شركات النفط العالمية لم تفِ بوعودها للعراقيين

الجمعة 22 يوليو 201606:43 م

عام 2008، فاز عدد من شركات النفط بتراخيص لتطوير حقول العراق النفطية. ونصت العقود على تقديم خدمات اجتماعية للمواطنين المقيمين بالقرب من تلك الحقول. ولكن تحالف الفساد والمال سمح للشركات بعدم الالتزام بهذا الشرط.

أراد العراق الوصول بإنتاج النفط العراقي إلى ما لا يقل عن 12 مليون برميل يومياً. وتضمّنت عقود الخدمة ضرورة تقديم الشركات خدمات اجتماعية للأهالي المقيمين بالقرب من الحقول المستثمرة. ولكن هذا البند بقي حبراً على ورق.

خدمات من الشركة إلى الشركة

ويقصد بالخدمات الاجتماعية أموراً مثل تعبيد الطرق وبناء المدارس والمستشفيات ومراكز لتحلية المياه وملاعب وغيرها من الأمور التي يمكن أن تخدم الأهالي. إلا أن ما اتُّفق عليه لم يُنفّذ، فغالبية المناطق القريبة من الحقول لم تقدَّم لأبنائها أيّة خدمات برغم وصول الإنتاج النفطي في تلك الحقول إلى مستويات متقدمة.

مقالات أخرى:

كيف يتوزع النفط وعائداته على المحافظات العراقية؟

من يدفع أكثر على الوقود في العالم العربي؟

"منصور إبراهيم" من قرية الذياب الواقعة في قضاء الرفاعي جنوب العراق. تقع قريته ضمن الرقعة الاستكشافية لحقل الغراف النفطي الذي تستثمره شركة بتروناس الماليزية. قال إبراهيم لرصيف22 إن ممثلي الشركة أكّدوا في الأشهر الأولى لوصولهم، هم والمسؤولون العراقيون، أن خدمات اجتماعية ستقدم للقرى والمدن المحيطة بالحقل إلا أن ذلك لم يحصل بشكل كامل.

وأضاف أن الشركة بدأت بعمليات الاستكشاف ومن ثم بدأت بالانتاج إلا أن ما نفذته من عمليات اجتماعية لا يتناسب وحجم المنتج النفطي. وروى أنهم عبدوا طرقاً رئيسة هي في الأساس تخدمهم أي أن العمل لم يكن لخدمة الأهالي بشكل مباشر. ولفت إلى أن هنالك العشرات من المدارس والمستشفيات القديمة والمهدمة فضلاً عن قرى لا تمتلك مركزاً صحياً أو مركزاً لتحلية المياه، وكل هذا قريب جداً من الحقل، ولكن الشركة لم تأبه له.

أموال التهمتها دوّامة الفساد

حال مناطق بدره وجصان الحدودية، في محافظة واسط شرق البلاد، ليست أفضل حالاً. هنالك، يقع حقل بدره الذي يستثمره ائتلاف من أربع شركات نفطية عالمية بقيادة غاز بروم الروسية. وقال خالد عطا الله، 39 عاماً، مدير مدرسة من سكنة المدينة ذاتها، إن "الشركة تخلّت عنا برغم أنها تسببت بمشاكل بيئية وصحية. كذلك لم تلتزم بالشروط التي نص عليها العقد بما فيها توظيف عمالة من المناطق المجاورة للحقل".

وأكّد عطالله أن ما قدمته الشركة لم يتعدَّ الوعود "ونحن نسمع ونرى أن إنتاجهم تقدم بشكل جيد ويحصلون على أرباح"، واستنكر قيام بعض المسؤولين العراقيين بزيارة الحقل أكثر من مرة "بدون الالتفات أو حتى الإشارة إلىحاجاتنا. وهذا يؤكد لنا أن هؤلاء لهم ملفات فساد مع الشركة، خاصةً أن الشركة أكدت قبل نحو عام تقريباً أنها أعطت مجلس المحافظة أموالاً لترميم عدد من المدارس، من بينها المدرسة التي أديرها، إلا أن ذلك لم يحصل وعندما سألنا المجلس قالوا إنهم لم يحصلوا على أيّة أموال من الشركة. وفي النهاية لا نعرف إذا أعطيت أموال أو أين ذهبت".

ملايين الدولارات تبخّرت

وأفاد الخبير في الشؤون النفطية منير فهمي رصيف22، بأن "أول ما يتبادر إلى الذهن عند الحديث عن الدور الذي يجب أن تلعبه الشركات للمساهمة بترقية المجتمعات المحلية في مناطق عملها، هو الارتقاء بالواقع التعليمي والصحي. وعند مراجعة عقود التراخيص نجد أن بعض فقراتها نصت على تخصيص 5 ملايين دولار سنوياً كمنافع اجتماعية للمدن والقرى القريبة على الحقول النفطية. ومنذ بدء العمل في تلك الحقول كان يجب أن تُصرف مبالغ كبيرة، لكن ما نشاهده اليوم لا يعطي انطباعاً بأن تلك المبالغ تم صرفها بشكل صحيح".

حمّل فهمي وزارة النفط ومجالس المحافظات مسؤولية تراجع تقديم الخدمات للأهالي. وأكّد أن الشركات لم تقدّم خدمات في أكثر من 145 مدينة وقرية قريبة من الحقول النفطية المستثمرة.

مشكلات عوضاً عن الخدمات

وأكّد الخبير في الشؤون النفطية حمزة الجواهري، أن "الشركات تسببت بمشاكل جمّة للأهالي. إذ سُجّلت إصابة عدد لا يستهان به من السكان بأمراض جلدية وسرطانية وحالات حساسية وربو نتيجة تلوث الجو بسبب الدخان الناتج من حرق الغازات المصاحبة لاستخراج النفط".

وتابع: "قرب الآبار النفطية من المناطق السكنية والزراعية أثّر سلباً على بيئة السكان بسبب الغازات المنبعثة من العمليات البترولية، وأثّر كذلك على البيئة الزراعية في بعض المناطق، وهذا ما أدى إلى معاناة عدد من المزارعين والرعاة بسبب تصحر بعض المناطق الزراعية والنقص في أماكن الرعي وفي كميات العلف الحيواني، ونفوق الأسماك في بعض المزارع والأحواض المائية بسبب التسمم الناتج من الترسبات الهيدروكربونية".

وأضاف: "الشركات تسببت بتهجير سكّان بعض القرى لقربها من مقار الشركات كما مُنع الأهالي من بناء أيّة منشآت أو دور سكنية ضمن منطقة محرمة تبعد 180 متراً عن يمين مسار خط الأنبوب و180 متراً عن يساره، هذا إضافة إلى اقتلاع الأشجار المعمّرة والمثمرة من منطقة مسار الأنبوب دون صرف تعويضات عن قيمة الأراضي".

وأشار الجواهري إلى أن هنالك تلوثاً بيئياً إضافياً نتيجة الطمر الصحي وعمليات حرق نفايات مخلفات الشركات، وهنالك أيضاً حوادث طرق تتسبّب بها شاحنات الشركات، ناهيك بإضرار حركة الآليات الكبيرة بالشوارع الفرعية.

ولفت إلى عدم مراعاة الشركات الإنصاف في عملية التوظيف، فقد اعتمدت على عمالة أجنبية من السودان ومصر وبنغلادش دون الاعتماد على الأيدي العاملة المحلية من أبناء المدن القريبة.

هل تُراجَع العقود؟

معروف أن وزارة النفط قررت أن تعيد التفكير في جولات التراخيص الثلاث التي عُقدت منذ عام 2008. فقد أكد وكيل الوزارة لشؤون التصفية والغاز "فياض حسن نعمة" أن الوزارة تعمل حالياً على مراجعة العقود السابقة تمهيداً لإعادة صوغها من أجل إعطاء مزيد من المرونة والتسهيلات للشركات للعمل في القطاع الاستكشافي، فضلاً عن متابعة عملها في الإنتاج والاهتمام بالمنافع الاجتماعية المقدمة للمواطنين.

وأضاف نعمة إلى أن لدى الوزارة لجاناً تخصصية تتابع عمل الشركات النفطية العالمية المستثمرة، بما فيها النشاطات الاجتماعية، وأن هنالك فقرات في عقود التراخيص تنص على تقديم خدمات اجتماعية، مبيناً أن شركة بتروناس منذ عملها في حقل الغراف حتى الآن صرفت نحو 17 مليون دولار منافع اجتماعية للمواطنين.

وختم بأن لدى الشركات خططاً سنوية بالتعاون مع مجالس المحافظات ومنظمات المجتمع المدني هدفها تقييم الوضع الإنساني للأهالي وتنفيذ مشاريع مختلفة. لكنه رأى أن ما نُفّذ حتى الآن لا يلبّي الطموح "لكن نحن كوزارة نتابع عملهم ونحثهم بين الفترة والأخرى على ضرورة تقديم الأفضل".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard