شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

قدّم/ ي دعمك!
غضب أقباط مصر ضد السيسي: هل تهدأ هذه العاصفة؟

غضب أقباط مصر ضد السيسي: هل تهدأ هذه العاصفة؟

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

سياسة

الاثنين 12 ديسمبر 201604:48 م
"يا أبو دبورة ونسر وكاب... انتوا اللي صنعتوا الإرهاب"... لم يدُر يوماً في مخيلة أحد أن يتردد هذا الهتاف على ألسنة المصريين الأقباط، الجماعة التي تُعتبر داعمة لنظام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي. لكن التفجير الإرهابي الذي وقع في قلب الكنيسة البطرسية الملاصقة للكاتدرائية المرقسية في القاهرة وأوقع 25 قتيلاً و49 جريحاً، فجّر غضب الشباب القبطي تجاه قيادات وأجهزة الدولة فاتهموها ليس بالتقصير الأمني فحسب بل بالتورط في تدبير الحادث المروّع.
غضب الشباب القبطي وهتافاتهم المناهضة لنظام السيسي والمنادية برحيله، أُطلقا في مسيرات جابت محيط الكاتدرائية المرقسية في منطقة العباسية شرق العاصمة المصرية التي تحوّلت بدورها إلى ما يشبه ثكنة عسكرية، وشهدت أحداثاً ذات دلالة حول مستقبل العلاقة بين الأقباط والنظام، وكان من أبرزها المطالبة بإقالة وزير الداخلية ومنعه من تفقّد مكان الحادث والاعتداء على عدد من الإعلاميين المواليين للنظام، وفي مقدمتهم لميس الحديدي وأحمد موسى وريهام سعيد.
السخط القبطي العارم تجاه النظام، سرعان ما سيهدأ، وفق ما أكده رجال دين ومفكرون وكتاب أقباط لرصيف22. فالثورة اللحظية مبعثها بشاعة الحادث وتراكم الظلم والاضطهاد ضد المسيحيين، ولكن ثورة الشباب الأقباط لن تذهب بعيداً نحو معاداة النظام، إذ “ما زال للسيسي في قلب معظم الأقباط مكانة لا تهزها الأحداث مهما كانت فجاعتها”. وبينما نادى البعض بإقالة وزير الداخلية، تبلورت مطالب الأقباط بعد الحادث بإقرار المواطنة وعدم التمييز وسرعة إصدار الأحكام القضائية والكشف عن الجناة في حوادث الاعتداءات على المسيحيين ورفع كفاءة الأجهزة الأمنية ووضع خارطة طريق لتطوير الخطاب الديني.

غضب مرفوض

وبرأي المفكر القبطي والبرلماني السابق جمال أسعد، إن ردود الأفعال الغاضبة من قبل الشباب القبطي مرفوضة تماماً. وقال لرصيف22 إن المسيرات والهتافات المناهضة للنظام عقب الحادث مباشرة، وراءها شباب يريد إثبات ذاته ووجوده ويحب الظهور. واستبعد أسعد تماماً الاتهامات التي طالت النظام بتورط بعض أجهزته في الحادث، مؤكداً أن التفجير يستهدف في الأساس النظام، "فالعلمية الإرهابية ليس المقصود بها الأقباط وإنما نظام 3 يوليو"، مشيراً إلى أن استهداف الأقباط جاء بسبب مشاركتهم في ثورة وتظاهرات 30 يونيو التي أطاحت بحكم الإخوان المسلمين، ومساهمة البابا تواضروس في بيان 3 يوليو الذي عزل بموجبه محمد مرسي. وأقر أسعد بوجود تقصير أمني مؤكداً أن إقالة وزير الداخلية اللواء مجدي عبد الغفار “مطلب عام للمصريين جميعاً وليس للأقباط فحسب”. واستبعد أن يؤثر الاعتداء على العلاقة الوثيقة والدعم القبطي لنظام السيسي، لافتاً إلى أن الغضب الجماهيري جاء بسبب فظاعة الحادث. من ناحية ثانية، وصف القس الإنجيلي ألبرت لويس غضب الشباب القبطي إزاء نظام السيسي، بعد لحظات من التفجير الإرهابي، بأنه مشاعر وقتية سرعان ما ستهدأ. وقال لرصيف22 إن “الشعب المصري بطبيعته انفعالي وعاطفي ويثور بسرعة ويهدأ أيضاً بسرعة”. وأوضح لويس أن المفهوم السائد لدى جميع الشباب هو أن هنالك تقاعساً من جانب مختلف قيادات الدولة التي تعمل ببطء، نافياً مسؤولية وزير الداخلية عن الحادث، وواصفاً المطالب بإقالته بأنها كلام انفعالي وتفكير عقيم. وأشار إلى أن بطء عمل منظومة أجهزة الدولة يتحمل جزءاً من المسؤولية، فالقضاء على سبيل المثال لم ينفّذ الأحكام الرادعة في القضايا الإرهابية السابقة بالسرعة المطلوبة. ووصف تفجير الكاتدرائية بأنه “عمل جبان يستهدف إثارة الفتن الطائفية والرعب في البلاد في الوقت الذي بدأت تنهض فيه بشائر السياحة”، إضافة إلى سعي الجناة إلى ضرب علاقة الأقباط بنظام السيسي والتفريق بين جميع فئات الشعب. ورفض القس الإنجيلي اتهام الإخوان المسلمين أو السلفيين بالضلوع في الحادث، مؤكداً أنه لا يرمي التهم جزافاً، وطالب بانتظار نتائج التحقيقات القضائية لمعرفة الجاني، غير أنه حذّر من استغلال الحادث من قبل الإخوان والمعارضة ضد النظام.

مخزون الصدور

من جانب آخر، كشف الكاتب القبطي مدحت بشاي لرصيف22 أن هناك انقساماً داخل الكاتدرائية وفي صفوف الأقباط. وأشار إلى أنه “بينما كانت هناك هتافات ساخطة ضد السيسي ونظامه، كانت هناك أيضاً هتافات مؤيدة له ومشددة على أن الأقباط لن يكرهوه مهما حدث”. واعتبر بشاي أن ثورة الغضب القبطية شبيهة بتلك الغضبة التي حدثت عقب تفجير كنيسة القديسين حينما طرد المسيحيون الوزير الأسبق مفيد شهاب من جنازة الضحايا محملين حكومة أحمد نظيف ونظام حسني مبارك المسؤولية عن الحادث بسبب التأخير في محاكمة المعتدين على الأقباط. وقال إن لحظة الغضب العارمة عبّرت عن المخزون في الصدور منذ سنوات نتيجة عدم صدور أحكام في قضايا الاعتداء على المسيحيين، أو عدم الوصول إلى الجاني منذ أحداث الكشح في صعيد مصر التي قتل فيها 21 قبطياً، مروراً بكنيسة القديسين وأحداث نجع حمادي والعامرية واعتداءات المنيا وغيرها من الأحداث التي أهملت أو حُلّت عرفياً. ولفت إلى أن الاعتداء على الكاتدرائية بهذا الشكل لأول مرة يمثل صدمة مروعة باعتبارها البيت المسيحي الأصيل المركزي.

مطالب الأقباط

بلور بشاي مطالب الأقباط في تغيير الخطاب الديني بالفعل وليس عبر المؤتمرات والتنظير الأجوف، واتخاذ إجراءات فعلية في هذا الصدد، وإنشاء مفوضية مناهضة التمييز التي نص عليها الدستور، وإقرار القوانين، والاعتذار عن قضايا الاعتداءات السابقة على الأقباط والتأكيد على أن حقوق الضحايا والمصابين، حتى لو كانوا من الأجداد، لن تسقط بالتقادم. وقال إن "العدالة وعدم التمييز والمواطنة تمثل المطلب الرقم الواحد للأقباط، فلسنا في ذمة أحد ولن ننتظر أن نُهان صباح كل يوم عبر مناظرات السلفيين ودعاتهم بدون سبب".

"السيسي في القلب"

واعتبر بشاي أن "السيسي عايش جوه قلب كل قبطي" مؤكداً أن مكانته عند الأقباط لم تتزحزح، “فما زال الأمل معقوداً عليه ليحوّل حلمه في تطوير الخطاب الديني إلى خارطة طريق تُنفّذ على أرض الواقع”. وشدد بشاي على أن اللعب بورقة الأقباط في الشارع السياسي مثلما حدث في عهدي مبارك ومرسي لن يفيد أحداً، وأضاف: "يظل الأقباط وطنيين لا يخونون، ولا يحيدون عن الإحساس بمشاكل الوطن".

التقصير الامني

"يا سيسي كنت رئيس مخابرات، فكيف يقع حادث تفجير مسجد يوم الجمعة ثم تفجير كمين يوم السبت وأخيراً تفجير كنيسة يوم الأحد؟"، يتساءل الصحافي القبطي أسامة فرج، مؤكداً أن وقوع ثلاثة تفجيرات إرهابية في ثلاثة أيام متتالية يكشف عن خلل أمني شديد وعن أن الحكومة التي تنفق مليارات لا تستطيع حماية الشعب. وربط فرج بين تفجير الكاتدرائية والظروف الاقتصادية المتدهورة في مصر نتيجة تعويم الجنيه والغلاء الفاحش للأسعار وانتشار الفقر الذي "ربما يدفع الكثيرين إلى الاستجابة للمخطط الخارجي بتقسيم البلاد على أسس دينية وطائفية وعرقية، فيجدون في ضعاف النفوس من الفقراء مَن يستطيعون إغراءهم بالمال لتنفيذ تلك التفجيرات الإرهابية". وأكد فرج لرصيف22 أن غضب الشباب لا يقتصر على الأقباط فقط، فالجميع مستاء من انتشار البطالة وعدم القدرة على الزواج والمؤتمرات التي يعقدها السيسي شهرياً للشباب ويستضيف فيها الوجوه نفسها كل مرة. ونفى تأييد الكتلة القبطية للسيسي، مؤكداً أن الأقباط دائماً في صفوف المعارضة، غير أنهم كانوا مسالمين في عهد البابا شنودة بسبب مطالبته لهم بعدم التصادم مع السلطة، لكن الوضع اختلف الآن في عهد البابا تواضروس وبعد أن فقد رجال الدين المسيحيون سطوتهم على الأقباط ولم يعد لهم صدقية مع الشعب القبطي، بات المسيحيون يعترضون على ما يمس حقوقهم مثلما حدث في مشروع قانون ترميم الكنائس. لكنه أكّد أن المعارضة القبطية لبعض ممارسات وسياسات النظام لا تذهب إلى حد العمل على إسقاطه. وبرأي فرج، إن "الغضب القبطي غضب وقتي، ولو قرر السيسي إقالة وزير الداخلية والحكومة المقصرة، فسيصفق له الأقباط مجدداً".
إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard