للمرة الأولى أنتبه إلى أنني أكبر من معرض القاهرة الدولي للكتاب. بلغتُ الستين، وهو يصغرني بثلاث سنين. أشعر بالزهو وأنا أدخل المعرض (21 كانون الثاني/يناير-3 شباط/فبراير 2026). لا يصيبني الاعتياد بالممل. كل كتاب جديد لمؤلف ممن أثق بهم دعوة إلى الدهشة، موعد مع إعادة النظر لن تخلو من متعة. في الدورة الجديدة، جرَّبت البحث عن مصريَيْن أثارا جدلاً، بالحضور الجماهيري الطاغي في دورات سابقة، فوجدت كاتباً سعوديّاً لم أستطع رؤيته. المسكين ظل بضع ساعات رهين الكشك، محاطاً بمعجبين ينتظرون توقيعه، لا وقت لتعويض المشقة بطعام، ولا تغنيه المشاريب. لم أجد زاب ثروت ولا محمد المأمون. وجدت أحمد آل حمدان.

فوجئ رواد معرض الكتاب، عام 2015، بمظاهرة حاشدة. آلاف من الشبان والصبايا يتدافعون للحصول على نسخة من كتاب "حبيبتي"، لمغني راب اسمه زاب ثروت. في يوم واحد نفدت عشرون ألف نسخة. والمؤلف أتعبه التوقيع لمحظوظين موعودين بالنسخة وبالتوقيع. والذين خاب أملهم وعدهم الناشر بطبعة جديدة، في اليوم التالي، من الكتاب الذي فوجئ مؤلفه بنجاحه، فأصدر بياناً لإيضاح أن "الكتاب ببساطة رسائل تتناول معنى كلمة حبيبتي ومن يستحقها في حياتك... الأم والأخ والابنة والزوجة والوطن". سأعود إلى المغني بعد القفز عشر سنوات. في الدورة الماضية (2025) اختلط عليَّ أمر مؤلف كاتب وكتابه. هل "الديبو" عنوان رواية، أم اسم رمزي لمؤلفها محمد المأمون؟
وصّاني آدم، ابني، بشراء رواية "الديبو"، وأعاد التأكيد: "لازم تتصرَّف" قبل نفاد الكتاب. وهذا ما جرى. فاجأني غزو جمهور من الفتيات والفتيان لجناح دار النشر، سبقوا الديبو وتبعوه، وأحدثوا ارتباكاً وتلفيات في الصالة، وتعالت الصيحات: "ديبو، ديبو"، وهو في الزحمة لا تلتقطه الكاميرا، حتى ظهر مخفوراً بالذين يوسعون طريقه، وسرعان ما استُبدل بهم أنصار من المحبين الشبان، حظوا بالتعلق بذراعيه، وتولوا حراسته، ومن بعيد تتساءل أصوات: "هو ده؟"، وتأتي الإجابة: "هو".في اليوم التالي وسَّطتُ صديقًا في إحدى دور النشر، لشراء نسختين، لآدم وزميله. آدم لم يقرأ لي رواية ولا كتاباً، حتى كتابي في أدب الرحلة "سبع سماوات" المهدى إليه.
هل تحوّلت معارض الكتب إلى مسرح لنجومية عابرة، حيث تصنع الحشود نجاحات سريعة لا تترك أثراً في الذاكرة، بينما تمضي القراءة العميقة بصمت؟
ذهبت هذا العام ولم أجد زاب ثروت، ولا كتاب "حبيبتي". سألت عنه فلم يعرفه أحد من الشباب في طوابير تنتظر الوصول إلى كشك أحمد آل حمدان. فتيات وفتيان في سن الذين احتشدوا لزاب ثروت قبل إحدى عشرة سنة. لا أدري ماذا فعلوا بكتاب "حبيبتي". ربما نما وعي جمهور زاب ثروت.لعل البعض رأى في ذلك الكتاب، الذي لا يتذكره الآن أحد، خطوة في التدرُّب على القراءة. ربما سخر البعض من نفسه سخرية المتأمّل ألعابَه وأدواته وثيابه وهو طفل. لعلهم اتجهوا إلى قراءات أكثر عمقاً لا يعقبها التخلص من الكتب، ولا النظر إليها بسخرية. فهل نضج جمهور "الديبو" بعد سنة واحدة؟
أكملت قراءة "الديبو.. الدائرة الأولى" قبل آدم، وجاملته بإبداء الإعجاب. ولا أتذكر الآن من الرواية أي شيء: لا اسم شخصية، لا موضوع، لا موقف درامي، لا جملة تدهشني وأستعيدها وأقول: "الله". تسرَّبتْ تماماً، وأراحت ذاكرتي غير المثقلة بها. ويوم السبت 24 كانون الثاني/يناير 2026 دخلتُ المعرض من البوابة الأولى، فقابلتني الحشود. سألت فجاءت الإجابة: "توقيع". كلمة واحدة يفترض قائلها الشاب أنني أعرف، فهؤلاء حضروا مبكراً من أماكن مختلفة. جاءوا فرادى ولم يتفقوا معاً. يتفقون فقط على مؤلف في الكشك. ظننته الديبو حديث العهد بالزحمة والتدافع. لعل جمهوره ينتظر الجزء الثاني من "الديبو.. الدائرة الأولى". هل العمر الافتراضي للظواهر الكتابية سنة واحدة؟
تجوَّلتُ ثلاث ساعات، ورجعتُ ببرنامج اليوم مطبوعاً. أحصيت 34 نشاطًا في عدة قاعات، يضاف إليها تسع حفلات توقيع في بلازا 1، وخمس حفلات توقيع في أجنحة خمس دور النشر. وفي نهاية البرنامج، بعد حفلات التوقيع، عنوان "الكشك" يعلن عن توقيع أحمد آل حمدان "جومانا". لا يحمل أي من منتظري الكاتب السعودي نسخة من البرنامج. لا يحتاجون إليه. أعضاء النادي السري يستغنون، بشفرة خاصة، عن نشر خبر حفل التوقيع. على السور المنظم للحشود وقفت سيدة تنتظر حفيدتها التي قالت إن الكاتب يوقع لكل فرد نسخة واحدة من إحدى رواياته، جومانا أو أي عمل آخر يحمله المريد. المهم لا توقيعين للشخص الواحد.
تركت الطابور منتظري التوقيع أطول مما كان في الصباح. أردتُ الاستراحة، ولا مقعد في مقاهي الساحة. دخلت قاعة للاستراحة، لا أعرف الندوة السابقة ولا التالية. قبل الخروج دخل الشاعر ماهر حسن، ظننته يستريح مثلي، فأخبرني أنه سيتكلم في ندوة تبدأ الآن عن صنع الله إبراهيم. كنا ستة، منهم الناقدة اللبنانية الدكتورة سمية عزام وأنا بالمصادفة. وراءنا ثلاثة موظفين لا علاقة لهم بالندوة،ويتكلمون همساً. وأمامنا ثلاثة متحدثين: ماهر حسن والدكتور شحاتة الحو والدكتور محمود عبد الباري. بعد عشر سنين سيكبر قراء "جومانا" آل حمدان، ويقرؤون أعمال صنع الله، ويعجبون لخواء الندوات، وازدحام طابور حفل توقيع ديبو جديد أو حمدان آخر.
حين تصير الكتابة سلعة خاضعة للطلب الجماهيري، لا يبقى منها غداً سوى ما يصمد أمام قسوة الزمن
ظاهرة هذا النادي، أو التنظيم السري للقراءة، تستحق التأمُّل النفسي والاجتماعي، لا الاستعلاء النقدي والسخرية من تواضع الكتابة. في كتابي "فتنة الكتابة.. أربعون كتاباً ورواية"، الصادر في نهاية أيام المعرض عن دار صفصافة في القاهرة، لم أنتبه إلى هذا التنظيم الذي يحتشد بشفرة خاصة، ويتبادل الرأي داخل مجموعات القراءة. وقد ناقشتُ ظاهرة مؤلفين يجهلهم النقاد، ولا ينشرون في الصحف والمجلات المتخصصة، ولا تُذكر أسماؤهم في دراسة ولو عن السياق العام للظواهر الأدبية. نجوم يستغنون عن هذا كله بجحافل تتبادل الكتب والأخبار والتشجيع. ظاهرة تأخذ وقتها وتمضي من دون أثر، إذ تعتمد على ذائقة معطوبة تغذَّت بكتابة منزوعة الخيال، وتراها "الإبداع".
حين تصير الكتابة منتجاً تجاريّاً خاضعاً للطلب الجماهيري، فلا تترك نشوة النجاح فرصة للتدبر والتساؤل: ماذا يبقى غداً من هذه الكتابة؟ في تاريخ الأدب ظواهر لا تردع من ينزعون عن الكتابة قداستها، ويهبطون بها إلى مستوى السلعة، ويغريهم خدعة الانتشار المؤقت، ولا يخشون قسوة الزمن في اصطفاء ما يصمد مما ينفع الناس، بعد ذهاب الزبَد. قبل التفات السينما إلى أعماله، كاننجيب محفوظ يكتب السيناريو لأفلام يخرجها صلاح أبو سيف، وكان لروايات رومانسية لكاتب مصري رواج جماهيري، كتباً مطبوعة وأفلاماً سينمائية. والآن لا تعيد دور النشر إصدار أعماله، ولا يعرفه قراء الجيل الجديد، بمن فيهم جمهور ثروت والديبو وآل حمدان.
من حسن حظ الكاتب المجايل لمحفوظ أنه مات قبل أن تدركه نهاية كاتب انحسرت عنه الأضواء، وقضى عقدَيه الأخيرين لا يأبه له القراء، لا يسألون هل هو حيٌّ أم مات؟ فمن يعتبر الفنون بضاعة سيكون ضحية قسوة السوق، ودكتاتورية مزاج متغير لأصحاب "الطلب". في عام 1969 صدرت رواية "حمام الملاطيلي" لإسماعيل ولي الدين. من فاتته الرواية شاهدها فيلماً لصلاح أبو سيف، وظلت الأجيال تلاحق الفيلم المختبئ في أشرطة الفيديو؛ للتلصص على جسد نجمة الإغراء. النقاد أهملوا ولي الدين، ولم يحزنه ذلك، وربما لم ينتبه؛ لأنه استبدل بهم جمهور السينما، ووجد عزاء في انتقال "رواياته" من سخونة المطابع إلى أشرطة السينما.
بالحفاظ على الجمرة داخل نسيج النصوص تُستعاد الروح، ولا تنفد نارها المقدسة. وسوف يدرك أعضاء النادي هذا المعنى، ويتذكرون أيام البراءة، ويشعرون بالامتنان لنجوم جذبوا انتباههم إلى الكتاب، وجعلوهم طرفًا في فتنة القراءة.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
