"الدفاع المقدّس"... حزب الله يطلق لعبة إلكترونية حربية ثلاثية الأبعاد

الثلاثاء 27 فبراير 201810:59 ص
"الدفاع المقدّس... حماية الوطن والمقدسات". هذا اسم لعبة إلكترونية جديدة أطلقها مؤخراً حزب الله اللبناني، وحمّلها برسائل مبطّنة، إدراكاً منه لأهمية الألعاب الإلكترونية في ما يُسمّى بالحرب النفسية. وهذا الأسلوب ليس جديداً. فقد تناولت دراسات كثيرة منظومات الرسائل العلنية والخفية التي تحملها الألعاب الإلكترونية والنتيجة: هذه الألعاب ليست بريئة بل تهدف، بدرجة أو بأخرى، إلى الترويج لأفكار ومعتقدات صانعيها. ولا شك أن هذا النوع من الألعاب يؤثر على عقلية مستخدميها، خاصة حين تكون مُتقنة من حيث التفاصيل المتعلقة بالصورة والصوت والموسيقى الحماسية. فكل هذه الأمور عناصر تجعل الأفراد ينخرطون في معارك افتراضية، ويتحمسون للبطل ويبذلون جهدا كبيراً للانتصار على خصومه الذين تُحوّلهم اللعبة إلى أشرار.

"محاكاة توثّق مرحلة"؟

في الأيام الأخيرة، أطلق حزب الله لعبة ثلاثية الأبعاد تحمل اسم "الدفاع المقدّس" Holy defense، معرفاً إياها بأنها "حكاية التصدّي للعدوان التكفيري" وواصفاً إياها بأنها "مسيرة الفداء في مواجهة التكفيريين الذين أرادوا تدمير المقدسات وتدنيس تراب الوطن"، وموجهاً رسالة إلى اللاعبين: "شاركوا المقاومين في الدفاع عن الوطن والمقدسات".
تتألف هذه اللعبة التي تحمل شعار "حماية الوطن والمقدسات" من مجموعة مراحل تمزج بين الديني والسياسي والعسكري. ويدّعي صانعوها أنها "محاكاة تهدف إلى توثيق مرحلة من مراحل الدفاع المقدس في وجه المد التكفيري ومواجهة المشروع الأمريكي-الصهيوني". ففي المرحلة الأولى يزور اللاعبون "المقام المقدّس" (مقام السيدة زينب في العاصمة السورية دمشق) ويمكنهم التجوّل في أنحاء باحته "والتفاعل مع العالم الافتراضي ضمن محيط روحاني"، بحسب الموقع الإلكتروني للعبة. ثم تأتي المرحلة الثانية التي تسمّيها اللعبة "مرحلة الدفاع عن المقام"، وخلالها يظهر ما يصفه القائمون عليها بـ"حجم الخطر الذي يتعرّض له المقام الشريف، حيث يتوجب على اللاعب حمايته ومنع وصول الجماعات المسلحة التكفيرية إليه. إنها معركة الدفاع عن المقدسات".
"الدفاع المقدس"... يريد صانعو اللعبة تكريس دعاية حزب الله للمشاركة في الحرب السورية على أنها مشاركة للدفاع عن المقدسات الشيعية
العمل على تصميمها استغرق عاماً... مشاركة جديدة لحزب الله في الحرب السورية من خلال لعبة إلكترونية تحمل اسم "الدفاع المقدّس"
وهنا، يريد صانعو اللعبة تكريس دعاية حزب الله للمشاركة في الحرب السورية على أنها مشاركة للدفاع عن المقدسات الشيعية ومقام السيدة زينب، في مسعى لنفي كونها عملية عسكرية لحماية النظام السوري المتحالف مع طهران، مع أن بدايات الأخبار عن مشاركة حزب الله في المعارك الدائرة على الأرض السورية تحدثت عن مشاركته في جبهات مختلفة بعضها بعيد عن هذا المقام.

"مرحلة الحجيرة"

ثم تأتي المرحلة الثالثة، وتسمّيها اللعبة "مرحلة الحَجّيرة" وتنقسم إلى مهمتين: "مهمة 1"، وتعرّفها اللعبة بأنها "معركة إزالة خطر مدافع الهاون عن المقام الشريف، حيث ، يقوم إرهابيّو الدواعش بقصف مقام السيدة زينب (ع) بواسطة مدافع الهاون، وذلك انطلاقاً من البساتين القريبة من منطقة حُجّيرة"؛ و"مهمة 2"، وتقول اللعبة إنها تأتي في إطار استكمال العملية العسكرية في منطقة حجّيرة، فـ"يتابع اللاعب المعركة، حيث تكون المهمة تطهير مقر قيادة الدواعش وتحقيق السيطرة الكاملة على المنطقة وذلك بهدف إبعاد المسلّحين الإرهابيين عن المحيط الجغرافي لمنطقة المقام الشّريف". و"الحجيرة" ليس اسماً وهمياً بل هو اسم قرية سورية تتبع لمحافظة ريف دمشق، تشكّل مدخل بلدة السيدة زينب من جهة الطريق الذي يصلها بمركز العاصمة السورية. وفي نوفمبر 2013، خاض الجيش السوري معارك طاحنة ضد المسلحين المعارضين الذين يسيطرون على البلدة وأخرجهم منها، مؤمّناً منطقة السيدة زينب. وحينذاك، تحدّث الإعلام الموالي لحزب الله عن أن "جزءاً لا بأس به منهم (من المسلحين) ينتمي إلى جبهة النصرة"، ولم يتحدث أحد عن كونهم ينتمون إلى تنظيم داعش. طبعاً، لا تتحدث اللعبة عن "مجزرة حجيرة" التي وقعت في 18 يوليو 2012 وأودت بحياة نحو 200 شخص كانوا يشاركون في تشييع ووقع انفجار ضخم بينهم رجّحت معلومات أن يكون ناجماً عن قصف جوي، ولا يتحدث عن تهجير أبناء القرية بعد هذه المجزرة بسبب الخوف ولا عن توطين أسر المقاتلين الشيعة الموالين للنظام السوري فيها بعد إعادة السيطرة عليها. كل هذا يُمحى وتأتي مكانه عبارة: "إبعاد المسلحين الإرهابيين عن المقام".

عودة إلى القصير

بعد "مرحلة الحجيرة" ينتقل اللاعب إلى "مرحلة القصير" التي تنقسم بدورها إلى مهمتين: "مهمة 1" التي يقوم خلالها اللاعب بـ"تحرير الرهائن المدنيين المحتجزين لدى القوى التكفيرية... قبل بدء الهجوم والسيطرة الكاملة على مدينة القُصير"؛ و"مهمة 2" التي يتابع فيها اللاعب الهجوم للسيطرة على كامل المدينة "انطلاقاً من ضرورة إبعاد الخطر الإرهابي الداعشي عن القُرى اللبنانية". ومعركة القصير هي معركة خاضتها قوات النظام السوري وقوات حزب الله ضد فصائل معارضة سورية كانت تسيطر على مدينة القصير، لتحقيق هدف استراتيجي هو ربط ريف حمص بريف دمشق، وتمكنت في النهاية من السيطرة على المدينة بعد تدميرها. ودارت المعركة في مايو ويونيو 2013، قبل ظهور تنظيم داعش، وكان من ضمن نتائجها سقوط مئات القتلى والجرحى المدنيين وانتقال مجموعات كبيرة من المسلحين إلى مناطق قريبة من الحدود اللبنانية وتحوّل قسم كبير منهم لاحقاً إلى تأييد تنظيم داعش.

من الهنداوي إلى رأس بعلبك

ثم تأتي "مرحلة عملية الهنداوي"، وفيها "تطلب قيادة المقاومة من اللاعب تنفيذ عملية أمنية تهدف إلى القضاء على المدعو عبد السلام عبد الرزّاق الهنداوي الملقّب بـ’أبو عبدو’ وهو أحد أهمّ المنسّقين في داعش، وهو يعمل على نقل الإرهابيين الانتحاريين إلى المناطق اللبنانية". وفي أواخر نوفمبر، أعلن إعلام حزب الله مقتل الهنداوي الذي وصفه بأنه "المسؤول عن نقل الانتحاريين في تفجيري برج البراجنة الإرهابيين في ضاحية بيروت الجنوبية"، في عملية نفّذها جهاز الأمن السوري وحزب الله داخل الأراضي السورية. أما المرحلة الأخيرة فهي "مرحلة رأس بعلبك"، وفيها يجري "صدّ هجوم القوى التكفيرية على منطقة رأس بعلبك اللبنانية. إنها معركة الدفاع عن الوطن". ومعركة رأس بعلبك هي معركة وقعت في أغسطس 2017، وبنتيجتها انسحب عناصر من تنظيم داعش من مناطق قريبة من الحدود اللبنانية في باصات مكيفة نقلتهم إلى شرق سوريا، باتفاق مع حزب الله والجيش السوري. وبالتأكيد لن تكون آخر نقطة في اللعبة دخول عناصر داعش إلى الباصات. رسائل مبطنة تندرج لعبة "الدفاع المقدّس"، التي تعمل على "ويندوز" 7، 8 و10 ويوزّعها "دار المنار للإنتاج الفني والتوزيع" بسعر خمسة دولارات، في خانة ما يوصف بالحرب الناعمة. ويقول موقع اللعبة عنها: "هي أداة مواجهة للثقافة المتوحشة التي تغزو أسواقنا عبر الألعاب المجردة من الحس والانتماء". ويروي شخص من العاملين على برمجتها، اختار اسم "أبو الفضل" للتعريف عن نفسه، لرصيف22 أن العمل على تصميم هذه اللعبة استغرق نحو عام كامل، وروى أن "فريق العمل كان حريصاً على الانتباه لأدق التفاصيل المتعلقة بالتقنيات الحديثة، وهو ما يظهر بشكل واضح من خلال الصور والرسومات عالية الجودة". وبرغم عدم تطرّق اللعبة إلى معارك حزب الله في مواجهة إسرائيل، إلا أن "أبو الفضل"، يصفها بأنها "حكاية التصدي للعدوان الإسرائيلي".
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard