أكتبُ اليوم باسمٍ مستعار، لأنّ من أعرفهم من الأردنيين لا يتقبّلون الرأي الآخر، ذاك المختلف عن "كتالوغهم" المُعتمد: اللغة الواحدة، الشكل الواحد، والرأي الواحد. أفعل ذلك خوفاً على نفسي، وعلى مشاعرِ أُمّي وهي تقرأ تعليقات إنستغرام حين أكتب ما لا ينسجم مع ذائقة بعض القرّاء.
حكت شابّة سوريّة، وهي صانعة محتوى تُقيم اليوم في أوروبا وتُدعى راما، في برنامج "جعفر توك"، أنّه خلال وجودها في الأردن لعشر سنوات، كانت تتعرّض للتحرّش كلّما خرجت من باب منزلها. وأنا، الأردنيّة، أُصدّقها، بل أرفض أيّ ردّة فعلٍ تتهمها بالكذب أو بالتضليل، أو يصف حديثها بأنّه "اتهامٌ مغرض"، كما حدث.
انتشر مقطع الفيديو الذي يتضمّن حديثها على مواقع التواصل الاجتماعي على نطاق واسع، وكما هو متوقّع، انتُقدت الفتاة بذريعة "التعميم"، وهوجمت بعبارات مثل: "طوّلي بالك، إلنا 31 سنة بالأردن والحمدلله على نعمة الأردن ألف مرّة!"، و"مين أنتِ؟ هيفاء وهبي؟"، و"تستّري، محدّش بتطلّع بوجهك".
عن تجربة شخصية: الأردن غير مريح لجميع النساء، غير مريح لجميع الفتيات والبنات، بلد ذكوري غالباً، يملك الرجال شوارعه. حتى نساؤه لسن بريئات تماماً من إعادة إنتاج هذه الذكورية، فبعضهن يعدن إنتاجها في كل يوم، ويمارسنها ضد نساء وفتيات أخريات كما حدث مع راما
تحوّلت خانة التعليقات إلى جدالٍ بين كُثر من المكذبين والمكذبات، وبين مدافعين ومدافعات يرون أنّ هذا الإنكار في حدّ ذاته دليل على صدق كلام راما. لا سيّما أنّه في الحلقة نفسها، وفي مقطع الفيديو المنتشر ذاته، ظهرت إعلاميّة أردنيّة تُدعى رنا العزّام تنتقد ما اعتبرته "تعميماً" في حديث الشابة السورية، وتوجّه لها نوعاً من اللوم لكونها "لم تشتكِ على المتحرّشين". ليأتي ردّ راما وهو ردّ أُصدّقه أيضاً: "على مين بدّي لحّق ولحّق؟". وحين حاولت رنا إسكاتها، قالت راما: "أنا عندي تجربة شخصيّة، لو سمحتي تحترمي هاد الشي".
وهنا تكمن القصة كاملة ربّما: متى يتم احترام تجربة الآخر؟ متى يُعترف بها دون إنكار أو تكذيب؟ متى نكفّ عن التقليل منها أو لوم صاحبها لأنه "السبب بلا شك في ما حصل له"؟ متى نفهم أن عدم تعرّضك شخصياً للأمر لا يعني أنّه لا يحدث؟ ومتى ندرك أنّ انتقاد تحرّش جنسي في بلد ما لا يعني الإساءة للبلد أو لأهله؟ ومتى نفهم أنّ الانتقاد ليس بالضرورة سلبياً، بل قد يكون خطوة نحو الإصلاح؟
عن تجربة شخصية: الأردن غير مريح لجميع النساء، غير مريح لجميع الفتيات والبنات، بلد ذكوري غالباً، يملك الرجال شوارعه. حتى نساؤه لسن بريئات تماماً من إعادة إنتاج هذه الذكورية، فبعضهن يعدن إنتاجها في كل يوم، ويمارسنها ضد نساء وفتيات أخريات كما حدث مع راما. وبرأيي، راما لم تُعمّم. قالت إنها كلّما خرجت، تعرّضت للتحرش. عملياً: إن كانت راما لا تملك سيارة، فهي ربّما تتعرض للتحرش في كل مرّة تخرج فيها وهي بانتظار سيارة من قبيل "أوبر" و"كريم". فوقوفها في الشارع لانتظار السيارة، ولو لبضع ثوانٍ، قد يعرضها لنظرات مزعجة أو صفير من سيارة مارة. هذا مجرّد مثال على أن التحرّش يصل إلى "باب العمارة" من قِبل السيارات المارقة. حتى وإن كانت تملك سيارة، فإنّ ركنها في الشارع يعرّضها للشيء ذاته. الأمان الوحيد في مثل هذه الحالة يكون في ركنها سيارتها في "كاراج البناية" تحت الأرض. إلا أن وقوفها لاحقاً عند إشارة مرور مثلاً لا يعني الأمان من المحيطين. الخطر الأكبر يظهر إن قررت الذهاب إلى السوق، أو أي مكان عام لا يُصنَّف في فئة خمس أو سبع نجوم في الأردن، وبعيداً من المناطق المعروفة بأنه يسكنها طبقات معينة، مثل دابوق حيث هناك أردن آخر.
في سياق التفاعل مع الفيديو نفسه، خرجت فتاة لبنانية مقيمة في الأردن تنتقد كلام راما، فقوبلت بمحبة الأردنيين في التعليقات. خرجت أيضاً منصة أردنية إلى الشارع لتسأل المارّة عن رأيهم في كلام راما. ضمّ الفيديو عدداً من المشاركات، كلّها تنفي قطعاً بعدم وجود تحرّش جنسي في الأردن. ولا حتى من باب "الموضوعية" أو الحياد، قدّمت المنصة رأياً آخر، ولم يقل أحد إن هناك تحرّشاً بالأردن. بل وهناك امرأة لامتها لأنها ربّما السبب من خلال "مشيتها"، والطريقة التي تمشي بها، ولهذا تمّ التحرّش بها. وهنا نعود إلى الحلقة المفرغة عند كل حادثة تحرّش أو كل حديث عن التحرّش: "شو كانت لابسة؟ كيف كانت تمشي؟ ليه راحت هناك لحالها؟ كيف بتطلع بهالوقت؟"، ألف مبرّر ومبرّر، ولا أحد يعترف بأن الجرم هو فعل التحرّش نفسه، لا فضحه. بل وإن تمويه أي قضية تحرّش بالحديث عما هو محيط بها، جرم آخر.
ولمن يعتبرها تبالغ أو تُعمّم، ربّما يجهل أن التحرّش الجنسي ليس شرطاً أن يكون مسكاً أو لمساً جسدياً، فقد يكون لفظياً، قد يكون عبارة عن "ما شاء الله" كما قالت راما تماماً، أو "بسبسبسبس"، أو نظرة يمكن وصفها بـ"الوسخة" كما نقول بالعامية الأردنية. قد تكون نظرة إيحاء جنسي للعيون، أو مركّزة على جزء معيّن من الجسد، نظرة لا تُزاح حتى وإن واجهت صاحبها بعينيك. وحين تتجرأ الفتاة على الردّ أو التعبير عن الغضب، يتم توبيخها بعبارة مثل: "شو مفكرة حالك عشان أتطلع عليكي؟".
الأردن ليس استثناءً حتى يكون "خالياً من التحرش"، وليس البلد الفاضل الذي لا يمسّه التحرّش. رفض التحرّش هو أقلّ شيء يمكن للفرد أن يفعله
في الأردن، لا يمكنني أن أرتدي ما أرتديه في البلد الذي أُوجد فيه حالياً، ولا أرتدي ما يشبهني أو ما أحبّ أن أرتدي، لأن اللبس يُعدّ، بالنسبة إلى كثيرين منهم، بمثابة إذن بالتحرّش. في الأردن، الخروج بشعر مبلول يعني شيئاً لم أكن أعرفه من قبل! يُقال إن الشعر المبلول "مغرٍ للرجال"، وإن الرجل سيتخيلك وأنتِ تستحمين. في الأردن، لا يمكن لامرأة أن تضع مرطب شفاه أو أحمر شفاه في الأماكن العامة، لأن هذه الحركة قد تُعدّ إغراءً في قاموس الأردن، وتُعتبر دعوة لممارسة الجنس معها. لم أكن أعرف أياً من هذا ولكنني سمعته.
الأردن ليس استثناءً حتى يكون "خالياً من التحرش"، وليس البلد الفاضل الذي لا يمسّه التحرّش. رفض التحرّش هو أقلّ شيء يمكن للفرد أن يفعله: الوقوف بصفّ الضحية، أن يستمع دون أن يدافع أو يبرر، ومن ثم يصدّق، ومن ثم يغضب… ويغضب كثيراً. ويقرر ألا يُساهم في هذا الجُرم بأي شكل من الأشكال، لا من خلال التساؤلات التي تلوم الضحية، ولا من خلال الدفاع عن المتحرّش، ولا من خلال إنكار وجوده في أي بلد أو مكان أو لدى أي مجموعة من البشر كانت. نصدّق راما، نصدقها كثيراً، وكل شخص أنكر كلامها شارك في الجُرم.
*نسبة النساء اللواتي أبلغن عن تجارب تحرّش في الأردن في الأشهر الـ 12 الماضية تصل إلى 23%، بينما تصل النسبة مدى الحياة إلى نحو 48%، مع انتشار النظرات غير المرغوبة والتحرش اللفظي (منظمة الأمم المتحدة للمرأة، 2022).
*قالت أكثر من 50% من النساء الأردنيات ونحو 73% من النساء السوريات اللاجئات اللواتي طلبن استشارات قانونية بشأن قضايا في مكان العمل بشكل غير رسمي، بأنهن تعرضن للتحرّش الجنسي بأشكال مختلفة في مكان العمل (النهضة العربية من أجل الديمقراطية والتنمية، 2018).
*75.3% من النساء الأردنيات و78.5% من النساء السوريات اللاجئات يمتنعن عن الإبلاغ عن التحرّش الذي يتعرضن له خوفاً من الانتقام (النهضة العربية من أجل الديمقراطية والتنمية، 2018).
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
