قبل مكة والقدس… حج مصري لم ينقطع منذ آلاف السنين

قبل مكة والقدس… حج مصري لم ينقطع منذ آلاف السنين

ثقافة نحن والتاريخ

السبت 7 فبراير 20269 دقائق للقراءة

رحلة سنوية يقطعها مصريون يسعون للمحافظة على الحضارة والطقوس والعادات المصرية القديمة؛ إنها رحلة الحج الأبدي إلى أبيدوس، مقام رأس أوزير، ليس فقط للتبرك به أو استعادة روحه الحائمة على شكل طائر، لكن أيضاً في محاولة لفهم إيقاع الكون وطاقته، وبث الروح في جسد الحياة.

هذه الرحلة تستدعي طقساً "فرعونياً" قديماً، تعود تفاصيله وبداياته إلى ما قبل عصر الأسرات المصرية المعروفة، التي بدأت نحو عام 3200 قبل الميلاد من أسرة الملك مينا نعرمر.

تقوم الديانة المصرية القديمة على فكرة أشبه بالتناسخ الروحي، فنفس الإنسان"الكا" تسكن جسده خلال حياته، في حين أن روحه "البا" تتحول إلى طائر يحوم في السماء بعد خروجها من الجسد، وتتواصل بين حين وآخر مع أهله وأحبائه. ويؤمن المصريون بعقيدة الحساب في العالم الآخر، وينطلق هذا الإيمان من محكمة تضم مجموعة من الكائنات المقدسة، التي تم الاصطلاح عليها خطأ بصفتهم آلهة، وفق الكتاب.

غلاف كتاب "ذكريات الحج الأبدي" لسامي حرك

في كتابه "ذكريات الحج الأبدي" الصادر في القاهرة، يتناول الكاتب والباحث في الحضارة المصرية القديمة، سامي حرك، مفاهيم مغلوطة عن الدين والمقدس في مصر القديمة، تداولتها دوائر مختلفة. يسعى الكاتب لفضّ اشتباكات في المصطلحات، فمثلاً يقول: "نحن مصريون ولسنا فراعنة"، وإن ربط التاريخ المصري بالفراعنة فيه نظرة عدائية تريد إظهارهم بوصفهم "ظالمين"، ويرفض وصف المصريين بالكفار أو الوثنيين، ويعتبرهم صوفيين توحيديين.

النتر... الكائن الإلهي المقدس

يبدو أن ترجمة كلمة "النتر– النثر" إلى رب أو إله، والتي تقابل في الإنكليزية "God"، هو ما أدى إلى شيطنة الحضارة المصرية وتصويرها متعددة الآلهة، في حين أن الكلمة ترجمتها هي "المقدس". ويلفت المؤلف إلى أن أسماء مقدسة مثل "رع" و"أتون" و"آمن" و"أوزير" و"إست" و"نيت" و"بتاح" و"غنوم"، تعامل معها البعض مثل آلهة وأرباب العراق واليونان والرومان، دون الوضع في الاعتبار خصوصية كل حضارة.

في مقام رأس أوزير، تتقاطع الأسطورة مع الطقس، ويتحوّل الحج إلى فعل صوفي قديم يسعى فيه المصري إلى البعث، لا بعد الموت فقط، بل في قلب الحياة نفسها

سامي حرك، المعروف بجهوده لحماية والحفاظ على الهوية المصرية، عبر مظاهر شتى منها الاحتفال برأس السنة المصرية (أول توت) والاحتفال بموسم الحج المصري القديم بزيارة أبيدوس، يؤكد في حديثه لرصيف22 أنه يحاول بقدر ما يستطيع تصحيح المفاهيم الخاطئة حول الحضارة المصرية القديمة، وهو ما حرص عليه في كتابه عن الحج الأبدي، وكذلك في الرحلة نفسها التي يقوم بها سنوياً هو ومجموعة ممن يعتزون بتلك الحضارة ويسعون لإحياء مفرداتها وطقوسها وعاداتها.

وسبق أن أوضح صاحبا كتاب "متون هيرمس" تيموني فريك وبيتر غاندي في كتابهما، أن الحضارة المصرية تعرضت للظلم ومحاولة تصويرها كحضارة وثنية، في حين أنها حضارة توحيدية ترتكز على وجود قوة عظمى خلقت وتدير الكون، بينما الآلهة أو الشخصيات المقدسة التي تم تجسيدها في تلك الحضارة فهم أشبه بـ"كائنات إلهية"، بمعنى أنها وصلت من الحكمة والصفاء والنقاء لمرتبة جعلتها أقرب إلى صفات الكائن الأعلى، الخالق والمتحكم والمسيطر.

غلاف كتاب "متون هرمس"

وفق ذلك فالمصريون أحديون صوفيون، يتمثلون الرحمة والحكمة والإحسان في حياتهم؛ يتمنون الوصول إلى المقام المثالي الربوبي الذي يرجون اندماجهم فيه، من خلال تتبع صفات وأحوال الذات المقدسة الواحدة، وفق تأكيد صاحب الكتاب.

من هذا المنطلق يتوجه مصريون منذ آلاف السنين لأداء طقوس الحج بزيارة مقام رأس أوزير في أبيدو المعروقة حالياً بأبيدوس في سوهاج (نحو 500 كيلو متر جنوب القاهرة) حيث يوجد الأوزيريون، القبر الرمزي للمقدس أوزيريس، المعروف بربّ الموتى وملك الحياة الأخرى. فهو رمز لإعادة بث الحياة في البشر، وفقاً لأسطورته الشهيرة.

الحج باتجاه الأسطورة

تقول الأسطورة إن أوزيريس وزوجته إيزيس كانا يعيشان في سعادة ورغد من العيش كملك وملكة على العالم، بينما كان شقيقه "إست" يحسده. فقرر التخلص منه بصناعة تابوت من الذهب على مقاس أوزيريس وأقام حفلاً ضخماً، وقال لمن في الحفل إن من سيأتي هذا التابوت على مقاسه فسيكون من نصيبه. حاول كل شخص أن يجرب حظه ويدخل التابوت. وحين جاء دور أوزيريس ودخل التابوت، أمر إست أعوانه بإغلاق التابوت على شقيقه وإلقائه في البحر.

حين علمت إيزيس بما حدث لزوجها بكت بمرارة وحرقة (هناك روايات تقول إن نهر النيل تشكّل من دموعها). ثم خرجت إيزيس للبحث عن زوجها حتى وجدت التابوت على شواطئ لبنان. عادت بالتابوت وحاولت بث الروح في جسد زوجها، إلا أن إست كان يترصدها، فحصل على الجسد وقرر تقطيعه إلى 42 قطعة، ودفن كل قطعة في مكان مختلف.

قامت إيزيس بجمع الأجزاء المختلفة لجسد زوجها، وأنجبت ابنهما حورس الذي انتقم لأبيه واسترد العرش. والشائع أن أبيدوس هو مكان دفن رأس أوزيريس الذي أصبح ملكاً للعالم الآخر، أي عالم الموتى.

الحج إلى أبيدوس لم يكن بحثاً عن بركة عابرة، بل محاولة لفهم إيقاع الكون، واستعادة صلة الإنسان المصري بروحه التي لا تموت

وبحسب أكثر من مصدر تناول هذه الأسطورة، من بينها ما يقوله سليم حسن في موسوعته "مصر القديمة"، فإن رمزية قصة أوزيريس تشير إلى عقيدة البعث بعد الموت، وتعِد بالنعيم في الحياة الأخرى، وقد انبثقت معظم المعتقدات والعبادات المصرية اللاحقة من هذه القصة، بل امتدت تأثيراتها بطقوسها الدقيقة إلى حضارات أخرى، وفق ما يؤكده جيمس هنري بريستد في كتابه "فجر الضمير" الذي تتبع خلاله النصوص المصرية القديمة التي تعلي من المثل والقيم العليا مثل الخير والحق والجمال والعدل، وكيف شكلت هذه القيم فكرة الضمير عند المصري القديم وانتقلت منه إلى حضارات أخرى.

أكثر من مظهر للمعتقدات المصرية القديمة نراه في العصر الحالي في ديانات مختلفة، مثل الصلاة والصوم وحتى التبرك بالأولياء والقديسين، وهي طقوس ممتدة منذ العصور المصرية القديمة وحتى اليوم، وفق صاحب كتاب "ذكريات الحج الأبدي".

يرصد الكتاب مدينة أبيدوس كمركز للآباء المؤسسين للاتحاد المصري في عصوره الأولى، وبهذه المدينة مقام رأس أوزير، وينظم الحج للمدينة المقدسة البرابي، وهي المعابد المنتشرة في كل ربع مصر، والتي كانت لها العديد من الوظائف العلمية والعملية والترفيهية وحتى العلاجية بخلاف دورها الديني.

ويؤكد مؤلف الكتاب، سامي حرك، التشابه الكبير بين الحج وطقوسه ومفرداته بين كل الأمم، من التطهر بالماء وارتداء الملابس على الأجساد العارية، والطواف والأدعية والابتهالات والصلوات. فهذه الطقوس كلها مشتركة بين الأمم، سواءً كان في الثقافة الطاوية أو الهندوسية أو الإسلامية، أو غيرها من صنوف الحج التي بدأها المصريون القدماء وواظبوا عليها منذ آلاف السنين، بدعم وإرشاد من الكاهن المصري ومؤسسة البرابي.

طقوس الحج في أبيدوس

تتلخص أيام الحج في 14 يوماً في شهر كهيك المصري القديم (من 15 إلى 28 كهيك) ويقابله في الميلادي 24 كانون الأول/ ديسمبر وحتى 6 كانون الثاني /يناير. يبدأ بتوافد الحجيج عبر مراكب نيلية أو سيراً على الأقدام من كل ربوع مصر، في ملابس كتانية بيضاء ملفوفة على الخصر، حاملين شتلات أشجار ليزرعوها بجوار مقام أوزيريس، هديةً لروحه ورحمة لروح أمواتهم، مع العلم أن أوزير نفسه يعني بالترجمة الحرفية "المرحوم"، فهو رمز للرحمة والنعيم في العالم الآخر. ويستغرق طقس عيد الشجرة الثلاثة أيام الأولى من الحج، ويشارك فيه الحجاج جميعاً مع الكهنة.

تجسيد لرحلة الحج إلى أبيدوس (من صفحة سامي حرك على فيسبوك)

ويؤكد حرك أن هذا الطقس أي زراعة الأشجار هو الأكثر شيوعاً ووضوحاً، يواظب عليه الحجاج الجدد خلال زيارتهم إلى أبيدوس، حيث يقوم كل شخص بزراعة شتلات الأشجار في محيط المقام.

زراعة شتلات الأشجار في محيط أبيدوس

بعد ذلك يأتي يوم النذور بتقديم الهدايا والالتزامات التي وعد الحاج بتقديمها لأوزير، وكانت النذور تخصص للكاهنات، رديف الربات المنذرات وليس للكهنة الممثلين للأرباب.

وفي اليوم الخامس والسادس والسابع يستمتع الحجاج بمسرحية تمثيلية هي من أكثر طقوس الحج إثارة، وتسمى هذه الأيام "العبْط والنجر"، حيث يشرف الكهنة على تشكيل فريقين يجسدان الملحمة الأوزيرية؛ فريق يمثل الجانب الأوزيري وآخر يمثل جانب أخيه ونائبه "سوت" أو "ست". ويبرر هؤلاء ما قام به "ست" من تقطيع جسد أخيه، بارتكاب الأخ أوزيريس علاقة آثمة مع زوجة "ست" وهو غائب عن الوعي من أثر الشراب. كلٌّ من الطرفين يلقي بحججه وأسبابه ودوافعه لما حدث في القصة الشهيرة. وينتهي الأمر بمعركة التحطيب والعبط، أي الاشتباك بين أنصار الفريقين.

ثم يأتي اليوم الثامن ويسمى يوم السعي، وفيه يقلد الحجاج إيزيس وهي تنبش في الأرض بحثاً عن أجزاء جسد زوجها، ويسمى هذا اليوم "مسختيو"، ومنه جاءت كلمة "المساخيط" التي تطلق على التماثيل القديمة.

ثم اليوم العاشر وهو يوم المزواد أو وليمة العشاء الأبدي المقدس. وتقدمه كاهنات الربات الحاميات للحجيج، ويمثل هذا العشاء المطبخ المصري منذ آلاف السنين. وفي اليوم العاشر يقدم الحجيج الهدايا"الحِبِّيّة" أي التي بلا مقابل للكاهنات والكهنة، من الحبوب أو الأقمشة أو الطيور أو الأضاحي.

ويخصص اليوم الحادي عشر للطواف حول مقام أوزير، وفاء لوعد قطعَه الصقر حورس (ابن أوزير) على نفسه أن يظل حارساً لمقام أبيه. وهناك نصوص تسجل معجزات وقصصاً مدهشة لمرضى تماثلوا للشفاء بعد أداء طقس الطواف حول المقام الأوزيري.

ثم يأتي اليوم الثاني عشر وهو يوم الذكر، وفيه يجتمع الحجاج في صفوف يرددون أناشيد وتراتيل النصر، محركين رؤوسهم ناحية اليمين والشمال مثل التفاتات رأس الصقر، وهو طقس يشبه حلقات الذكر الصوفية في العصر الحالي.

أما اليوم الثالث عشر فيخصص للتطهر بمياه النهر العظيم والتعطر والتطيب. واليوم الأخير يشهد ذروة الحج بطقس رمزي يسمى "عمود الجد" حيث يرفع الكهنة عموداً خشبياً مغطى بالكتان الأبيض على شكل مومياء، لتجسيد قيامة أوزير، وسط الصيحات والصلاصل ودقات الطبول.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard
Popup Image