
ارتداد الفكر اليساريّ يغذي التطرّف
يساريّة علواش واضحةٌ في كلِّ أفلامِه، حيث تسكن كلَّ تفاصيل الفيلم وزواياه، يُنادي بها وفي الكثير من الأحيان إلى حدِّ المغالاة، بقصدٍ وبغيرِ قصد، ونيّتُه واضحةٌ طبعًا، هي خدمة الفكر اليساريّ، وما ينتجه هذا المفهومُ ويؤمن به من عدالةٍ اجتماعية، وتكافؤٍ للفرَص، وفصل الدّين عن الدولة، وغيرِها من هذه الأفكار، وقد غلبتْ على معظمِ أفلام علواش فكرةُ التطرّق إلى التطرّف الدينيّ ونتائجِه، ومن بين الأفلام التي تطرّقت إلى هذه النقطة مثلًا: "باب الواد سيتي"1994، "العالم الآخر"2001، "التائب" 2012، "تحقيق في الجنّة" 2017، وغيرها من الأفلام التي شكّل فيها الدّينُ موضوعًا أساسيًّا، أو تشكّل حضورُه بشكلٍ ثانويّ، كإشارة أو دلالة، وطبعًا كانت غايةُ مرزاق المُثلى هي خدمة قيَمِه العليا، ورؤاه، ومرجعيّاتِه الثقافيّة، لكنّ بعضَ المعالجات الخاطئة تُبطل مفعولَ هذه الأهداف، وترتدّ إلى الجهةِ الأخرى، وتتحوّل إلى خدمةِ أجندةِ التطرّف بغيرِ قصد، حتى وإن كانت النيّةُ والهدفُ عكسَ ذلك تمامًا. يقول علواش في أحدِ حواراتِه الصحفيّة عن تجاربِه بشكلٍ عام: "من خلالِ أفلامي، أستشعر واجبَ الالتزام، مثل أيِّ مواطنٍ عاديّ، أؤدّي دوريَ كملاحظٍ للرّاهن، أتلقّى دوريًّا عروضًا لتصويرِ أفلامٍ في فرنسا، لأحكيَ عن فرنسا، لكنّ الجزائرَ وحدها من يشغل بالي، وحدَها من أريد أن أصوّرها، وأن أحكي عنها"، ولكنّه لم يعد يملك العينَ الثاقبةَ التي يمكن من خلالِها تفتيتُ هذا الرّاهن، كما أنّه لم يعد يملك الأدواتِ المناسبةَ التي تمكّنه من أن يحكيَ عن الجزائر كما ينبغي، وأن يحكي بشروطٍ سينمائيّة وبعناصرَ فنيّة، وهذا ما فقدَه في فيلم "ريح ربّاني" الذي قدّم خدمةً أيديولوجيّة للتطرّف، وأظهر بأنّ اليسارَ يتحامل دائمًا على الدّين، ويحاول التجنّي عليه، من خلال مواقفَ مسبقةٍ ومدروسة. وقد جاءت هذه النتائجُ لأنّ المخرجَ مرزاق علواش، وهو من كتب السيناريو، قدّم لهم هدايا متعدّدة يمكن من خلالِها إقناعُ المتلقّي بسهولةٍ بهذه المعطَيات، والسبب يكمن في السيناريو المفكَّك، والحوار الذي لا يلامس الفئةَ التي عالَجها وشخّصَها في الفيلم.
حزام الحبّ الناسف
تدور قصة الفيلم في أحد القرى الصّحراوية الجزائريّة، حيث يتمّ تكليفُ "أمين" (قام بالدور محمد أوغليس) و"نور" (سارة ليساك) المنخرطَين في أحدِ التنظيمات المسلّحة، للقيام بعملٍ إرهابيٍّ على أحدِ مصانعِ البترول، وذلك عن طريقِ عمليةٍ انتحاريةٍ ثنائيّة بواسطةِ حزامٍ ناسف، ولكن يجري الأمرُ على عكسِ ذلك تمامًا، حيث يتمّ التعارفُ بينهما، ويتواصلان جسديًّا أكثر من مرّة، ما خلّف في الشابِّ أمين اليائسِ من الوقوع في الحبِّ أثرًا نفسيًّا جعله يتردّد في عمليةِ الانتحار بتفجيرِ الحزامِ الناسف، وهو الخيار الذي رفضتْه الشابّة نور، ليقعَ بينَهما جدالٌ، فيتمّ تفجيرُ الحزامِ بعيدًا عن المعمل.هل ركن علواش في برجِه العاجي ونسي خيوطَ القاع وتفاصيله؟ ولماذا لم يعد صاحب "عمر قتلاتو" قادرًا على إدهاش الآخر سينمائيًّا؟
نرى خياراتِ الشابِّ الروتينيّة اليوميّة يعكسها الوضوءُ والصلاة وقراءةُ القرآن، ومن هنا ينحت صورةً على أنّ كلَّ من يقومون بهذه التصرّفاتِ هم متطرّفون بالضّرورة.
جمود الشخصيّة والانفعال الواحد
وقد جاء بناءُ الشخصيّاتِ جامدًا لا يتغيّر، خصوصًا في أداءِ الممثّلة سارة ليساك، التي حافظتْ على انفعالٍ واحدٍ تقريبًا في كلِّ الفيلم، وهي المرأةُ الغاضبة، الجامدة، القاسية؛ حتّى أنّ العديدَ من مشاهدِها جاءت غيرَ مقنِعةٍ تمامًا، فاقدةَ الإحساس بالمشاهدة وكلماتِ الحوار، ما إن نرى ونسمع طريقةَ حوارِها ومخاطبتِها لصاحبةِ البيت أو الشابّ، أو تلاوتَها للقرآن، حتّى نتأكّد بأنّ الإحساسَ بما تقوله لا يعكس انفعالَ معاني الجملةِ أو الكلمة أو سياق الحدث بشكلٍ عام، ومن هنا طفحتْ سطحيةَ الأداء الذي جاء جافًّا وبلا إحساس، على عكسِ أدائِها الجميلِ الذي قدّمتْه في فيلمِ "في عُمري هذا، مازلتُ أختبئ كيْ أدخّن" للمخرجةِ الجزائريّة ريحانة. الفيلم إنتاجٌ جزائريّ/فرنسيّ/لبنانيّ مشترك، من بطولةِ سارة ليساك، محمّد أوغليس، حسّان بن زراري، مسعودة بوخيرَة. وقد قدّم عرضَه العالميَّ الأوّل بمهرجان تورنتو السينمائيّ الدوليّ، الذي عُقدت دورتُه الـ43 من 06 إلى 16 سبتمبر 2018، ليشاركَ بعدَها في الدورةِ الثانيةِ لمهرجانِ الجونةِ السينمائيّ كأوّلِ عرضٍ في الشّرقِ الأوسطِ وشمالِ إفريقيا.رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
انضم/ي إلى المناقشة
مستخدم مجهول -
منذ 16 ساعةلا اتفق بتاااتا مع المقال لعدم انصافه اتجاه ا المراه العربية و تم اظهارها بصورة ظلم لها...
mahmoud fahmy -
منذ 3 أياممادة قوية، والأسلوب ممتاز
Apple User -
منذ 6 أيامهل هناك مواقف كهذه لعلي بن ابي طالب ؟
Assad Abdo -
منذ أسبوعشخصية جدلية
جيسيكا ملو فالنتاين -
منذ أسبوعأن تسخر التكنولوجيا من أجل الإنسان وأن نحمل اللغة العربية معنا في سفرنا نحو المستقبل هدفان...
جيسيكا ملو فالنتاين -
منذ أسبوعلم تسميها "أعمالا عدائية" وهي كانت حربا؟