مساحة "التوفيق" على طريقة عوز
مواقفه العديدة، التي تراوحت بين انتقاد إسرائيل و"حبها الشديد" وبين الدفاع عن الفلسطينيين ومعاداتهم في آن، جعلته عُرضة للهجوم من الجانب الإسرائيلي الذي انتقده مراراً لـ"تخطّيه الحدود"، وفي الوقت نفسه مثار جدل لدى الجانب المعادي لإسرائيل. في هذا الجانب، ثمة من رأى لديه جرأة نقدية في مواجهته لإسرائيل لجهة طرح حل الدولتين ورفض الاستيطان، في مقابل تحذير آخرين من طروحاته التي اعتبروها بمثابة تمييع لحقائق تساوي بين الضحية والجلاد، كحال جمع عوس بين حبه لإسرائيل ومعاداته للاحتلال وتأييده لقصف غزة... في أحد حواراته، كان عوز قد تحدّث عن تأثير تجربته في "الكيبوتز" على شخصيته، وشدّد على الفرق بين عقلية مَن قطنوا فيها وبين المستوطنين الذي يسعون لسلب أراضي الضفة الغربية ويحظون بتمثيل أكبر من حجمهم في السياسة الإسرائيلية.
منذ "قصة حول الحبّ والظلام" التي أرادها أن سيرة ذاتيّة عام 2002، لم يتوقف عوز عن إثارة الجدل في محطات عديدة... هنا سيرة للأديب ومواقفه الجدليّة بعد إعلان وفاته عن عمر يناهز الـ 79 عاماً
لطالما لعب عوز في مساحة وسطية شديدة الذكاء، وأسهمت اتهاماته بـ"الخائن السافل"، مذ وجد تلك العبارة على جدران منزل والديه في سن المراهقة، في جعله أكثر قبولاً في أوروبا والعالم العربي، لا بل في وصفه بـ"المتمرّد" والترحيب به
اتهامات "الخيانة" و"حكاية الحبّ والظلام"
لطالما ووجه عوز، الذي عُرف بتوجهاته اليسارية، بتهم من المتشددين في إسرائيل كان أبرزها اتهامه بـ"الخيانة"، وهي ما كان يردّ الأديب الإسرائيلي عليها دائماً بأنها "أوسمة على صدره".ثمة من رأى لديه جرأة نقدية في مواجهته لإسرائيل لجهة طرح حل الدولتين ورفض الاستيطان، في مقابل تحذير آخرين من طروحاته التي اعتبروها بمثابة تمييع لحقائق تساوي بين الضحيّة والجلّادمع ذلك، نعاه الرئيس الإسرائيلي روفن ريفلين قائلاً إن "قصة من الحب والضوء والظلام الآن. حزن كبير ينزل علينا مع السبت القادم. كان أعجوبة أدبية، خالق رائع، وروح هائلة. ارقد في سلام عزيز عاموس كنت تعني العالم لنا". بدوره، قال رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إن عوز كان من "أكبر الأدباء في تاريخ إسرائيل… ورغم أن مواقفنا متناقضة حول العديد من المسائل، لكنني أقدّر مشاركته في تاريخ اللغة العبرية والأدب العبري". يُذكر أن سيرته الذاتية، "حكاية الحب والظلام"، كانت تحولت إلى فيلم سينمائي عام 2015، أخرجته الممثلة ناتالي بورتمان. كما حاز عوز، الذي امتهن الصحافة في مراحل من حياته كما كان يُدرّس الأدب في جامعة بن غوريون في بئر السبع، عدداً من الجوائز، وبقي مرشحاً لفترة طويلة لنيل جائزة نوبل للأدب.

حين برّأ عوز يهوذا من دم المسيح
على الرغم من نشأته في منزل لاديني، عبّر عوز مراراً عن افتتانه بالدين، وقال في مقابلة مع "الغارديان"، إثر نشر كتابه "يهوذا"، إنه بدأ دراسة العهد الجديد في سن المراهقة. وعلّق: "كنت أعلم أنه إذا لم أقرأ الأناجيل، فلن أتمكن من الوصول إلى فنون عصر النهضة أو كتب دوستويفسكي أو موسيقى باخ. وعليه، في المساء عندما يخرج الصبيان للتسلية، وأصبح وحيداً، كنت أنكب سراً على قراءتها... ولقد وجدت راحتي مع المسيح". وكانت "يهوذا" قد أثارت نقاشاً حاداً في الأوساط الثقافية، لا سيما الإسرائيلية، حيث استعرض عاموس "حبه العميق لواحد من أعظم اليهود في التاريخ: يسوع المسيح". بالنسبة لعوز المسيح هو "اليهودي" الذي ساعده خلال سنوات عيشه في الكيبوتز، وسحره بـ"شعره وحس فكاهته ورحمته وعطفه وبساطته". وأثارت طريقة احتفائه بالمسيح فيها صدمة كبيرة، ليس فقط لأنه يهودي إسرائيلي، بل لأنه حارب - وبشدة - في كتاباته دور الاضطهاد المسيحي في دفع اليهودي للبحث عن وطن له. لكن الأبرز في الرواية لم يكن احتفاؤه بالمسيح، بل محاولته تحرير "التلميذ الخائن"، يهوذا، من المسؤولية باعتباره لم يخن المسيح، بل كان "رجلاً أعماه الإيمان وقضمه اليأس، ففعل ما فعله تحت تأثير العشق وإيماناً منه بالمعجزة". عبّر عوز عن "غضبه" من الروايات المتداولة عن يهوذا، رافضاً أن يكون الأخير قد قبض مالاً لقاء الخيانة، أو أن تكون قبلته للمسيح دليل خيانة. وفي ذلك حمّل عوز الرواية المسيحية المعتمدة عن يهوذا مسؤولية "أنهار من الدماء سُفكت، وأجيال كثيرة تربت على الحقد والكراهية، وصولاً إلى محاكم التفتيش والمجازر وربما الهولوكوست"."خائن سافل"، "متمرّد"... و"خطير"
في روايته الشهيرة "قصة عن الحب والظلام"، روى عوز طفولته في فلسطين وخصوصاً قصة أمه التي وصلت إليها هرباً من الإبادة، وظلّ الرعب يسكنها إلى أن وضعت حداً لحياتها وهي في الـ38 من العمر. وفي الرواية، حين قال إنه "قتل" والده بعد انتحار والدته، فغيّر اسمه من كلاوزنر إلى عوز … بدا كمن يقدّم الأسطورة الصهيونيّة لنشوء إسرائيل في قالب مثالي حميمي منزّه. لكن هذه هي الخطورة، بحسب منتقديه. لطالما لعب عوز في مساحة وسطية شديدة الذكاء، وأسهمت اتهاماته بـ"الخائن السافل"، مذ قال إنه وجد تلك العبارة على جدران منزل والديه وهو في سن المراهقة بسبب آرائه "الطفولية" آنذاك غير المتماشية مع خطاب الاحتلال السائد، في جعله أكثر قبولاً في أوروبا والعالم العربي، لا بل في وصفه بـ"المتمرّد" والترحيب به. في المقابل، كان هناك من يرى أن عوز يصنع شخصياته بدقة متناهية ثم يحرّرها لتتكلم وتتحرك بشكل مستقل، وهنا يصبح كمجرّد رسول ينقل كلام الشخصيات، وأن كتاباته تقوم على جمالية كبيرة يصفها المنتقدون له بالخبيثة لأنها تُغيّب الذاكرة الفلسطينية. هكذا، حذروا من ذكائه الأدبي الذي حوّل مطالباته بدولة للفلسطينيين إلى أشبه بـ"منّة" منه وليست حقاً لهم.رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
انضم/ي إلى المناقشة
مستخدم مجهول -
منذ يوملا اتفق بتاااتا مع المقال لعدم انصافه اتجاه ا المراه العربية و تم اظهارها بصورة ظلم لها...
mahmoud fahmy -
منذ 3 أياممادة قوية، والأسلوب ممتاز
Apple User -
منذ 6 أيامهل هناك مواقف كهذه لعلي بن ابي طالب ؟
Assad Abdo -
منذ أسبوعشخصية جدلية
جيسيكا ملو فالنتاين -
منذ أسبوعأن تسخر التكنولوجيا من أجل الإنسان وأن نحمل اللغة العربية معنا في سفرنا نحو المستقبل هدفان...
جيسيكا ملو فالنتاين -
منذ أسبوعلم تسميها "أعمالا عدائية" وهي كانت حربا؟