مسلمون بين "العبيد"
هنالك الكثير من الإشارات التي تدل على أن الدين الإسلامي دخل القارة الأمريكية منذ فترة مبكرة. فبحسب ما أورده جيرالد ديركس في كتابه "المسلمون في أمريكا: إرث منسي"، يعود وصول المسلمين إلى العالم الجديد إلى فترة ازدهار الدولة الإسلامية في الأندلس في القرن التاسع. وبُعيد وصول الاستكشافات الأوروبية إلى الأمريكتين في القرن السادس عشر، ثم تهافت البيض الأوروبيين إلى البلاد الجديدة في ما بعد، بدأ المستعمرون البيض في اقتياد جماعات واسعة من الإفريقيين السود من منطقة غرب إفريقيا، واسترقاقهم للعمل في استصلاح الأراضي والمزارع. ويذكر المؤرخ كامبيز غانياباسيري في كتابه "تاريخ الإسلام في أمريكا... من العالم الجديد إلى النظام العالمي الجديد"، أن نحو ثلاثة ملايين إفريقي اقتيدوا قسراً إلى الأمريكتين. في تلك الفترة التاريخية المهمة، بدأ التواجد الإسلامي عملياً في أميركا، وذلك لأن الكثيرين من الإفريقيين السود كانوا يعتنقون الديانة الإسلامية في موطنهم الأول. ورغم عدم وجود تحديد دقيق لنسبة المسلمين من بينهم، يذهب البعض إلى القول إن عدّة آلاف من المسلمين أُحضروا إلى أمريكا، فيما يقول آخرون إن العدد أقل من ذلك، ويقدّر أحد المؤرخين نسبتهم بـ30%من إجمالي الأفارقة الذين اقتيدوا إلى الأرض الجديدة، كما يذكر جورج هـ. جون في كتابه المترجم إلى العربية بعنوان "ليست النصرانية ولا الوثنية... الإسلام ينتشر في أوساط العبيد الأفارقة في الأمريكتين". ويرجّح غانياباسيري في كتابه المذكور أن نوعاً من التحول في الهوية أصاب الأرقاء المسلمين عقب وصولهم إلى العالم الجديد. ويفسر ذلك بإصرار السادة البيض وقتها على سلب المستعبَدين أية هوية تميّزهم وقد تعيق انتظامهم في حياتهم الجديدة التي يقتصر دورهم فيها على العمل كـ"عبيد" وخدم ليس إلا. ولذلك، لم يكن من الغريب أنه ومع حلول نهايات القرن التاسع عشر، نجد أن أحفاد المسلمين الأفارقة المستعبدين كانوا قد فقدوا كل اتصال لهم بالإسلام، كما فقدوا اتصالهم وارتباطهم بجذورهم في بلادهم الأصلية.إسلام المهمّشين
في بداية القرن العشرين، وقع تحوّل كيفي مهم، بسبب تأثيرات الهجرات البشرية الكثيفة التي قدمت إلى أمريكا من جنوب ووسط آسيا والشرق الأوسط وشرق أوروبا، وكلها مناطق جغرافية تحتشد فيها المؤثرات الإسلامية. وراح الإسلام يلعب دوراً في أوساط بعض فئات الأمريكيين الأفارقة المهمشين اجتماعياً. ونستطيع تحديد الفترة الواقعة بين ثلاثينيات وسبعينيات القرن العشرين كفترة زخم دعوي إسلامي في أوساط الأمريكيين الأفارقة، وهو الأمر الذي بدأ في التراجع بشكل تدريجي في ما بعد لأسباب متعددة، منها تصاعد العمليات الإرهابية التي ينفّذها مسلمون متطرفون من جهة، ومنها قوة حركة الحقوق المدنية غير المسلمة بين أصحاب البشرة السمراء.في 21 فبراير 1965، اغتيل مالكوم أكس على يد مجموعة من أعضاء أمة الإسلام. فما هي قصته وقصة هذه المنظمة وقصة علاقة الأمريكيين الأفارقة بالإسلام؟
كثيرون من الأفارقة السود الذين اقتيدوا إلى الولايات المتحدة واستُعبدوا كانوا يعتنقون الديانة الإسلامية في موطنهم الأول، ولكن...

منظمة أمة الإسلام... بداية راديكالية
لعل من أفضل السبل لدراسة ماضي وواقع الأمريكيين الأفارقة، هو الرجوع إلى واحدة من أهم المنظمات الإسلامية الأمريكية، "أمة الإسلام"Nation of Islam. نستطيع أن نلاحظ ثلاث مراحل مفصلية في طريق تطور تلك المنظمة، ويمكن عن طريق دراستها تشخيص واقع المسلمين الأفارقة في أمريكا منذ بدايات القرن العشرين وحتى الوقت الراهن. بحسب ما ورد في كتاب أشهر الفرق الأمريكية المعاصرة المنتسبة إلى الإسلام وأثرها العقدي، للباحث فهد السنيدي، تضعنا بداية الحراك الإسلامي بين الأمريكيين الأفارقة أمام شخصية نوبل درو علي. ولد تيموثي درو في ولاية نورث كارولاينا عام 1886، وبدأ حياته كعبد عند بعض الملاك البيض، وفي سن العشرين هرب إلى الشمال الأمريكي المعادي للعبودية، وبعد استقراره في نيويورك اعتنق الإسلام متأثراً بما سمعه عنه من بعض المهاجرين الآسيويين. وعام 1913، أسس درو جماعة معبد المورية، الذي اشتق اسمه من اسم المور وهو لقب كان يُطلق على البربر والمغاربة. ولا تتوافر معلومات دقيقة كثيرة عن حجم انتشار تلك الجماعة في المجتمع الأمريكي حينذاك. وعام 1925، أسس درو معبده الأكبر في مدينة شيكاغو، وأدخل بعض التعديلات على العقيدة الإسلامية، ويذكر فهد السنيدي بعضها مثل تسميته لنفسه بالنبي، وربطه للشيطان بالرجل الأبيض.

مالكوم أكس... إصلاح الحركة



الاستقرار والسكون
بعد اغتيال مالكوم أكس، ترك جماعة أمة الإسلام الكثيرون من المنسبين إليها، واتجهوا للانخراط في الجماعة السنية التي أسسها مالكوم قبل وفاته، بينما بقي أمر أمة الإسلام بيد إليجا محمد حتى وفاته هو الآخر عام 1975، ليخلفه في قيادتها ابنه والاس الذي تسمّى بمحمد وارث الدين محمد. ويذكر فهد السنيدي أن وارث الدين متأثر بمنهج مالكوم أكس، وعمل على إعادة الحركة إلى الخط الإسلامي، فغيّر اسم جماعته إلى البلاليين، تيمناً بالصحابي بلال بن رباح، كما غير اسم المعابد إلى المساجد، وجعل لقب الإمام يحل محل رئيس المعبد. دفعت تلك الاصلاحات التي قام بها وارث الدين بعض أنصار المنهج القديم إلى الانشقاق تحت قيادة لويس فرخان محمد، الذي احتفظ لجماعته باسم أمة الإسلام. حدد فرخان محمد، الذي ينظر إليه أتباعه على أنه نبي ولا يزال يؤمن بأن والاس فرد محمد هو المهدي المنتظر الذي أعاد الإسلام إلى أمريكا، أهم أهداف منظمته في المساواة بين الأمريكيين وقبول الإسلام، والتصدي لمواقف اليمين المسيحي التي تناصب المسلمين في الشرق الأوسط العداء وتناصر إسرائيل، حسبما يرى. وعمل زعيم أمة الإسلام، الذي يدير منظمته من مقرها الرئيسي في شيكاغو، على المشاركة في الحراك الاجتماعي والسياسي الدائر في الولايات المتحدة، والذي كانت أبرز صوره تظاهرة المليون شخص التي دعا إليها عام 1995 واستطاعت أن تنال قدراً كبيراً من الاهتمام الاعلامي وقتها، بعد أن شارك فيها ما بين 400 و800 ألف شخص، بحسب بعض التقديرات. حالياً، يبلغ عدد المسلمين الأمريكيين من أصحاب البشرة السمراء المولودين في الولايات المتحدة نحو 450 ألف شخص، ليسوا كلهم من أحفاد "العبيد" فبعضهم وصل إلى البلاد لاحقاً. ويبلغ عدد أعضاء أمة الإسلام أو المتعاطفين معها ما بين 25 إلى 100 ألف شخص.رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
انضم/ي إلى المناقشة
مستخدم مجهول -
منذ يوملا اتفق بتاااتا مع المقال لعدم انصافه اتجاه ا المراه العربية و تم اظهارها بصورة ظلم لها...
mahmoud fahmy -
منذ 3 أياممادة قوية، والأسلوب ممتاز
Apple User -
منذ 6 أيامهل هناك مواقف كهذه لعلي بن ابي طالب ؟
Assad Abdo -
منذ أسبوعشخصية جدلية
جيسيكا ملو فالنتاين -
منذ أسبوعأن تسخر التكنولوجيا من أجل الإنسان وأن نحمل اللغة العربية معنا في سفرنا نحو المستقبل هدفان...
جيسيكا ملو فالنتاين -
منذ أسبوعلم تسميها "أعمالا عدائية" وهي كانت حربا؟