هل نقيس "درجة ذوق الشخص وأناقته النفسية" بمذاق قهوته؟ هذا ما تؤمن به مقاهي القهوة المتخصصة

الجمعة 16 فبراير 201806:08 م
احتساء فنجان القهوة في الصباح هو من أبسط ملذّات الحياة، حتى أنّ الشاعر الفلسطيني محمود درويش قال "أريد رائحة القهوة. أريد خمس دقائق..أريد هدنة لمدة خمسة دقائق من أجل القهوة… لمن أدمنها مثلي هي مفتاح النهار". ترتبط بالقهوة بمعانٍ اجتماعية وشخصية وثقافية كثيرة تجعلها رمزاً أساسياً، خاصة في عصرنا هذا حيث يجتاح النظام الرأسمالي والعلامات الاستهلاكية جميع نواحي الحياة والمماراسات اليومية؛ فمن منّا لم يرَ كوب ستاربكس Starbucks أو كوستا كوفي Costa Coffee في أيدي المارة والمتجولين في المدينة؟ إنّ ظهور القهوة "الماركة" متعلق بشكل وثيق بالمقهى الذي أصبح ظاهرة عالمية مألوفة في كافة المدن، حيث ينتظر الزبائن طلباتهم في صفّ طويل، أو يجلسون على الطاولات خلف كتبهم وشاشات الكمبيوترات الخاصة بهم، يحتسون كوباً من القهوة الأمريكية أو إحدى اختراعات موضة الموسم. إنّ المقهى ليس بالظاهرة الجديدة بل هو مؤسسة موجودة منذ حوالي 500 سنة، ظهرت في العصر العثماني في منطقة الشرق الأوسط، بداية، كملتقى وساحة نقاش حرّة، بعيدة عن عين الدولة الساهرة. ولكن مفهوم المقهى قد تغير عبر السنين، وبالأخص مع صعود ظواهر ثقافية واجتماعية كالعولمة التي جعلت العالم، ولو بشكل سطحي، أكثر تواصلاً. أتاح هذا الفضاء الفرصة لظهور مقاهٍ كـ"ستاربكس" (Starbucks) وغيرها من الـfranchises في كافّة الدول. لكننا نرى اليوم تغييراً هاماً في شكل ومضمون هذه المقاهي، حيث أنّنا نتجّه نحو ظاهرة "القهوة المتخصّصة" (specialty coffee) التي باتت تغزو الأسواق العربية والغربية بشكلٍ ملحوظ. via GIPHY

فما هو شكل هذه المقاهي وما أهميّتها في المجتمع؟

تعكس مؤسسات "القهوة المتخصّصة" نموذجاً جديداً ومختلفاً عن المقاهي "المعولمة"، كستاربكس وكوستا كوفي وغيرها، حيث أنّها تعمل على نطاق أصغر، وأكثر محليّة، تديره رجال ونساء أعمال من فئات عمرية شابّة. ولذلك تحاكي هذه المقاهي الشباب وبالأخص بما يعرف بجيل "الألفية" أو millennials في اللّغة الإنجليزية، ممّن تتراوح أعمارهم بين الـ18 والـ34 عاماً. via GIPHY تتمتّع هذه المقاهي بديكور داخلي شبه موحّد، فبإمكانك تمييزهم بسهولة من بين بقية الأمكان. فهي تمزج ما بين ما هو تقليدي وما هو حديث، وجمع هذه العلامات المتناقضة، هو ما يجعلها تبدو وكأنها مفهوم جديد في عالم القهوة والمقاهي. تجد قائمة الطعام والشراب بلغة أجنبية، من النادر أن نرى مؤسسات "القهوة المتخصّصة" تُكتب في اللّغة العربية حتّى عندما تتوجد في مدن عربية. تصف هذه القوائم تضيف للفظة القهوة صفات مثيرة كـ"عضوية" أو "مشجعّة للتجارة العادلة"، مشدّدة على أهميّة القهوة "كطقس اجتماعي" في استراتجية التسويق.
"لكل شخص قهوته الخاصة، الخاصة إلى حدّ أقيس معه درجة ذوق الشخص وأناقته النفسية بمذاق قهوته"
كيف تعتمد المقاهي المتخصصة على "الرأسمال الرمزي" الذي يوحي للمستهلكين بأنهم ينتقلون من طبقة اجتماعية إلى أخرى
عن جيل متذوقي القهوة الشاب، الذي يدعم قيم العدالة الاجتماعية كل يوم، في كل فنجان قهوة يحتسيه!
نضيف إلى ذلك أن تحضير تلك المقاهي للقهوة بطرق عديدة وفي بعض الأحيان غريبة وغير مألوفة للسوق الذي تحاكيه، كاستخدام الـsiphon أو تقنية الـcold brew، يجعل لخصوصيتها جاذبية مضافة. تشكّل أيضاً خدمة الإنترنت (الواي فاي) عنصرا أساسيا من هذه المقاهي، فيراهم الزبائن كأماكن للعمل على الحواسيب الخاصة أو أمكان تساعد على الإبداع والتواصل.

فكيف تؤثر هذه المؤسسات على المجتمع وماذا يعني انتشارها في المدن العربية؟

إنّ تكاثر مؤسسات "القهوة المتخصّصة" ظاهرة تجتاح الشرق والغرب، ومن هنا، ليس من الغريب أن نرى الكثير منها في مدن الشرق الأوسط. إذا أخذنا بيروت كمثال، نستطيع الإشارة إلى عدد لا بأس به من تلك المقاهي المتمركزة بشكل عام في منطقتي الجميزة ومار ميخايل المفعمتين بروح السهر والشباب، بمطاعمهما وباراتهما التي تستهوي الشباب والجالية الأجنبية الموجودة هناك. بحسب الكاتبة كاثرين تاكر، إن شباب "جيل الألفية" مستعدّون لدفع مبالغ عالية للقهوة المتخصصة لأنهم يرون أنّها ذات جودة أعلى، وتأتي من مصادر عادلة ومستدامة. أجرت شركة نيلسن الأمريكية للبحوث تقريراً عام 2015 عن أنظمة الشركات والأسواق المستدامة، ووجدت أن 66% من المستهلكين في العالم مستعدّين لدفع أسعار أغلى من أجل دعم ماركات تتبع أساليباً مستدامة. نضيف إلى ذلك أنّ القهوة المتخصّصة أصبحت بمثابة "سلعة فاخرة" ولكن بسعر معقول، متاحة لجزء كبير من المستهلكين من الطبقتين الوسطى والعليا في المجتمع. تخلق هذه الطريقة من التفكير جيلاً من المستهلكين المقتنعين بأنّهم متذوقون وخبراء قهوة، حيث أنّهم يخلقون طلب لعدد أكبر من مقاهي "القهوة المتخصّصة". هنا مثال من مقهى Sip Cafe من بيروت، والذي يمنح زواره فرصة تحويل شغفهم بالقهوة إلى مساهمة في العدالة الاجتماعية، ومساندة المجتمع.

من يخسر في هذه المعادلة

كما سبق وذكرنا، إن هذه المقاهي متوجهة لجمهور معيّن في العالم العربي، فغالباً ما تحاكي الطبقتين الوسطى والعليا في المجتمع، أي من لهم خلفيات تعليمية خاصة، ويتقنون اللغات الأجنبية، فتخاطبهم قوائم هذه المقاهي بشكل حصري. نضيف إلى ذلك أنّه في بعض الأحيان، تتواجد هذه المقاهي في أحياء مستطبقة (gentrified) حيث تسكن طبقة عليا في حارات فقيرة وتغيّر نسيجهها الاجتماعي، كما يحصل في مناطق مختلفة من بيروت. إذ تحتاج هذه المقاهي إلى ما يسمّيه الفيلسوف والمفكر الفرنسي بيير بورديو "بالرأسمال الرمزي"، الذي يساعد المرء على الصعود من طبقة اجتماعية إلى أخرى. via GIPHY هل ستغزو مقاهي "القهوة المتخصّصة" سوق القهوة في المدن العربية، أم هل سيبقى تأثيرها محدوداً؟ هل ستسبدل الطرق الشعبية لشراء واختبار هذا المشروب بمقاهي "القهوة المتخصّصة" أم هل سينقسم السوق بين الإثنين؟ أم هل سيكون الأمر كما وصفه درويش: "أعرف قهوتي، وقهوة أمي، وقهوة أصدقائي. أعرفها من بعيد وأعرف الفوارق بينها. لا قهوة تشبه قهوة أخرى. ودفاعي عن القهوة هو دفاع عن خصوصية الفارِق. ليس هنالك مذاق اسمه مذاق القهوة، فالقهوة ليستْ مفهوماً وليست مادة واحدة، وليست مطلقاً. لكل شخص قهوته الخاصة، الخاصة إلى حدّ أقيس معه درجة ذوق الشخص وأناقته النفسية بمذاق قهوته." صورة المقال لـThe Liquor Coffee Store في الحمرا ببيروت. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard