج منير ومحمود المليجي وحمدي غيث وعبد الله غيث، وكانت تلك الفرقة تقدم أعمالاً مسرحية فكاهية وأخلاقية وتاريخية.

وبعد اندلاع ثورة 25 يناير، وهيمنة الفصائل الإسلامية على الساحة السياسية المصرية، أعلن عدد من الإخوان المسلمين نيتهم تأسيس شركة إنتاج سينمائي، يتمثل هدفها في "خدمة فكر جماعة الإخوان المسلمين وتقديمهم إلى المشاهدين بصورتهم الحقيقية بغير تشويه أو تحريف".

وكان أول الأعمال التي نوى الإخوان المسلمون تقديمها عبر تلك الشركة، هو فيلم عن مؤسس الجماعة الشيخ حسن البنا، وذلك بعدما تم الإعلان في يونيو 2011 عن اختيار الممثل السوري رشيد عساف لتجسيده، في عمل بلغت موازنته الأولية ما يقرب من 35 مليون جنيه وكان من المخطط أن يتم عرضه في عيد الأضحى عام 2012، غير أن الظروف الصعبة التي تعرض لها النظام الإخواني الحاكم في تلك الفترة، أدت إلى إيقاف المشروع وغيره من المشاريع الدرامية ذات الصبغة الإسلامية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard