اعتبروني

اعتبروني "عديم الغيرة"… قصف طهران يطال بيت المخرج العالمي عباس كيارُستَمي

ثقافة نحن والحقوق الأساسية

الأربعاء 25 مارس 20266 دقائق للقراءة

نشر أحمد كيارُستَمي، نجل المخرج العالمي الإيراني عباس كيارستمي (1940-2016)، المقيم في الولايات المتحدة حالياً، یوم أمس الثلاثاء 24 آذار/ مارس 2026، منشوراً مطولاً على حسابه في إنستغرام، معلناً تضرر بيت والده في طهران إثر غارة على منطقة تشيذَر، شمال شرق طهران، خلال الحرب الإمريكية الإسرائيلية على إيران والتي بدأت يوم 28 شباط/ فبراير 2026، وتحدث خلال منشوره عن ذكرياته عن هذا البيت وما تعني له الحرب:

"الليلة الماضية، وفق توقيتنا، داهموا حيّ تشيذر. يقع منزلا أمي وأبي في هذا الحي. البارحة ذاتها، اتصلت بي أمي وأخبرتني بصوتٍ مرتعشٍ ومتقطع أنها بخير. لكن هذا الصباح، وبفضل ثلاثة وسطاء، علمتُ أن منزل أبي قد تضرر. لا أعرف مدى الضرر، هل اقتصر على الزجاج والنوافذ، كما أُخبرت، أم قد حدث ما هو أسوأ.

مدخل بيت عباس كيارستمي في طهران


كنتُ في السادسة أو السابعة من عمري عندما انتقلنا إلى هذا المنزل، قبل أشهر قليلة فقط من 'انتصار' الثورة. المنزل الذي كان أبي يقول عنه دائماً إنه أكثر الأماكن هدوءاً في العالم. في بدايات إقامتنا فيه، استقبلنا ذات ليلة ضيوفاً. كان من المفترض أن أنام في الطابق العلوي، لكن الضوضاء كانت عالية ولم أستطع النوم. جلستُ سرّاً على الدرج أستمع إلى الكبار. كان أحدهم يصرخ ويقول لأبي: 'أنت عديم الغيرة'. لماذا؟ لأن أبي، على عكس كل هؤلاء الأصدقاء، لم يوافق أبداً على المشاركة في مظاهرات تلك السنوات. لم أكن أعرف معنى كلمة 'عديم الغيرة'. في اليوم التالي سألت والدي، فشرحها لي قدر استطاعته، ثم اقتبس قول جدي: 'نحن لا نرفع قبضاتنا إلى السماء؛ لا نقول الموت لفلان، ولا يحيا فلان'.

المخرج عباس كيارستمي في منزله بطهران


كان الثمن الذي دفعناه بالثورة قبل 47 عاماً باهظًا للغاية. كان أقل ما يمكننا فعله هو التعلم من هذا الخطأ. أما أنا، فقد حاولت طوال هذه السنوات ألا أقول 'الموت لفلان' أو 'يحيا فلان'، وأن أركز فقط على ما أعتقد أنه الصواب. ولكن طاقتي استنفدت مؤخراً، وكل ما أفعله هو مراقبة العديد من هؤلاء الأصدقاء في صمت، ورغم غضبي واكتئابي، أذكّر نفسي بأن الجميع يتألم، وأن لكل شخص الحق في اختيار طريقه. لكنني اليوم أمنح نفسي الحق في الانعزال، وأن أتوقف عن تحمل عناء زيارة أصدقاء كانوا أعزاء عليّ، وقد أصبحوا الآن 'ثقلاء' عليّ.

هذا البيت لم يكن مجرد مكان؛ كان أكثر الأماكن هدوءاً في العالم بالنسبة للمخرج الإيراني العالمي عباس كيارُستمي… واليوم، حتى هذا الهدوء لم ينجُ من الحرب



يواصل أحمد كيارستمي رسالته التي انتشرت منذ يومين على مواقع التواصل الاجتماعي في إيران، مخاطباً الإيرانيين داخل وخارج إيران، لا سيما أن عدداً ليس بقليل من الجالية الإيرانية في مختلف البلدان كانت تدافع عن الحرب ضد إيران وتطالب دونالد ترامب أن يضرب البلد وينهي النظام الإسلامي حسب زعمهم، دون أخذ أي اعتبارات أو تداعيات للحرب بعين الاعتبار:

"إن كنتم داخل إيران، فإن قلبي يتألم لأجلكم. مهما قلتم وقررتم، لا أملك ما أقول. الألم والضغط يحيطان بكم من كل جانب. لكن إن كنتم تعيشون خارج إيران و:

إن كنتم قد استخدمتم عبارة 'أطفالنا' بأي شكل من الأشكال خلال هذه الفترة، ولم تُرسلوا أحداً من "أطفالكم" إلى المدرسة طوال هذه السنوات،

إن كنتم قد قلتم بكل قوتكم خلال هذه الفترة: 'سأعيد بناءك أيها الوطن'، ولم تُكلفوا أنفسكم عناء المشاركة في بناء مدرسة أو مستشفى بأنفسكم،

إن كنتم قد قلتم إن المباني لا قيمة لها مقارنة بأرواح البشر، ولكنكم بررتم قتل الأبرياء،

إن كنتم غير مهتمين بقتلة ركاب الطائرات والأبرياء في الشوارع وتلميذات المدارس الابتدائية،

إن كانت الثقافة بالنسبة لكم تقتصر على 'جهارشَنبه سوري' (الاحتفال بالنار ليلة الأربعاء الأخير من السنة الإيرانية) وكيفية كتابة 'النوروز' باللغة الإنكليزية،

إن كانت مشاركتكم في التحسين والتغيير من بعيد، وربما تحت راية طرف آخر،

إن كانت الحرب مع إيران لا تُثير غضبكم إلا في فيلم '300'،

إن كان تغيير اسم الخليج الفارسي يُثير غضبكم، ولكنكم تُبررون لأنفسكم تغيير الحدود،

إن كنتم قد فوضتم قدرة التفكير ومسؤولية كلماتكم إلى قائد أو ملك أو أي شخص آخر،

أنتم، أيها الثوار، اعتبروني في زمرة 'عديمي الغيرة'. ما زلتُ الشخص نفسه الذي لا يقول الموت على فلان أو يحيا فلان، وليس لديّ سبب للجلوس بجانبكم أيضاً.

يقول جالينوس:

كما أن الجسد يُصاب بالحمى،

كذلك تُصاب الروح بالحمى.

وحمى الروح هي لقاء "الثقلاء".

منشور المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية عن تضرر بيت عباس كيارستمي في طهران



من جانبه كتب إسماعيل بقائي، المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية أيضاً، اليوم، في منشور على منصة إكس، في إشارة إلى الهجوم الأمريكي والإسرائيلي على منزل عباس كيارستمي، صاحب أفلام شهيرة مثل "أين منزل صديقي؟" و"طعم الكرز":

"هل تتذكرون عباس كيارستمي، المخرج الإيراني البارز والحائز على السعفة الذهبية في مهرجان كان عام 1997 عن فيلم "طعم الكرز"؟ حتى منزله لم يسلم من قصف القنابل الأمريكية-الإسرائيلية. فهل كان منزل كيارستمي أيضاً جزءاً من "التهديد الوشيك" ضد الولايات المتحدة؟

بعض الخسارات لا تُقاس بحجم الضرر، بل بكمية الذكريات التي تصدّعت.


الحقيقة أن العدوان العسكري الأمريكي/ الإسرائيلي على إيران ليس مجرد حرب ضدّ بلدٍ وأرض، بل هو حرب ضد ثقافة وحضارة وهوية متجذّرة. لكن إيران، بالاعتماد على هذه الجذور نفسها، ستُفشِل أعداءها".

في اللحظات الأخيرة من أعداد هذا التقرير تمكن رصيف22 من التواصل مع بهمن كيارستمي، الابن الآخر للمخرج والمقيم في طهران، وصرح بهمن أن الخسارات كما كان قد أُخبر أخوه، وكما جاء في بداية هذه المادة، اقتصرت على الشبابيك والزجاج، وقد تم تصليحها.

تصريحات بهمن كيارستمي بعثت السرور، لكن القلق يبقى قائماً على الأماكن التي ليست أماكن فقط، بل هي ذاكرة بلد وثقافة ومجتمع، فقد تضرر أكثر من مئة مبنى أثري وتاريخي في طهران وأصفهان ومدن إيرانية أخرى، وفق آخر التقارير. وذلك يتطلب تقريراً مبسطاً، سيأتي في القريب العاجل.

يُذكر أن عباس كيارستمي (1940–2016) يُعدّ واحداً من أبرز المخرجين في تاريخ السينما العالمية، وأحد أهم الأصوات التي خرجت من إيران إلى العالم. تميّز بأسلوبه البسيط والعميق في آن، حيث اعتمد على السرد الهادئ، واللقطات الطويلة، والاقتراب من تفاصيل الحياة اليومية لطرح أسئلة فلسفية عن الوجود والمعنى والإنسان. اشتهر بأفلام مثل "أين منزل صديقي؟" و"طعم الكرز"، الذي فاز عنه بالسعفة الذهبية في مهرجان كان عام 1997.

لم يكن كيارستمي مخرجاً فقط، بل كان أيضاً شاعراً ومصوراً، ونجح في خلق لغة سينمائية خاصة به تمزج بين الواقع والخيال، وتفتح مساحة للتأمل، ما جعله أحد رموز السينما الفنية في العالم، وقد أثر علي كثير من السينمائيين في العالم العربي والعالم، وأُلّفت كتب عديدة عن سينماه.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

في زمن السرديات الجاهزة، نحن نروي الحقيقة…

استقلاليتنا هي ملك لجمهورنا. ساعدنا لنتخطى الظروف الصعبة ونحافظ على صوتنا حراً.

Website by WhiteBeard
Donation image desktop Donation image mobile