أنفق الدين العملات في الأسواق الشعبية، وخير آلة من آلات الهيمنة، منذ عصور الكهانة والجزية وصكوك الغفران. لذلك، أوصى مكيافيللي أميره قبل 500 عام أن يتسربل بالدين، ويظهر أمام شعبه بلبوس التقوى، حتى وإنْ كان زنديقاً ملحداً. فإظهار الدين في مذهبه مقدَّمٌ على اعتناقه، لأن الشعب -كما أورد أحمد شوقي- عقله في أذنيه، وينخدع بخطاب التقوى. نصح مكيافيللي أميره بأن يكون ورعاً أمام شعبه، لا أن يكون ورعاً على التحقيق، لأن السياسة قد تقتضي منه اقتراف أفعال لا تجيزها ديانته، ولا تسوغها رحمته، لكن لا بد منها حفاظاً على دولته.
وقبل نحو أربعة عقود، كان فرج فودة عرَّافة دلفي حين كتب باستبصار من يقرأ الغيب في المندل وفناجين القهوة: "سوف يؤدي الحكم العسكري إلى السلطة الدينية، ولن ينتزع السلطة الدينية من مواقعها إلا الانقلاب العسكري، الذي يسلم الأمور بدوره، بعد زمن يطول أو يقصر إلى سلطة دينية جديدة وهكذا، وأحياناً يختصر البعض الطريق فيضعون العمامة فوق الزي العسكري".
حين يفقد الحاكم العسكري شرعيته بسبب استبداده وتشبّثه بالسلطة، يلجأ إلى الشرعية الدينية أو الحق الإلهي في الحكم، الذي قال به ملوك القرون الوسطى. وحينما يهدر القانون يلوِّح بالشريعة، وإذا فشل في ضمان العدالة وتحقيق التنمية دعا إلى النظم الإسلامية والعودة إلى الدين
والحاكم العسكري في الدول الإسلامية يسير على نهج مكيافيللي، ولا يكاد يخيِّب ظنون فرج فودة فيه؛ فإنّه وإنْ بدأ حكمه بتوجّه علماني، فسرعان ما يتحوّل إلى استعمال الدين في السياسة. ويستغل هؤلاء الحكام خلو الشريعة من نصٍ يلزمهم بتداول السلطة. فالحاكم بحسب الشريعة لا يخضع للرقابة والمحاسبة والعقاب، مهما ارتكب من أفعال ومهما بدّد من أموال "الرعيّة"؛ بل حقه على المحكوم السمع والطاعة "وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك"، بنص الحديث المنسوب للنبي محمد.
حين يفقد الحاكم العسكري شرعيته بسبب استبداده وتشبّثه بالسلطة، يلجأ إلى الشرعية الدينية أو الحق الإلهي في الحكم، الذي قال به ملوك القرون الوسطى. وحينما يهدر القانون يلوِّح بالشريعة، وإذا فشل في ضمان العدالة وتحقيق التنمية دعا إلى النظم الإسلامية والعودة إلى الدين. وهكذا عندما يصدأ سيف المعز وينفد ذهبه يلجأ إلى إشهار "قميص عثمان" في وجه شعبه، قائلاً لهم: "لن أنزع قميصاً ألبسنيه الله".
وقد بدأ هذا النمط مع حكم البكباشي (المقدِّم) جمال عبد الناصر، ثم استكمله خَلَفَه الرئيس محمد أنور السادات وتمادى فيه، وقبله الجنرال سوهارتو في إندونيسيا، ثم العقيد أركان حرب جعفر النميري في السودان، والملازم أول (العقيد لاحقاً) معمر القذافي في ليبيا، ثم بلغ الأنموذج أقصاه في تجربة الجنرال محمد ضياء الحق في باكستان، وأخيراً وليس آخراً صدام حسين في العراق.
جمال عبد الناصر… 1952

أول ما يُلاحظ من بيان حركة الجيش الذي تلاه المقدِّم محمد أنور السادات صبيحة 23 تموز/ يوليو عام 1952، أنه خلا من أية إحالات دينية. ومن بعد ذلك، اعتاد الرئيس جمال عبد الناصر استهلال خطبه بقوله الشهير: "أيها الإخوة المواطنون" و"باسم الشعب"، بدلاً من "بسم الله الرحمن الرحيم" التي استفتح بها خطبه من جاء بعده.
ومنذ أيلول/ سبتمبر 1952 أصدر عبد الناصر -وزملاؤه في مجلس قيادة الثورة- قرارات الإصلاح الزراعي والتأميم، توخياً للعدالة الاجتماعية بما يخالف مقاصد الشريعة الإسلامية التي لا تجيز مصادرة الأملاك لتحقيق المساواة، اللهم إلا ببعض التعويضات المالية. وحاول عبد الناصر تسويغ الاشتراكية بأنها من صميم الدعوة المحمدية، حين استشهد -لاحقاً- بأحد أبيات قصيدة شوقي "ولد الهدى"، حين قال: "الاشتراكيون أنت إمامهم… لولا دعاوي القوم والغلواء".
طالت قرارات التأميم والإصلاح الزراعي الأوقاف الخيرية، وكان كثير منها -إن لم يكن أغلبها- أوقافاً إسلامية، فألغى الوقف الأهلي، ووضع الأوقاف تحت تصرّف الدولة، تارة من خلال وزارة الأوقاف، الموكلة بالإنفاق على الأئمة والدعاة لبسط السيطرة عليهم والتحكّم فيهم، وتارة أخرى من طريق الهيئة العامة للإصلاح الزراعي على أن جمهورية إيران الإسلامية -وهي مثال الدولة الدينية في العصر الحديث- تترك نفقات رجال الدين رهن تبرّعات المؤمنين (الخُمس).
وبغض الطرف عن علاقة عبد الناصر وزملائه من الضباط الأحرار بتنظيم الإخوان المسلمين قبل الشقاق بينهما، وهي مسألة يضيق عن بحثها هذا المقام، فإن الثابت رغم ذلك أن الدين لم يتصدّر أجندة سياسات عبد الناصر في أول عهده على الأقل، وأقرب شاهد على هذا أن عبد الناصر ذكر في كتابه "فلسفة الثورة" في 1954 أن سياسة مصر يحدّدها انتماؤها إلى دوائر ثلاث: العالم العربي، وإفريقيا، ثم الرابطة الإسلامية.
والملاحظ هنا أن الرابطة الإسلامية جاءت في آخر الترتيب، لأن سياسة عبد الناصر، ذي الميول التقدمية، كانت في أول عهده أقرب إلى التوجّهات العلمانية. لكن يستنتج بعض الباحثين من دوائر عبد الناصر الثلاث، أنه لم يتخل عن ارتباطه بالإسلام أيضاً، ولم ينتهج سياسة علمانية كاملة.
وكان لافتاً أن اعترض عبد الناصر على فرض الحجاب على المرأة المصرية ومنعها من العمل، وإغلاق دور السينما والمسارح، بطلب من الشيخ حسن الهضيبي، مرشد جماعة الإخوان المسلمين، في لقاء جمعهما عام 1953، على حد قول عبد الناصر في خطاب ألقاه عام 1965، بعد صدامه مع الإخوان المسلمين. أما أوضح سياسات عبد الناصر العلمانية، فكان قرار علمنة القضاء الديني وإلغاء المحاكم الشرعية في أيلول/ سبتمبر 1955.
ثم بدأ عبد الناصر يميل ناحية استخدام الدين في السياسة، بعد العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، منذ اللحظة التي ألقى فيها خطبته الشهيرة في الجامع الأزهر، وقال فيها: "حيكون شعارنا دائماً الله أكبر"، منذ تلك الساعة بدأ الدين يظهر في سياسات عبد الناصر، وصار من وسائل تحقيق أهدافه السياسية وبسط هيمنته.
يذكر الصحافي الفلسطيني سعيد أبو الريش في سيرة عبد الناصر "Nasser the Last Arab" (عبد الناصر… آخر العرب) أن الزعيم المصري أراد جعل الأزهر مرجعية العالم الإسلامي، لسحب البساط من تحت أقدام الإخوان المسلمين وشيوخ السعودية، وأنه ارتأى ضرورة تحديث الأزهر ومناهجه الدراسية بعد قرون من الجمود.
وكان من هذا التحديث فتوى الشيخ محمود شلتوت، شيخ الأزهر، عام 1959 التي أدخلت الشيعة (الإمامية) والعلويين والدروز إلى كنف الإسلام، وقد كانوا يُعدون كفاراً زنادقة لمئات السنين، "لكن عبد الناصر وضع حداً لهذا الأمر نهائياً"، كما يقول. ويعزو أبو الريش هذه الفتوى إلى رغبة عبد الناصر في استمالة شيعة العراق، وتقويض سلطة عبد الكريم قاسم، حاكم العراق العسكري آنذاك، الذي أطاح بالملكية ونافس عبد الناصر على زعامة المنطقة.
ثم أصدر عبد الناصر قانون إصلاح الأزهر عام 1961 إذ حوّله إلى جامعة، جمع فيها التعليم العلمي إلى الديني، وأدخل الكليات العلمية بجانب الدينية، وضمن لها استقلاليتها التعليمية، وارتدَّ بذلك عن إصلاحات محمد علي في تخليص التعليم المدني من التعليم الديني، وتسبب في شرخ مزمن في التعليم المصري لم تستطع مصر علاجه حتى الآن.
أعاد عبد الناصر تعريف الدين في مصر من سلطة مستقلة، إلى وسيلة من وسائل إدارة الدولة، ومهَّد الطريق إلى بداية أسلمة المجتمع المصري، في عهد خليفته، السادات.
وبعد شهرين فقط من بداية البث التلفزيوني في مصر لأول مرة في تموز/ يوليو 1960، بدأ التلفزيون المصري يقدّم برنامجاً دينياً هو "نور على نور" من تقديم الإذاعي أحمد فراج. ثم أنشأ عبد الناصر إذاعة القرآن الكريم عام 1964، ووضع حجر أساس الكاتدرائية المرقسية بالعباسية في تموز/ يوليو 1965.
وبعد كارثة 1967 (الهزيمة في الحرب أو ما يُعرف بـ"النكسة") التي كتبت شهادة وفاة المشروع الناصري شبه العلماني، لصالح المشروع الإسلامي الذي قدَّم نفسه خلفاً وبديلاً له. تأجّج غضب المسلمين بعد استيلاء إسرائيل على الحرم القدسي، وزادت جاذبية البديل الإسلامي الذي كان يقدّم العزاء للشعوب العربية الإسلامية، كما لاحظ الباحث الإسرائيلي عوفير وينتر، في كتابه "Peace in the Name of Allah" (السلام باسم الله) وهو ما أدّى إلى "اعتماد عبد الناصر اعتماداً أكبر على الدين لتسويغ سياسته في الصراع".
ويعزو وينتر رفض عبد الناصر مبادرة روجرز الأولى (كانون الأول/ ديسمبر 1969) الداعية للسلام مقابل الأرض، إلى فتوى لجنة الفتوى بالجامع الأزهر برئاسة الشيخ حسنين مخلوف، في كانون الثاني/ يناير 1956 التي تحرِّم السلام مع إسرائيل - قبل أن يقبل المبادرة الثانية (حزيران/ يونيو 1970) الداعية لوقف إطلاق النار.
وهكذا أعاد عبد الناصر تعريف الدين في مصر من سلطة مستقلة، إلى وسيلة من وسائل إدارة الدولة، وتحوّل من نظام حكم يميل إلى العلمانية قبل عام 1956 إلى نظام يميل إلى استخدام الدين في السياسة بعدئذٍ، ومهَّد بذلك الطريق إلى بداية أسلمة المجتمع المصري، في عهد خليفته، السادات.
محمد أنور السادات… 1970

التقط السادات الخيط من سلفه، وبدأ من حيث انتهى عبد الناصر وتمادى. واستخدم خطاباً دينياً، وتضمّنت خُطَبُه آيات قرآنية وأحاديث نبوية، وقدَّم نفسه بهوية إسلامية، وأطلق على نفسه "الرئيس المؤمن" ومصر "دولة العلم والإيمان". لقد استخدم السادات جميع وسائل الدعاية لإبراز نفسه في صورة الحاكم المؤمن، ومنها تصويره وهو يؤدّي الصلاة، لبناء شرعية في مجتمع بدأ ينحو إلى التديّن. وكان حكم السادات الذي بدأ في عام 1970 بداية الصحوة الإسلامية التي انتقلت من السعودية إلى مصر، وجاءت لملء الفراغ الذي شغره انهيار المشروع الناصري القومي.
وخلال صراعه مع القوى الناصرية واليسارية على السلطة، ورغبته في تمديد بقائه في كرسي الحكم، وخشيته من الشارع المتململ جراء الظروف المعيشية الصعبة نتيجة المجهود الحربي؛ قرّر السادات في مناورة سياسية أن يتحالف مع التيار الديني، ويسمح بعودة نشاطات الجماعات الإسلامية خصوصاً في الجامعات، لمواجهة القوى اليسارية والناصرية. كان اللجوء للخطاب الديني والتلويح بالشريعة في الدستور مناورة لكسب الشرعية بمغازلة التيار الديني، والتخلّص من خصومِهِ الناصريين واليساريين، وتمرير بقائه في السلطة بضربة واحدة.
وبعدما أطاح الرئيس السادات القوى الناصرية في ما عُرف باسم "ثورة التصحيح" في 15 أيار/ مايو 1971، أدخل الشريعة الإسلامية في الدستور المصري في أيلول/ سبتمبر 1971، وأصبحت المادة الثانية منه تنص لأول مرة في تاريخ مصر على الاحتكام إلى الشريعة الإسلامية بوصفها "مصدراً رئيسياً" للتشريع؛ ثم عدّلها مرة أخرى في عام 1980 لتصبح مبادئ الشريعة الإسلامية "المصدر الرئيسي" للتشريع (بألف ولام القصْر) مع إضافة مادة تتيح إعادة الاستفتاء على بقائه في السلطة دون مدة محددة، وهي خطوة رآها بعض المثقفين محاولة لتعزيز شرعيته وبقائه في الحكم.
أخرج السادات الإسلاميين من السجون التي وضعهم فيها عبد الناصر، وأتاح للإخوان المسلمين العودة إلى نشاطهم "الدعوي"، وسمح لهم باستئناف إصدار مجلة "الدعوة" الشهرية. وأفسح مساحة كبيرة في التلفزيون الرسمي للدعاة والبرامج الدينية، وتلك التي تخلط الدين بالعلم. وكان من ذلك ظاهرة الدكتور مصطفى محمود، وظاهرة الشيخ محمد متولي الشعراوي، وكلاهما كانا من الوجوه التي استخدمها "الرئيس المؤمن" لتمييزه عن إرث سلفه.
خُصِّص للدكتور مصطفى محمود برنامج "العلم والإيمان" الشهير في التلفزيون المصري في عام 1971. وأُفردت للشيخ الشعراوي مساحة في التلفزيون المصري، في برنامج "نور على نور" عام 1973، ثم تلاها برنامجه "خواطر" عام 1980، وفيه فسَّر القرآن تفسيراً شعبياً يخاطب أفهام عامة الناس، فكان سبباً في شعبيته الجارفة وتديّن المجتمع.
ثم عيّن الشيخ الشعراوي وزيراً للأوقاف في حكومة ممدوح سالم، التي استمر فيها حتى عام 1978، ودافع خلالها دفاعاً مستميتاً عن الرئيس السادات، حتى قال تحت قبة البرلمان المصري، في جلسة 20 آذار/ مارس 1978: "والذي نفسي بيده، لو كان لي من الأمر شيء، لحكمت الرجل [السادات] الذي رفعنا تلك الرفعة وانتشلنا مما كنا فيه إلى قمة ألا يُسأل عما يفعل". هذا الأمر أثار استهجان أعضاء البرلمان، لأن الله وحده الذي لا يُسأل عما يفعل [الأنبياء: 23].
واستكمل السادات مشروع عبد الناصر في جعل الأزهر المرجعية الدينية، وتمادى فيه حتى أصدر قراره الجمهوري رقم 250 لعام 1975، الذي جعل شيخ الأزهر بدرجة رئيس وزراء، ويسبق الوزراء من ناحية البروتوكول، وصفته الرسمية "الإمام الأكبر" وأنه "صاحب الرأي في كل ما يتصل بالشؤون الدينية".
واستخدم "الرئيس المؤمن" الخطاب الديني -الذي حرَّم السلام مع إسرائيل في عهد عبد الناصر- في تسويغ اتفاقية كامب ديفيد عام 1978 ومعاهدة السلام مع إسرائيل عام 1979، التي شُبِّهَتْ بـ"صلح الحديبية". وأضفت المؤسسة الدينية الشرعية على المعاهدة. واختار السادات زيارة إسرائيل في عيد الأضحى، وحرص على أداء صلاة العيد في المسجد القبلي بالحرم القدسي. وأيَّد شيخ الأزهر آنذاك، الشيخ عبد الحليم محمود، مبادرة "بطل الحرب والسلام". وسوَّغ وكيل الأزهر، الشيخ عبد الرحمن بيصار، المبادرة بآية: "وإن جنحوا للسلم فاجنح لها" [الأنفال: 61] ثم صدر قرار تعيينه شيخاً للأزهر في العام التالي.
واستخدم السادات الدين في تسويغ تحوّله من "اشتراكية الفقر"، بحسب تعبيره، إلى اقتصاد السوق الحرة، أو "الانفتاح" كما سُمِّي آنذاك. وأيَّد شيخ الأزهر، عبد الحليم محمود، هذا الانفتاح الاقتصادي عام 1975 وقال إن الإسلام يكفل الحق في الملكية الخاصة، وإن الدعوة للمساواة الاشتراكية بدعة. وفي العام نفسه، دافع رئيس الحكومة، عبد العزيز حجازي، عن الانفتاح والتفاوت الطبقي، قائلاً لطلاب الجامعة إنه يؤمن بالمبدأ الإسلامي القائل بضرورة التمييز بين الناس لتفاوتهم في الثروة والعلم والصحة، واستشهد أمام أعضاء مجلس الشعب بالآية القرآنية: "ورفع بعضكم فوق بعض درجات" [الأنعام: 165].
ثم بدأت ظاهرة المصارف الإسلامية التجارية تدخل مصر، في عهد السادات أيضاً، بإنشاء بنك فيصل الإسلامي عام 1977، ثم بنك البركة في آذار/ مارس 1980. لكن السادات اغتيل قبل أن يشهد "أسلمة المصارف"، التي نجح في تحقيقها الجنرال ضياء الحق في باكستان لاحقاً.
سوهارتو… 1967

تكرّر هذا النمط نفسه مع الجنرال سوهارتو في إندونيسيا، حيث بدأ حكمه بتهميش القوى الإسلامية المعارضة، ثم اتجه لاحقاً إلى توظيف الدين الإسلامي كأداة سياسية لتعزيز شرعيته واستخدام القوى الإسلامية لمواجهة خصومه وبقائه في الحكم. واستغل سوهارتو في بداية حكمه الهوية الدينية للإطاحة بالحزب الشيوعي الإندونيسي، كما فعل السادات.
ويذكر أستاذ العلوم السياسية المقارنة، جون سيدل، في كتابه "Riots, Pogroms, Jihad Religious Violence in Indonesia" (شغب ومذابح وجهاد... العنف الديني في إندونيسيا) أن نظام سوهارتو فرض لوائح تجبر جميع المواطنين على إعلان عقيدتهم، وأن الحكومة توسّعت في نشر التعليم الديني في المدارس، وحُظر الزواج المختلط بين أصحاب الملل المختلفة، للتضييق على الصينيين غير المسلمين، ولوقف التمدّد الشيوعي الصيني.
وحينما خشي سوهارتو من صعود التيارات الدينية، أجبر جميع الأحزاب الإسلامية على الاندماج في حزب واحد هو "حزب التنمية المتحد" في عام 1973، للتحكّم فيها وإخضاعها للرقابة والقيود الحكومية. وسعى سوهارتو إلى إضعاف "حزب التنمية المتحد" من الداخل بدعم شخصيات موالية للنظام، وشجّع الزعيم عبد الرحمن وحيد، الذي صار رئيساً لاحقاً، على سحب "جمعية نهضة العلماء" من العمل الحزبي المباشر، فتراجعت القوة الشعبية للمعارضة الإسلامية في ثمانينيات القرن العشرين.
ومع صعود الطبقة الوسطى المسلمة، غيَّر سوهارتو إستراتيجيته من تهميش الإسلاميين إلى احتوائهم واستخدامهم في توطيد أركان حكمه، بحسب سيدل. وتسارع هذا التوجه في تسعينيات القرن الماضي، إذ أسّس سوهارتو "رابطة المثقفين المسلمين الإندونيسيين" عام 1990 برئاسة مستشاره يوسف حبيبي، واستخدم هذه الرابطة لدمج أصحاب المهن والخبرات من المسلمين داخل هيكل الدولة، وأوجد شبكة موالاة تابعة له تنافس النفوذ المسيحي والعلماني القديم في الجيش وجهاز الدولة البيروقراطي. وكان أعضاء هذه الرابطة يتمتعون بمزايا في وظائف الخدمة المدنية وقيادات الجيش ومقاعد البرلمان وكراسي التدريس الجامعية فضلاً عن المعاملة التفضيلية في مختلف المشروعات التجارية المشروعة وغير المشروعة أيضاً، وفقاً للمصدر السابق.
وأدّى استبداد سوهارتو إلى خراب الاقتصاد الإندونيسي، وهروب الاستثمار الأجنبي وهجرة رؤوس الأموال من إندونيسيا، مما اضطره إلى الاعتماد على الأموال الساخنة، وجعل الاقتصاد الإندونيسي في مهب الريح، فلما وقعت الأزمة المالية الآسيوية عام 1997 وخرجت الأموال الساخنة من إندونيسيا، انهارت الروبية الإندونيسية حتى بلغت قيمة الدولار 10 آلاف روبية. وبدلاً من أن يعترف بفشله الاقتصادي ويتراجع عن سياساته التي تسببت في هذا الانهيار، بدأ سوهارتو يستخدم الدين استخداماً فجاً، لتسويغ تدخّل الدولة في السوق ومزاحمة رأس المال الخاص، وأُطلقت حملات لتخوين رجال الأعمال الذين لم يستغنوا عن دولاراتهم لدعم الروبية الإندونيسية.
وروَّجت مؤسسات تابعة للدولة لما وصفته "الجهاد الوطني" ضد المحتكرين والمضاربين، الذين كانوا غالباً من الأقلية الصينية المسيحية، لتصوير الأزمة الاقتصادية وكأنها صراع ديني أو أخلاقي بدلاً من كونها فشلاً في إدارة الدولة. ولجأ الجنرال سوهارتو إلى المناورة نفسها، وبدأ يغازل التيار الإسلامي ويستقوي بالمؤسّسات الدينية.
وفي أواخر عهده، استخدم سوهارتو الجماعات الإسلامية المتطرِّفة لمد أجله في السلطة. وعقد صهره، اللواء برابوو سوبيانتو، قائد قوات الكوباسوس (القوات الخاصة في الجيش الإندونيسي) علاقات مع جماعات إسلامية متطرِّفة مثل اللجنة الإندونيسية للتضامن مع العالم الإسلامي والمجلس الأعلى الإندونيسي للدعوة الإسلامية، وكانا يشنان هجوماً عنيفاً على المسيحيين والصينيين في إندونيسيا. وعندما اندلعت احتجاجات الطلاب في 1998 مهدّدةً حكمه، حرَّض نظام سوهارتو الجماعات الإسلامية ضدهم، واستخدم خطاباً طائفياً لتصوير الحركات الديمقراطية على أنها "مؤامرة مسيحية صهيونية" تهدف لإسقاط "الرئيس المسلم".
العقيد جعفر النميري أكمل مثال للحاكم العسكري الذي وضع عمامة فوق بدلته العسكرية. فقد تحوّل تحوّلاً حاداً من أقصى اليسار في بداية حكمه، حين كان توجهه علمانياً اشتراكياً قومياً، إلى أقصى اليمين الديني في نهايته، حيث انتهى إلى تحويل السودان إلى إمارة إسلامية
وصل الأمر إلى تشكيل نظام سوهارتو ميليشيا مثل "بام سواكارسا" تحت شعارات إسلامية، لمواجهة الطلاب في الشوارع والدفاع عن شرعية النظام في اللحظات الأخيرة. وهكذا انتقل سوهارتو من استخدام الدين كدرع ضد الشيوعية في البداية مثل السادات، إلى استخدامه لتقسيم المعارضة، ثم كغطاء أيديولوجي للبقاء في السلطة، كما فعل النميري لاحقاً في السودان.
جعفر النميري… 1969

لعل العقيد جعفر النميري أوضح مثال عن الحاكم العسكري الذي وضع عمامة فوق بدلته العسكرية. فقد تحوّل تحوّلاً حاداً من أقصى اليسار في بداية حكمه، حين كان توجهه علمانياً اشتراكياً قومياً، إلى أقصى اليمين الديني في نهايته، حيث انتهى إلى تحويل السودان إلى إمارة إسلامية. وكان تحوّل النميري نحو الدين مناورة للبقاء في الحكم، بعد فشله الذريع في سياسة الدولة وإدارة اقتصادها.
بعد انقلابه على نظام إسماعيل الأزهري الديمقراطي، في أيار/ مايو عام 1969، بدأ النميري حكمه بوصفه قومياً علمانياً له توجهات يسارية، واقتفى أثر الزعيم المصري جمال عبد الناصر، في تطبيق الاشتراكية وسياسات التأميم. ويبين الصحافي المصري محمد سيد أحمد، في كتابه "أيام النميري"، كيف انتهت خطط النميري التنموية إلى فشل ذريع، بعدما انخفضت إنتاجية المحاصيل الزراعية بسبب سياسة التوسّع الأفقي العشوائي في الزراعة الآلية، واتّباع سياسة "التنجيم الزراعي" أي استغلال الأرض الزراعية مرة واحدة وتحقيق عائد سريع دون دورات زراعية.
ويقول سيد أحمد إن بنك السودان المركزي فقدَ استقلاليته في عهد النميري، وتحول إلى أداة في يد الديكتاتور لتمويل عجز الموازنة المتكرّر، وشجع النظام إنشاء بنوك خاصة لم تدعم الإنتاج، بل ركّزت قروضها على التجارة والخدمات والمضاربات العقارية وسوق العملات، مما أدّى إلى ظهور طبقة من "المليونيرات الجدد" على حساب إفقار الملايين. فكانت النتيجة تدهور الإنتاج والاعتماد على الاقتراض، وتراكم الديون، وتنفيذ توصيات صندوق النقد الدولي التقشّفية، التي أدّت إلى التوسّع في فرض الضرائب، وانهيار قيمة الجنيه السوداني، بعد تخفيض سعر صرفه مقابل الدولار 13 تخفيضاً، مما أفقده قيمته تماماً وأدّى إلى قفزات جنونية في الأسعار.
ومع تآكل شرعية النميري الثورية واستبداده وفشله الاقتصادي، سعى إلى مصدر بديل للشرعية، فعمد إلى استغلال ورقة الدين، مثل السادات، لضمان بقائه في الحكم، بدون إصلاحات سياسية تفضي إلى تداول السلطة. وبعد سنتين من إدخال السادات الشريعة الإسلامية في الدستور المصري، استعمل النميري المناورة نفسها، وجعل الشريعة مصدراً للتشريع في المادة التاسعة من دستور السودان عام 1973، لأول مرة في تاريخ البلاد.
بعدما أدخل السادات الشريعة الإسلامية في الدستور المصري عام 1971، وسار على نهجه جعفر النميري في دستور السودان 1973، انتقلت العدوى إلى القذافي عام 1975.
ويذكر سيد أحمد، أن نظام النميري استغل مقدسات الشعب والشريعة الإسلامية كـ"غطاء أيديولوجي" يهدف حصراً إلى ضمان استمراره في الحكم. وأن "أسلمة الاقتصاد" كانت غطاءً لسياساته المالية، وأن شعار "أسلمة الاقتصاد الوطني" كان ذريعة لفرض أعباء مالية جديدة على الشعب.
وحاول النميري -مثل السادات- أن يرسم لنفسه صورة "الرئيس المؤمن"، لدغدغة مشاعر قطاعات من الشعب، وجعلهم متأثرين بحاكم "يخاف الله ويسير في الطريق الصحيح". ساعدت هذه الصورة في إضفاء شرعية على قرارات النميري السياسية ونبذ معارضيه. ثم بدأ يتقارب إلى التيار الإسلامي وخصوصاً حسن الترابي، منذ المصالحة الوطنية عام 1977، التي كان من المفترض أن تؤدّي إلى إصلاحات ديمقراطية، لكن النميري تحايل عليها بـ"أسلمة المجتمع"، والانتقال من التلويح بالشريعة إلى تطبيقها والاحتكام إليها.
وبعد مرور عقد واحد من إدخال الشريعة في دستور 1973، بدأ النميري في تطبيق الشريعة الإسلامية، بعدما تسبّب في تدمير اقتصاد السودان وانسداد الأفق السياسي. وصارت الشريعة المصدر "الرئيس والوحيد" للتشريع، في ما عُرف باسم قوانين سبتمبر (أيلول) 1983. وأقيمت الحدود الإسلامية كالجلد لشارب الخمر، وقطع يد السارق، وإعدام المرتد عن الإسلام، وهي التهمة التي أُعدم بها المفكر السوداني محمود محمد طه. ونصَّب النميري نفسه إماماً للمسلمين، لإضفاء شرعية دينية على نظامه.
وأدّى تشبّث النميري بكرسي السلطة رغم فشله، إلى وقوع مجاعة في أكبر الدول العربية من حيث الأراضي الخصبة، حيث طالت المجاعة أكثر من نصف سكان السودان عام 1985. كما تسبّب تطبيقه الشريعة الإسلامية، في تمهيد الطريق لاحقاً لانقلاب الإسلاميين عام 1989 واستيلائهم على الحكم، وبداية اشتعال الحرب الأهلية بين الشمال والجنوب ذي الأغلبية المسيحية التي رفضت الشريعة الإسلامية، وهو ما انتهى بانفصال الجنوب في دولة مستقلة.
معمر القذافي… 1969

وبعد أربعة أشهر من انقلاب جعفر النميري، قاد العقيد معمر القذافي انقلابه على الملك محمد إدريس السنوسي في ليبيا. ويعد القذافي نموذجاً حديثاً من الحاكم بأمر الله؛ فقد اتسم حكمه بتناقض عجيب، يجمع بين الأفكار العلمانية والإسلامية معاً، ويتراوح بينهما من النقيض إلى النقيض. بدأ القذافي حكمه متأثراً بسياسة عبد الناصر التقدّمية، واستخدم، مثله خطاباً يجمع الاشتراكية بالإسلام.
بدأ القذافي من حيث انتهى عبد الناصر، وصاغ نظريته السياسية التي سمّاها "الاشتراكية الإسلامية"، وهي مزيج من المبادئ الاشتراكية والقومية العربية والتعاليم الإسلامية. واستعمل خطاباً دينياً لتعبئة الشعب ضد خصومه، الذين وصفهم بـ"أعداء الإسلام"، ووصل به الأمر أحياناً إلى إعلان "الجهاد".
دعا القذافي إلى العودة إلى أصول الدين، وعدَّهُ السبيل لتحقيق التنمية والتحرّر من الرأسمالية والشيوعية، وفرض الشريعة الإسلامية بصرامة في المجتمع، فأغلق ما تبقَّى من الأندية الليلية من عهد الملك السنوسي، وحظر القمار والخمر، وعاقب شاربيه، وأقام حد الجلد على من ثبتت عليه تهمة الزنا (من غير المتزوجين) وطبَّق حد السرقة الشرعي على من سرق سيارة ابنه الساعدي.
وبعدما أدخل السادات الشريعة الإسلامية في الدستور المصري عام 1971، وسار على نهجه جعفر النميري في دستور السودان 1973، انتقلت العدوى إلى القذافي، الذي نشر عام 1975 "الكتاب الأخضر"، وكان بمنزلة دستور ليبيا غير الرسمي. وأقرَّ فيه بأن "الشريعة الطبيعية لأي مجتمع هي العرف أو الدين. أي محاولة أخرى لإيجاد شريعة لأي مجتمع خارجة عن هذين المصدرين هي محاولة باطلة وغير منطقية". وقال إن "الدساتير ليست هي شريعة المجتمع" بل مجرد قوانين وضعية تفتقر غالباً إلى مصدر تستند إليه، ويرى أن غياب الشريعة الحقيقية (الدين والعرف) واستبدالها بتشريعات وضعية خطر يهدّد حرية المجتمع.
وكما حاول السادات والنميري تصوير نفسيهما في صورة "الحاكم المؤمن"، حرص القذافي على ترسيخ الصورة نفسها، وكان يوعز بنشر صور له وهو يقيم الصلاة، وكان يؤم الشعب في الصلاة أحياناً. وحرص على ترسيخ صورة "الحاكم البسيط المؤمن" الذي يعيش في خيمة ويشرب حليب الإبل التزاماً بالتقاليد البدوية والإسلامية.
في المقابل، أظهر تعصَّباً حيال أصحاب الملل الأخرى، حيث حوّل كاتدرائية القلب المقدس في طرابلس إلى "جامع جمال عبد الناصر"، واضطهد اليهود والمسيحيين، وأجبر اليهود على مغادرة ليبيا، بعدما صادر أملاكهم، وأغلق معظم الكنائس المسيحية، بحسب الصحافية الأمريكية بريندا لانغ في كتابها عن معمر القذافي الذي كتب مقدمته المؤرخ الأمريكي آرثر شليزنجر (يُكتب بالألمانية: شليزينَر).
وبعد خمس سنوات من صدور كتابه الأخضر، حدث تحوّل لافت في خطاب القذافي وصل إلى حد وصفته رابطة العالم الإسلامي بأنه "تهجّم على الإسلام... مستخدماً تصوّرات أعداء المسلمين والحاقدين على هذا الدين الإسلامي".
والسبب في ذلك أن القذافي في خطبة عيد الأضحى عام 1980، قال: "إن الذي يذهب ليؤدّي شعائر الحج التقليدية إنما يمارس عبادة ساذجة ليست التي أرادها الله"، وأضاف: "لنتوجه للسلاح وللقتال... أما أن تطأطئ رأسك في جبل عرفات وفي بقية الشعائر وتدعو الله أن يدخلك الجنة، فهذه سذاجة مرفوضة من المسلم الحقيقي". وسرعان ما بدأت الصحف الليبية تنشر في عناوين أغلفتها "الحج ظاهرة رجعية" و"لنكفر برب الأغنياء" و"اكفروا برب الأغنياء".
وعاد القذافي مرة أخرى إلى استخدام الدين، بعدما أهدر ثروات ليبيا في دعم حركات مسلحة، مثل: منظمات "أيلول الأسود"، و"أبو نضال"، و"الجيش الجمهوري الأيرلندي"، و"البوليساريو"؛ وكان متهماً بحياكة مؤامرات وأعمال وصفت بالإرهابية، مثل: تفجير ملهى "لا بيل" في برلين الغربية عام 1986، وتفجير طائرة "بان آم 103" (لوكربي) عام 1988، وطائرة فرنسية عام 1989.
فضلاً عن الحروب العبثية التي خاضها مثل حرب تشاد (1978-1987) ناهيك من سعيه لامتلاك أسلحة دمار شامل، وبرنامج نووي اضطر إلى تفكيكه طوعاً عام 2003، بعد اعترافه بمسؤوليته عن تفجير لوكربي، لرفع العقوبات الأمريكية على بلاده التي بدأت عام 1982 ثم بلغت أوجها في عام 1986 والحصار الدولي الذي استمر من عام 1992، وتسبّب في خنق الاقتصاد الليبي، وكبَّده عشرات مليارات الدولارات.
وتلا ذلك مغالاة القذافي في استخدام الخطاب الديني، حتى سمَّى نفسه "إمام المسلمين" عام 2009، ودعا المسلمين إلى جهاد سويسرا عام 2010 بذريعة حظر بناء المآذن فيها، بعد توقيف الشرطة السويسرية نجله هانيبال وزوجته بتهمة إساءة معاملة اثنين من الخدم عام 2008.
محمد ضياء الحق… 1977

نمط الشاويش الدرويش كرّره أيضاً رئيس أركان الجيش الباكستاني، الجنرال محمد ضياء الحق، الذي استولى على السلطة بعد انقلابه عام 1977 على الرئيس ذو الفقار علي بوتو، ذي التوجهات الاشتراكية الفابية. وفي أول خطاب له بعد الانقلاب، وصف ضياء الحق نفسه بأنه "جندي حقيقي من جنود الإسلام"، وزعم أنه ليس لديه أي طموح سياسي، وأنه اضطر للتدخّل لملء الفراغ الذي خلّفته الأحزاب السياسية من باب الواجب الديني.
أعلن ضياء الحق الأحكام العرفية في باكستان، ووعد الشعب بإجراء انتخابات وتسليم السلطة في غضون 90 يوماً فقط. لكنه لم يفِ بهذا الوعد قط، وتلكّأ في تسليم السلطة. وارتأى أن خير طريقة لبقائه فيها، أن يطبِّق الشريعة الإسلامية، لأنها لا تنص على تداول السلطة. وقال في أول خطبِهِ لشعبه: "باكستان أُنشئت باسم الإسلام، وسوف تبقى ما دامت تتمسّك بالإسلام". وجعل من "الأسلمة" هدفاً رئيساً لنظامه، لاستمالة الأصوليين الإسلاميين، والشرائح الدنيا من الطبقات الوسطى.
وفي عام 1978، أعلن ضياء الحق أن نظام باكستان القانوني سيقوم على "نظام المصطفى" (العام المحمدي) مما يعني ضرورة توافق جميع القوانين مع الشريعة الإسلامية. وأنشأ محاكم شرعية داخل المحاكم العليا لإبطال أي قانون يُعد "مخالفاً للإسلام". وفي 1979، فرض تطبيق الحدود الشرعية على "جرائم" السرقة وشرب الخمر والزنا والبغاء والقذف. وتوسّع في حد الردة، ليشمل عقوبة الإعدام لكل من يسيء إلى النبي محمد.
واتجه ضياء الحق إلى أسلمة مؤسّسات باكستان، بدءاً من وسائل الإعلام، التي فرض عليها رقابة صارمة بذريعة حظر المحتويات "غير الإسلامية" التي لا تليق بـ"القيم الإسلامية"، وفرض قيوداً على منظمات المجتمع المدني، وشرع في "أسلمة الاقتصاد الباكستاني"؛ فبدلاً من الضرائب، فرض الزكاة (2.5%) والعُشر (ضريبة على المحاصيل الزراعية تساوي 10% على الأراضي المزروعة بماء المطر و5% على الأراضي المزروعة بالآبار وآلات الري). وحسم قيمة الزكاة إجبارياً من الحسابات المصرفية، مما أثار احتجاج الأقلية الشيعية، التي لا تقر الزكاة بحسب الفقه السني، فاضطر إلى استثنائهم من أدائها إجبارياً وتركها اختيارياً.
ولم يكن استثناء الشيعة من فرض الزكاة إلا تجنّباً للصدام الطائفي الذي يهدّد البلاد، لأنهم كانوا يمثلون ما بين 10 إلى 25% من السكان. أما الأقليات الدينية الصغرى، فلم تسلم من الاضطهاد. وأصدر ضياء الحق مراسيم قانونية تمنع الطائفة الأحمدية من ممارسة شعائرها، أو تسمية أنفسهم مسلمين، وصنَّفهم "أقلية غير مسلمة".
وفتح قانون الزكاة أبواباً للتحايل والتهرّب الضريبي؛ إذ ادّعى بعض العام تشيّعهم عند إنشاء حسابات مصرفية، وسحب آخرون أموالهم من المصارف قبل يوم من ميعاد استحقاق الزكاة، قبل إيداعها مرة أخرى في اليوم التالي. كما سعى ضياء الحق إلى إلغاء الفائدة - باعتبارها ربا- بإدخال نظام "المشاركة في الربح والخسارة" الإسلامي في المصارف التجارية. وأثبتت تجربة ضياء الحق أن الاقتصاد الإسلامي، بالشكل الذي استند إليه والذي كان أساسه الزكاة والعُشر، نظام غير كفء، بعدما فشل في تحقيق أهدافه الاجتماعية والاقتصادية.
وتسبّبت سياسات ضياء الحق في انخفاض معدلات الادخار في باكستان، فاضطرت الحكومة إلى تعويضها بالديون الخارجية، فزادت أعباء الديون، حتى بلغت ديون باكستان الطويلة الأجل بنهاية عهد ضياء الحق 16 مليار دولار، أي ما يعادل نصف إجمالي الناتج المحلي الإجمالي تقريباً. وأما النمو الكبير الذي شهده الاقتصاد الباكستاني في عهده، فكان بفضل تحويلات العاملين بالخارج والمعونات والقروض، أما الجنرال ضياء الحق فقد تسبّب في تخريب الاقتصاد الباكستاني تخريباً هيكلياً مزمناً.
وكانت ثالثة الأثافي حين لجأ ضياء الحق إلى "أسلمة التعليم" في باكستان، حيث دعم المدارس الدينية بأموال الزكاة، ما أدّى إلى انتشارها في ربوع باكستان، وصارت بعدئذٍ مراكز لتخريج "المجاهدين". واستغل ضياء الحق هؤلاء المجاهدين في دعم شرعيته، وصوَّر باكستان على أنها "دولة خط مواجهة" تقود جهاداً مقدساً ضد الشيوعية الملحدة، بعد الغزو السوفياتي لأفغانستان، مما جلب له دعماً عسكرياً ومالياً ضخماً من الولايات المتحدة ودول أخرى، وعزّز زعامته في العالم الإسلامي.
وكان آخر مظاهر استخدام ضياء الحق الدين في مد أجله في الحكم في عام 1984 حين أجرى استفتاءً، سأل فيه الشعب عما إذا كان يؤيد سياسات "الأسلمة"، وعدَّ التصويت بـ"نعم" يعني تلقائياً انتخابه رئيساً لمدة خمس سنوات إضافية، لكنه قُتل في حادثة تحطّم طائرة عام 1988 قبل أن يكمل مدته.
هذا هو ميراث الجنرال ضياء الحق الذي تسبّب طمعه في السلطة، بعدما نكث وعده بتسليمها، في أن يضع العمامة على رأسه، ويتسبّب في إصابة باكستان بفشل اقتصادي مزمن وتعصّب ديني، لا تزال تعاني منهما منذ نصف قرن حتى اليوم.
صدام حسين… 1979

يبرز النمط ذاته في حالة صدام حسين الذي كان سياسياً لم يتخرّج في كلية عسكرية، لكنه منح نفسه بعد توليه الحكم رتبة "مهيب ركن"، وهي أعلى رتبة عسكرية في العراق. بدأ صدام حكمه علمانياً تقدّمياً، وكان ينتمي إلى حزب البعث العلماني واستلهم من أفكار منظر الحزب، ميشال عفلق، تفسيراً قومياً عربياً للإسلام (الإسلام البعثي). وكان عفلق يعد الإسلام حركة عربية توخَّت بعث الأمة العربية وتجديد عروبتها في المقام الأول، قبل أن يكون ديناً عالمياً يتجاوز القوميات. وكان الهدف من هذا التوجه دمج الهوية الدينية داخل الهوية القومية العربية، والسيطرة على رجال الدين، لضمان ألا يصبح الدين مصدراً لسلطة منافسة للدولة، بحسب الأستاذ المشارك في الإستراتيجية والسياسة، صامويل هيلفونت، الذي تركز أبحاثه على الشرق الأوسط والعراق.
لقد فعل صدام ما سبقه إليه كل من عبد الناصر وسوهارتو، حيث احتوى رجال الدين وأخضعهم للرقابة وحال دون تشكُّل معارضة إسلامية لحكمه. استخدم صدام حسين الدين أداة إستراتيجية لتعزيز سلطته، وهو ما عُرف بعملية "التبعيث"، وسعى إلى إفراغ المؤسسات الدينية من رجال الدين المستقلين، وملئها بموالين تم تلقينهم أيديولوجية الحزب.
في حزيران/ يونيو 1993، عمل صدام على "أسلمة" المجتمع العراقي على قدم وساق، من أجل تعزيز شرعيته وبقائه في السلطة، فاستخدم الدين في توطيد أركان نظامه المتداعي، ويعزو ساسون هذا إلى خوف صدام من تسرّب دعوة الخميني إلى شيعة العراق
وقد لاحظت الباحثة الإسرائيلية، عوفره بنجيو، أن صدام حسين بدأ استخدام الدين لأغراض سياسية منذ فترة الحرب العراقية الإيرانية، التي أطلق عليها اسم "القادسية الثانية"، في إشارة إلى معركة القادسية بين العرب المسلمين والفرس المجوس. وأطلق على معركة تحرير شبه جزيرة الفاو اسم "رمضان المبارك" وحدّد موعدها ليوافق غرّة شهر رمضان. وسمّى حملة الإبادة الجماعية التي شنّها على الكرد في إقليم كردستان "حملة الأنفال" تيمّناً بسورة الأنفال التي تتحدّث عن غنائم المسلمين من المشركين في غزوة بدر.
والملاحظ هنا تأثير العقيدة البعثية التي تعد الإسلام حركة عربية في المقام الأول، ويتجلّى ذلك في تشبيه صدام الفرس بالمجوس والكرد بالوثنيين. وأطلق أسماءً إسلامية على أسلحته مثل صاروخ "الحسين" وهو صاروخ سكود بي، وصاروخ "أبابيل" الباليستي القصير المدى.
وبعد انتفاضة عام 1991، المعروفة باسم "الانتفاضة الشعبانية"، التي اندلعت بعد هزيمة نظام صدام في حرب الخليج الثانية، تسارع توجّه صدام إلى أسلمة المجتمع العراقي تسارعاً لافتاً، تحت تأثير ضغوط العقوبات الدولية. في عام 1991، ادّعى صدام أنه من الأشراف ونسب نفسه إلى النبي محمد والإمام علي بن أبي طالب، لاكتساب مكانة قدسية ترفعه فوق أي نقد وتجعل معارضته أقرب إلى الكفر، ولكسب تأييد الشيعة، بعد توجّسه من المرجعية الشيعية في النجف وكربلاء.
لم يكتف صدام بنسب نفسه للدوحة المحمدية، وقرّر مجلس قيادة الثورة برئاسته أن أي شخص، باستثناء صدام حسين، يدّعي أنه من ذرية الإمام علي بن أبي طالب، يعاقب بالسجن لمدة سبع سنوات، وفقاً لأستاذ التاريخ والمدير السابق لمركز الدراسات العربية المعاصرة بجامعة جورج تاون، جوزيف ساسون. علماً أنه بعد ثلاثة أيام من وقوع صدام في أسر القوات الأمريكية عام 2003، شُطب اسمه من نقابة الأشراف، واعترف أعضاؤها أنه أجبر علماء الأنساب على تزوير نسبه إلى الأشراف.
وفي حزيران/ يونيو 1993، عمل صدام على "أسلمة" المجتمع العراقي على قدم وساق، من أجل تعزيز شرعيته وبقائه في السلطة، فاستخدم الدين في توطيد أركان نظامه المتداعي، ويعزو جوزيف ساسون هذا إلى خوف صدام من تسرّب دعوة الخميني إلى شيعة العراق، فأضاف عبارة "الله أكبر" بخط يده على العلم العراقي، وشرع في بناء وتجديد عدد كبير من المساجد الضخمة مثل جامع الرحمن الذي تقارب مساحته الإجمالية 200 ألف متر مربع ويتّسع إلى أكثر من 120 ألف مصلٍ، ولولا أن الغزو الأمريكي حال دون استكماله، لكان أكبر مسجد حديث في العالم آنذاك.
كما أسّس جامع صدام (جامع الموصل الكبير حالياً) الذي تبلغ مساحته 75 ألف متر مربع، وجامع "أم المعارك" (أم القرى حالياً)، وجامع الدولة الكبير في الأنبار، وغيره من المساجد والجوامع.
ومن أشهر الحركات الرمزية التي لجأ إليها صدام خلال حملته الإيمانية كتابة المصحف بدمه، وتأسيسه معاهد دينية تابعة للدولة، بعد أن وضعت الحرب العراقية الإيرانية أوزارها. كما حاول -مثل عبد الناصر- التقريب بين المذاهب الإسلامية، لاستمالة الشيعة ودرء خطر تمدّد الدعوة الخمينية إلى بلاده، فأنشأ جامعة صدام للعلوم الإسلامية، لهذا الغرض، بحسب مؤسسها ورئيسها المحقق بشار عواد معروف.
وخلال هذه الحملة الإيمانية، أنشأ صدام "جامعة صدام لإعداد الأئمة والخطباء" عام 1997، لتدقيق واختيار رجال دين يدينون بالولاء المطلق للنظام ويتبنون تفسيراً للدين يدعم شرعية البعث.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
