"فورور" نزار عبد الستار… مطاردة ذاكرة أمّ بين بغداد ومزادات لندن

ثقافة نحن والتنوّع

الأربعاء 11 مارس 20269 دقائق للقراءة

كلّنا نَحنّ إلى ماضٍ يقينا صقيع حاضرنا، فكيف إذا كان ذلك الماضي قطعة من الفرو التي تشي بالنقاء والدفء والحنيّة، ممزوجاً بألوان الزمن الجميل، حيث عبد الحليم حافظ ومريم فخر الدين وفريد الأطرش وفيلمون وهبي وغيرهم والأهم حنان الأمّ، حيث الطمأنينة الأبدية؟

لا ريب أنّ ذلك الزمن الجميل ماكراً أكثر من دُور المزادات التي تتلاعب بأسعار القطع الفنية، كأنّنا في بورصة وول ستريت، لكنّنا نرغب به، كحاجتنا أحياناً لمزيج من الخديعة والحقيقة معاً، فهو يغني حياتنا بالفرح والحزن والتأمّل والقليل من بهارات الحكمة المتأخرة التي تضفي على طعم الخسارات والنهايات مذاقاً مستساغاً.

يعالج الروائي العراقي نزار عبد الستار في روايته "فورور"، الصادرة عن دار نوفل/ هاشيت أنطوان لعام 2024 والتي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة الشيخ زايد للكتاب لعام 2026، موضوع استعادة الزمن الجميل أو إحيائه، ليس لعيشه من جديد، فهذا من المحال، بل لترميم ما بهت من ألواننا.

فرو الشنشيلا… بداية الحكاية

كثير ما يتهكّم القدر بدلاً من أن يتعطّف، فمن مقصورة لكبار المسؤولين في "كباريه مولان روج"، أطل رئيس وزراء العراق، نوري السعيد، مع وزير الدفاع الروسي، علي سكيتش، يشاهدان غناء وحيدة جميل، المنولوجست، تتفكّه فيه على قيادة النساء للسيارات في بغداد، فأعجب الوزير الشيوعي بالفنانة، وقرّر أن يهديها فرو الشنشيلا بدلاً من الأميرة عابدية بنت الملك علي، التي ربّت الملك فيصل الثاني، لأنّها مثّلت، برأيه، النساء في نضالهنّ من أجل الحرية.

كلّنا نَحنّ إلى ماضٍ يقينا صقيع حاضرنا، فكيف إذا كان ذلك الماضي قطعة من الفرو التي تشي بالنقاء والدفء والحنيّة، ممزوجاً بألوان الزمن الجميل، حيث عبد الحليم حافظ ومريم فخر الدين وفريد الأطرش وفيلمون وهبي وغيرهم والأهم حنان الأمّ، حيث الطمأنينة الأبدية؟

كان صابر عفيف طفلاً وقتها يمسك بيده ذيل فستان أمّه، متشمّماً رائحتها، مراقباً إياها من الخلف وهي تقف أمام أضواء المرآة، تتأمّل جمالها، قبل الخروج لتأدية وصلتها الفنية. أمّا الآن، فهو في الستين من عمره، تاجر أعمال فنية وعميل لدور المزادات الكبيرة في لندن من "كريستيز" إلى "سوذبيز "و"بونهامز"، يطارد حكاية الفورور السواريه الشنشيلا البيج الذي ارتدته أمه يوماً، فيما كان فيلمون وهبي بشاربيه المعقوفين يمطر يدها بالقبل في بغداد، بينما كانت المشنقة تُنصب لأبيه الذي قتل صديقيه على مائدة السمك.

عادة ما تكتب المصائر بحبر الأحلام، فاتبعت وحيدة حلم يقظتها نحو بيروت والقاهرة، بدعم من فيلمون وهبي، لربما يشملها فريد الأطرش بأحد ألحانه، فتخرج من عباءة "مولان روج" إلى مسارح الزمان. لم تستطع أن تأخذ ابنها معها، فلقد انتزعه عمّه منها وفق الوصاية الشرعية، فغادرت بغداد هي وأختها بدرية، عازفة الكمان نحو "ديزني لاند الشرق الأوسط" في ذلك الزمن: بيروت، مؤمّلة نفسها أن تصل إلى "هوليوود الشرق": القاهرة.

قذفت الأقدار وحيدة جميل في مزالق لاعودة منها، ولم يحمها تمسكها بالفورور الشنشيلا حتى في أيام الصيف من برد النهايات السيئة. لم تمنحها بيروت أضواء الفن البراقة، فقرّرت تجربة حظّها في مصر، وهناك استطاعت أن تحصل على دور صغير في فيلم "حكاية حب" وظهرت ترقص في إحدى المشاهد، لكن بدلاً من أن يستقر الفرو على كتفيها، حطّ على كتفي مريم فخر الدين، فيما كان عبد الحليم حافظ يغني "بتلوموني ليه".

تكدّرت مياه وحيدة وفقدت الفورور بخطأ روتيني، وأنقذها فريد الأطرش من الترحيل إلى العراق وغيّره إلى لبنان. وهكذا، افترقت وحيدة عن فورورها، فتجمدت أوصالها بالمرض والحزن في لبنان حتى ماتت.

دارت رحى السنين وأصبح ابن الرقاصة بائع سجّاد عند تاجر السجّاد الحاج عبد الجليل مراد، وهناك عشق الفن، وعرف أنّ هناك لغة غير الأحرف الأبجدية تقوم على مزج الألوان وخيوط السجّاد، ولمع سيطه كتاجر قادر على قراءة لاوعي الزبون، فيجعله وعياً بضرورة إتمام الصفقة والشراء، ومن ثم أصبح طالباً في كلية الفنون، وقادته علاقاته إلى أن يُبعث إلى بريطانيا لدراسة الفنون الجميلة، وفي الحرب العراقية الإيرانية حصل على الجنسية البريطانية، بعدما صدر حكم الإعدام على المتخلّفين عن الخدمة العسكرية في العراق.

يعيش صابر عفيف الآن في لندن، ولديه غاليري صغير للفنون، يلتقط الرسامين المجهولين يرعاهم ويجني منهم لوحات ستباع بآلاف الباوندات فيما بعد، لكنّه أيضاً عميل لعدّة دُور مزادات، حيث يكمن دوره في جلسة المزاد، بأن يتلاعب بقيمة القطع الفنية المعروضة بعد إشارة له من عميل آخر. لقد كان يلتقط رزقه في ظلال الأضواء وبثّ الإشارات والإشاعات عن قيمة عمل فني ما، أكان يستحق تلك القيمة أم لا؟ مقتدياً بنصيحة معلّمه في المهنة العجوز الإيطالي سانتينو: "لا تستعرض ثقافتك، ولا تنبّه إلى الأخطاء، لا تصحح شيئاً، فهم لا يتكلّمون عن الفن، إنّما عن المال". عبر هذه النصيحة اختصر له سانتينو ،الكواليس الخفية لعالم المزادات الذي يتقنّع بحبّ الفن والجمال.

من كتف إلى كتف

تنقّل فورور وحيدة جميل كثيراً، كأنّه طائر مهاجر، فهل كان يبحث عن كتفها بعدما ضاع منها، أم أنّه كان يأنف الأكتاف غير الأميرية والملكية؟ فهو قد صنع للأميرة عابدية. لذلك من بعد كتف مريم فخر الدين حطّ على كتف جيهان السادات، ليستقر أخيراً على كتف الشهبانو الملكة فرح ديبا بهلوي بعدما لجأت هي وزوجها إلى مصر بعد الثورة الإيرانية.

كان صابر كفورور أمّه، متنقّلاً من حال إلى حال، قبل أن يستقر في سوق الأعمال الفنية، محاولاً أن يتشبّث بقوة على أكتاف تلك الدور، كنجمة على كتف الفجر قبل أن يدهمها نور الشمس، لكن تلك الدُور "دمها أزرق"، كفورور أمّه، وهذا ما كانت لافير موريس مديرته في دار كريستيز تخبره به دوماً على الرغم من إعجابها ومكرها الدائم به.

تنقّل فورور وحيدة جميل كثيراً، كأنّه طائر مهاجر، فهل كان يبحث عن كتفها بعدما ضاع منها، أم أنّه كان يأنف الأكتاف غير الأميرية والملكية؟

استطاع صابر أن يتحصّل على أعمال فنية كثيرة، ونال حصّته من أرباحها، لكن فورور أمّه ظل عصياً عليه، لذلك حاول إقناع الدار بأن تقيم احتفالاً للملوك المخلوعين والقادة الهاربين من شعوبهم والجنرالات الذين فقدوا نياشينهم لحظة الهروب، ومن ضمنهم الشهبانو فرح ديبا بهلوي، كي يعودوا إلى الحياة العامة من باب التبرّعات الإنسانية، لعلّه عند ذلك يقتنص فورور أمّه ويعيده إلى كتفها حتى لو كان على شاهدة قبر.

وفي لحظة عدم صبر، اتصل صابر بسكرتير الشهبانو ليخبره بأنّ الفورور الذي ترتديه الملكة يعود لأمّه، لكن السكرتير أغلق الخطّ بوجهه، ومن بعد هذا الاتصال، انفتحت عليه أبواب الجحيم من دور المزادات ومحي تاريخه الفني بلحظة، فلقد تجاوز البروتوكولات، والأحرى نصيحة معلمه سانتينو، والأصح لعبة المال والسلطة، ممّا سيقوده إلى أن يضع كل ما جناه من الأربعة ملايين باوند والغاليري الخاص به في لندن في كفّة، وفي الكفّة الأخرى فورور أمّه وكمان خالته الغالي الثمن جداً، ويختار بينهما.

مطاردة "الفورور"

هناك حسٌّ بوليسي جميل في الرواية، وخاصة في بحث صابر عن فورور أمّه، لكنّه أشبه بشكوك المرأة في أنّ زوجها يخونها، فيظل الغفران قاب قوسين أو أدنى، ما دامت الشكوك تلهب العواطف والغيرة. وهناك أيضاً شعور مؤامراتي في الرواية، يكتنف علاقة صابر بدور المزادات وسوق الفن، لكنّها مؤامرات أشبه بالإنقلابات العسكرية في البلاد العربية. وهناك يقين وشكّ في الحبّ الواقف على إشارة، بين صابر وسيلين، لكنّه ينتظر حتى تكتمل حكاية الفورور.

في خضم هذه الأجواء السردية، يقودنا نزار عبد الستّار عبر سرد لمّاح إلى المعاني البعيدة، من أحداث سياسية واجتماعية، والتي تختفي وراء الأحداث المباشرة، لحياة صابر عفيف، وذلك من خلال الخطف خلفاً إلى الماضي عبر الذكريات، وفي الوقت نفسه، مع محايثة اللحظة الحاضرة، ليس فقط من خلال وجود صابر في عالم الفن والمال ومكر دُور المزادات، وإنّما من خلال مطاردته لفورور أمّه وعلاقته العاطفية بسيلين تلك المرأة التي تشبه السيدة "جينفيرا دي بينتشي" في لوحة دافنشي.

هناك حسٌّ بوليسي جميل في الرواية، وخاصة في بحث صابر عن فورور أمّه، لكنّه أشبه بشكوك المرأة في أنّ زوجها يخونها، فيظل الغفران قاب قوسين أو أدنى، ما دامت الشكوك تلهب العواطف والغيرة. وهناك أيضاً شعور مؤامراتي في الرواية، يكتنف علاقة صابر بدور المزادات وسوق الفن، لكنّها مؤامرات أشبه بالإنقلابات العسكرية في البلاد العربية

سيلين، كانت بالنسبة لصابر، كأنّها من زمن ثان، لا تشبه دُور المزادات، ما زالت تحافظ على أصالتها، فهي أشبه بكمان خالته بدرية الذي وهبها إياه معلّمها الإيطالي للموسيقى وكان هذا الكمان يعود لصانع الكمان الأشهر في العالم أنطونيو ستراديفاري، ولربما هو ما جعل عزفها مميزاً في فرقة رفيق حبيقة.

عندما وضع صابر يده على "الفورور"، بعد صفقة حياة أو موت مع لافير موريس، تحسّسه وتلمّسه، فعادت إليه روائح وملمس ووقفة أمّه أمام المرآة، فأبصر ما كان ينقصه، وتلمّس وتحسّس كتف سيلين التي تشبه أمّه من الخلف في وقفتها، ووضع الفورور السواريه الشنشيلا البيج عليه. ولربما في تلك اللحظات الفارقة من عمره، لهج بينه وبين نفسه بالتساؤل التالي: كيف للحكمة أن تنمو كالطحالب في الأماكن الظليلة الرطبة بالدموع؟ وكيف للحب أن يصبح تذكّراً وعيشاً في الآن نفسه؟ والأهم كيف لك أن تجد زمناً جميلاً على الرغم من كل شيء؟

فورور، نزار عبد الستّار، رواية مكتوبة بسلاسة بوح صابر، وعمق التأمّل ببساطة الحياة كما تفعل سيلين، ومكر وقذارة الحياة كما جسّدتها مديرة دار "كريستيز لافير موريس"، وغنية بالتفاصيل بين خيبات الأمل والإصرار، متناوباً بين أمّه وحيدة وخالته بدرية، وذلك من أجل تحيين الماضي الجميل وجعله حاضراً.




رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

فلنتشارك في إثراء مسيرة رصيف22

هل ترغب/ ين في:

  • الدخول إلى غرفة عمليّات محرّرينا ومحرراتنا، والاطلاع على ما يدور خلف الستارة؟
  • الاستمتاع بقراءاتٍ لا تشوبها الإعلانات؟
  • حضور ورشات وجلسات نقاش مقالات رصيف22؟
  • الانخراط في مجتمعٍ يشاركك ناسه قيمك ومبادئك؟

إذا أجبت بنعم، فماذا تنتظر/ ين؟

Website by WhiteBeard
Popup Image