قتل وخطف وتشبيح… حرب من نوع آخر تعيشها مناطق سيطرة النظام في سوريا

الأربعاء 28 يونيو 201704:17 م
خرجت الجماعات المسلحة من مدينة حلب قبل نحو ستة أشهر، ولكن هل يعني هذا أن "الدولة السورية" استعادت سيطرتها عليها؟ التفلت الأمني غير المسبوق في حلب يوحي أن المدينة دخلت فعلاً في دوامة جديدة من العنف، تجعل حياة سكانها في خطر دائم، ولكن هذه المرة ليس بفعل القذائف والقصف، بل بفعل سكان محليين قرروا أن سلطتهم تعلو فوق كل القوانين. قبل أيام، استفاق أبناء حلب على خبر جريمة قتل ارتكبها عنصر مسلح موالٍ للدولة السورية، بعد أن أطلق النار على سائق سيارة رفض التوقف له. وفي مساء اليوم نفسه، ألقى عنصر آخر قنبلتين يدويتين على دورية داهمت منزله للقبض عليه بسبب جرائم عدة مسجلة بحقه. هذا غيض من فيض ما تعيشه حلب هذه الأيام. في التاسع من يونيو الماضي، ألمّت فاجعة بلاعبي نادي الاتحاد الكروي الحلبي، أودت بخمسة منهم إلى المستشفى بعد تعرضهم لإطلاق نار وطعن بالسكاكين، إثر ملاسنة مع حلبي "تضايق من أصوات ضحكاتهم خلال زيارتهم لزميلهم"، وفرّ بعد ارتكاب جريمته. وفي الفترة نفسها، قتل الطفل أحمد جبر جاويش، 12 عاماً، على يدي مسلح ينتمي إلى اللجان الشعبية بحسب ما رواه الشارع الحلبي وما بيّنته التحقيقات. واللجان الشعبية هي التسمية التي أطلقت على كل الفصائل الرديفة للجيش السوري في العمل القتالي على امتداد الأراضي السورية، وقوامها الرئيسي مدنيون تطوعوا وفق عقود محددة زمنياً تمنحهم رواتب وامتيازات, مثل بطاقات عسكرية تخولهم حمل السلاح وارتداء الزي العسكري وممارسة سطوتهم الأمنية لو شاءوا. أما عن الطفل القتيل فذنبه أنه ألحّ على المسلح لشراء العلكة منه. غضب الأخير، فأرداه قتيلاً قبل أن يفرّ بسيارته. يقول أبو أحمد، والد الطفل الذي قتل في وسط حلب، في حي الموغامبو تحديداً، لرصيف22 إن قلبه احترق على ابنه الصغير. ويروي تفاصيل الحادثة: "ابني أحمد يبيع العلكة. وقف بالقرب من السيارة وحاول بيع المسكة لسائقها، وكرر عليه الطلب، فما كان من المسلح إلا أن سحب سلاحه وأطلق النار". ويضيف: "كل الناس بتشهد، رفقات ابني اللي كانوا حدو وقت الحادثة حكولي القصة. دار ابني راسو وقوص عليه هداك من ورا"، ويتابع أن الأمن الجنائي قبض على الجاني، وصار الآن في عهدة الجهة المعنية. في النهاية، قد تحل القضية، كما يشرح المحامي فادي عبد الكريم لرصيف22، عبر دفع الدية وهو أمر متعارف عليه في الأوساط المحلية، وبالتالي يسقط الحق الشخصي، فتنخفض العقوبة إلى ثلث مدتها تقريباً، ويرجّح المحامي أن تكون عقوبة هذه الجريمة من 10 إلى 15 عاماً أشغالاً شاقة.

سيارات بلا لوحات

تبرز دائماً إلى الواجهة حوادث سير يستقل مرتكبوها سيارات بدون لوحات، ولعل آخرها دهس سيارة "مفيّمة" وبلا لوحات الطبيبة الأرمنية تالار فوسكيان، وفرار الجاني. قد يبدو الخبر عادياً، فأين الغريب في حادثة دهس وفرار؟ ولكن تكرار هذا السيناريو مرات كثيرة يعني أنه صار ظاهرة. وإذا كانت قوانين السير السورية تمنع سير أية سيارة بدون لوحات وهوية واضحة، فإن الحرب جعلت الأمر منتشراً.

الخزان البشري للحكومة فوق كل القوانين

في مايو الماضي، ألقى الأمن الجنائي في اللاذقية القبض على عصابة مكونة من خمسة أعمارهم تراوح بين 17 و19 سنة، كانوا قد اختطفوا الطفل أحمد كاسوحة، 12 عاماً، من أمام مدرسته وقاموا بابتزاز أهله طلباً للفدية، قبل أن يقتلوه في وقت لاحق. وخلال أيام قصيرة أعلنت الشرطة المحلية في اللاذقية القبض على عصابة أخرى في مزارع قرية سقوبين وتحرير أربعة مختطفين من قبضتهم، فضلاً عن إلقاء القبض على أكثر من خمس عصابات أخرى امتهنت الخطف والسرقة. مصادر في الشرطة تحدثت لرصيف22 عن تسجيل عشرات حالات سرقة سيارات وابتزاز وخطف وقتل، وأوضحت أن أقصى ما يمكن فعله هو المتابعة الدقيقة ونشر الدوريات والحواجز الطيارة في كل الأماكن والعمل على "تفييش" كل المارة والعابرين، بحثاً عن أي متورط، وهم كثر. لا تنتهي القصص في اللاذقية هنا، فانتشار السلاح في الشارع أصبح واضحاً بشدة، وأي شجار داخل المدينة كفيل بجعل السكان يسمعون صوت رصاص وربما إلقاء قنابل، وهو ما حدث غير مرة، ربما آخرها في حي الأمريكان وسط المدينة.
"حرب" الخروج على القانون في مناطق سيطرة النظام السوري وضحاياها المنسيّون
صارت شوارع اللاذقية مسرحاً لـ"التشبيح". انتشار السلاح والبطاقات الأمنية جعل المدينة فوق سقف كل القوانين
يقول علاء وهو صاحب مطعم في حي الزراعة في اللاذقية إن الوضع أصبح لا يطاق، وإنه بسبب "فاتورة" قام زبون يرتدي الزي العسكري برفع السلاح في وجهه داخل المطعم، ويضيف: "لو الله ما ستر ولطف كنت رحت فرق عملة"، ويتابع: "اعتذرت منه واعتبرت طاولته ضيافة على حساب المحل لأكسب روحي وعملي". أما مي، وهي مهندسة في المدينة، فتقول إن اللاذقية تغيرت كثيراً، "هنا صار من الممكن أن تنتهي حياتك في "الكازية" (محطة الوقود)، أو خلال سهرة، أو على الطريق. المخمورون والمسلحون صاروا عبئاً على يومياتنا". في اللاذقية تسمع العجب وكأنّ المدينة تعيش خارج حدود البلاد الرسمية، فمصادر أهلية ورسمية تتحدث عن أن المدينة تشهد جريمة قتل بمعدل مرة كل عشرة أيام تقريباً، وأن "هيبة الدولة" هناك أضحت أمراً مثيراً للجدل. الأجهزة الرسمية تواجه عصابات قتل وخطف منظمة، تقوم بأفعالها لجملة أهداف تتنوع ما بين الخطف وطلب الفدية أو القتل بسبب مشاجرات أو تصفية حسابات وربما خلافات عائلية. وعلى الرغم من انحسار خطر المواجهات العسكرية المباشرة في ريف المدينة، إلا أن داخلها يعيش على صفيح نار ساخن، تظهر في واجهته أجهزة الشرطة التي تنصب نفسها في مكان الند لعصابات الخطف المحلية. صارت شوارع اللاذقية مسرحاً لممارسة "التشبيح"، بحسب تعبير أهلها. تبدو المدينة حرفياً، فوق سقف كل القوانين، في ظل انتشار السلاح والبطاقات الأمنية الصادرة عن جهات لا حصر لها.

من المسؤول؟

لا يحتاج البحث في الموضوع كثيراً من الأدلة والوقائع. الجيش السوري بقي على الحياد التام حيال كل ما يتعلق بالجرائم داخل المجتمع، نظراً للقوانين العسكرية المشددة التي ترسم سياسة هذه المؤسسة وتجعل عملها منحصراً في جبهات القتال، وهذا ما يأخذنا بالضرورة للحديث عن المجموعات الرديفة وما انبثق عنها من عصابات تمتهن القتل. قوام هذه المجموعات الأعظم مدنيون من مختلف المدن السورية، يعملون عادةً دون ضوابط  لاتذكر، بحكم غياب المرجعية المحاسبة لهم. فمرجعية اللجان الشعبية تكون عادة لمؤسسات انبثقت خلال الحرب ولا تخضع مباشرة لوزارة الدفاع، ما يجعل أفرادها يخضعون للقانون المدني.

هنا صار من الممكن أن تنتهي حياتك في "الكازية" (محطة الوقود) أو خلال سهرة...

حياة الجندي أو الضابط من الممكن أن تنتهي بتسريحه وخسارة سبب عيشه إذا ما ارتكب جرماً وحوسب عليه، أما أفراد المجموعات الرديفة فلن تتوقف حياتهم إذا ما فصلوا من مجموعاتهم القتالية، لأنّ عملهم بحد ذاته طارئ وفق مفاهيم الأزمة. ورغم ذلك يرفض الكثير من السوريين التعميم، فيرى البعض أن مجموعات رديفة تعمل بأخلاق والتزام، ويصر قادتها على إنزال أقصى عقوبة تصل حد السجن والتسليم للقضاء والتجريد من الحقوق في حال ارتكب أحد أفرادها جرماً يتعلق بزعزعة الوضع الداخلي، في حين تحوّلت مجموعات أخرى إلى مافيات تفرض الأتاوات وتمارس القمع. ومعروف أن مؤسسة "الدفاع الوطني" تمتلك فرعاً خاصاً يسمى "الشرطة العسكرية"، يعنى بمحاولة كبح أي تجاوز يرتكبه أفرادها. وفي أكثر من حادثة في حلب، سلمت مسلحين يتبعون لها بتهم ارتكاب جرائم سرقة وخطف. والمشكلة الأبرز أن عصابات كثيرة شكّلها مفصولون من القوات الرديفة ولكن سلاحهم لا يزال معهم، وعلى اعتبار أنهم أساساً مطلوبون للأمن السوري، يتخفّون ويمعنون في ارتكاب المخالفات والتجاوزات.

ضرورات المرحلة

وجود اللجان الشعبية هو حالة مؤقتة أفرزتها ضرورات المرحلة خلال الحرب المستمرة لعامها السابع في سوريا، وهو ما يشكل موضع جدل بين السوريين. فالدولة تعتمد عليهم وتعتبر وجودهم ضرورة، ويتفق معها البعض، في حين يرى آخرون أن التعبئة العامة وتنظيم الصفوف هو الحل الأجدى، وهو ما رفضه بشار الأسد خلال مقابلة مع صحيفة روسية في العام الماضي، معتبراً أن التعبئة تعني "مشاركة الجميع في القتال على مختلف الجبهات العسكرية وهذا يعني ألا يكون أحد في الجامعات وألا يكون هناك مدرسون في المدارس ولا موظفون يقومون بأي شيء... سيكون ذلك مقبولاً لو كانت هذه الحرب ستستمر لبضعة أسابيع أو ربما بضعة أشهر فقط لكن بالنسبة لحرب مستمرة لحوالي ست سنوات الآن، فإن هذا يعني شلل المجتمع وشلل الدولة".

الدولة تلتمس مخاطر الانفلات

قبل أيام قليلة، خرج بشار الأسد في خطاب أمام الحكومة هاجم فيه أصحاب المواكب والمرافقات ووصفهم بالمعقدين نفسياً، معتبراً أن من يدافع عن سوريا إلى جانب الجيش هو مخرب إذا ما قرر ممارسة البلطجة. وقال الأسد: "هناك مظاهر وتصرفات من بعض الأشخاص وبعض أبناء المسؤولين مسيئة من خلال المواكب والمرافقات وقطع الطرق المخالف للقانون" . وأضاف: "إنهم مجرد أشخاص مرضى نفسيين مصابين بكل أنواع عقد النقص ويشعرون بأنهم بلا قيمة ويعوضون هذا النقص من خلال هذه المظاهر والإساءة للمواطنين"، داعياً إلى "قمع هذه الظواهر" ومحذراً من أن "المسؤولين سيتحملون بأنفسهم مسؤولية أبنائهم الذين يستغلون نفوذ آبائهم"، في إشارة صريحة منه إلى ظاهرة استغلال النفوذ لتعريض المواطنين السوريين للأذى. وفي خطوة غير مسبوقة، أصدر وزير الدفاع السوري الأسبوع الماضي قراراً يقضي بسحب كل البطاقات العسكرية وبطاقات تسهيل المرور وبطاقات حمل السلاح من اللجان الشعبية والقوات الرديفة، والتي تستخدم عادة لتمرير بعض الأمور ومنها تجاوز الحواجز عبر الخط العسكري، وحصر إصدار البطاقات العسكرية لغير الجنود السوريين الرسميين عبر مكتب الأمن الوطني الذي يترأسه اللواء علي مملوك.
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard