تزخرُ المدوّنة العرفانية والصوفية الإسلامية بحكايات تتخذ شكل المثل والملحمة، تُجسّد مجاهدة النفس وترويض الروح، تارة مرويةً عن أحوال السالكين وتجاربهم، وتجيء تارة رمزياً يُقصد منه التهذيب للعبرة، وفي هذا الباب تلوح حكاية "الشيخ صنعان/الصنعاني" بوصفها من أشهر مرايا العشق والابتلاء.
أول ظهورٍ ذائعٍ لهذه الحكاية كان عند فريد الدين العطار النيسابوري (553-627 هـ/1158-1229 م) في "منطق الطير". عند العطار، تتحدث القصة عن شيخ صوفي جليل يقع في عشق فتاةٍ نصرانية، فيضحّي بمقامه الديني ويجتاز سقوطاً ظاهرياً قاسياً، ليبلغ عبر العشق والفناء تحوّلاً روحياً أعمق، وتنتهي القصة بهداية الفتاة وعودة الشيخ وقد تكسّرت أناه.
قصة الشيخ صنعان قد صاغها الشاعر الكردي فقيه طيران (968-1053هـ/1561-1644 م) في ملحمة شعرية مكونة من 363 رباعية، تُغنّى وتُنشد من قبل القوّالين والشعراء إلى يومنا هذا، ويُحيلُ شاعرنا الفضاء المكاني إلى مدينة صنعاء اليمنية، ليس كأصل مكانيّ للشيخ وإنما كفضاء للقصّة نفسها، تلك التي يسردها عن شيخ له نحو خمسمائة مُريد، يسترسلُ في مديح تقواه وصلاحه وكيف أنّه تاب على يديه عشرات الضالين.
مقام الوقار وفتنة الإشارة
شيخ متصوّف يدعى "الشيخ الصنعاني" نسبة إلى صنعاء اليمن، له نحو 500 مُريد، وهو ذو كرامات وورعٍ وتقوى، يرى رؤيا تقلب حياته رأساً على عقب، وتُخرجه من دياره، يهيم على وجهه بحثاً عن تفسير رؤياه، حيث أنّه ووفق التصوّر الصوفي رؤيا الأولياء حقّ.
لم يكن سقوط الشيخ الصنعاني خروجاً من الطريق، بل دخولاً في عمقه؛ إذ لا يبلغ العشقُ مقامه الأعلى إلا حين تنكسر صورة الولاية وتفنى الأنا في الامتحان
وجد في رؤياه المتكرّرة أنّه يحتضن صنماً مصنوعا من الذهب، فيفسّر رؤياه بأنّ عليه أن يجمع شمله ويسيح على وجهه إلى بلاد "الشِرك"، وهي بحسب الشاعر فقيه طيران بلاد أرمينيا (أرمنستان) والتي تدين بالمسيحية، لكن مُريديه وطلّابه حين يسمعون بالأمر يُحاولون ثنيه ونقاشه، لكنّه يقطع عليهم النقاش ويشدّ الرِحال إلى بلاد الأرمن سعياً خلف رؤياهُ الحقّة.
يتبعه البعض ويتركه البعض، وحين يصلُ هناك، يجد فتاةً من الأشراف غاية في الجمال على أحد الشرفات، فيهيمُ بها، ويعرفُ أنّها تأويلُ رؤياه، وهو حينها كان قد بلغ من العمر نحو سبعين سنة، ويتردّد على مكان يرقبُ فيه الفتاة التي يهيمُ بها. وحين ترى الفتاة ذلك تطلبه لتستفسر منه الأمر، فيحكي له عن هيامه بها، لكنّها تستنكر الأمر أيما استنكار، بينما الشيخ مصرّ على هيامه.
حين تجدُ الفتاة أنّ الشيخ مصرٌّ على أمره، لا يُثنيه تقريعٌ ولا مجاراة لفارق العمر بين فتاة في ريعان الشباب وشيخٍ في السبعين من العمر، تختبره ما يُمكن اعتباره أصعب اختبار بالنسبة لشيخ.
اختبار "الخنزير"
في معظم حكايات الصوفية نجدُ دائماً كما هو في حكايات الملوك، فتاة مع شروط تعجيزية لبطل الحكاية والتي يتجاوزها بصبر وصلابة عادة، لتدور رحى الحكاية حول قوة الحبّ والإرادة التي لا تُقهر. في هذه الحكاية أيضاً، يكون الشرط مستحيلاً، حيث تطلب الفتاة من الشيخ الصنعاني أن يقوم بثلاث؛ ترك الإسلام والدخول في المسيحية، وحرق القرآن، وشرب الخمر، وتزيد أخيراً رعي قطيع من الخنازير لحولٍ كامل، لكن الفتاة التي ظنّت أنّها أبعدت الشيخ عنها فوجئت بقبول الشيخ لكافة الشروط، وهنا انفضّ عنه معظم مُريديه ممن جاؤوا معه وقطعوا معه الأنهار والقفار.
أحد مُريدي الشيخ تضرّع إلى الله أن يُعيد الشيخ إلى رشده، ومن شدة تضرّعه رأى النبي محمد في رؤياه وهو يقول له: اذهب فقد عاد شيخك إلى رشده، وهنا تتزامن رؤياه مع رؤيا للشيخ، الذي يجد نفسه فجأة وكأنّه كان في حلم طويل، فيقول: ويحي! ما الذي أفعله راعياً للخنازير! وهنا يترك كلّ شيء ويعتزم العودة إلى زاويته ومريديه.
دفوف العودة
حين يستشعر الشيخ الصواب والعودة للرشد يذهب إلى مريديه، الذين يستقبلونه استقبالاً مهيباً بالدفوف في مشهدٍ يُعيدُ إلينا الابتهال والتضرّع والاستقبال والحفاوة.
تقول القصة إنّ الفتاة حين ترى أحوال الشيخ تدخل هي أيضاً في ملّته وتعشقه بحقّ، ويصلان إلى مُراد العشق في الدنيا والآخرة.
في حكاية الشيخ الصنعاني لا تُدان الخطيئة ولا تُبرَّأ، بل تتحوّل إلى إشارة؛ فالعشق حين يكتمل لا يقيم في الشكل، بل يعبره نحو التجلّي
يقول الشاعر فقيه في النهاية إنّه بِسردِ هذه الملحمة في رباعياته هذه إنما يتكلّم عن أحوال العشق لديه، وهذا ما طوى المسافة بين مدينة مكس بكردستان العثمانية وحتى صنعاء اليمن، حيث كان المتصوّفة يستدلون بدرجات العشق الإلهي بالعشق الدنيوي الذي لطالما تمثّل في صورة الأنوثة.
ويحاول فقيه طيران القول كما الكثيرون مثله في مقامات العشق الإلهية إنّ العشق يُعمي عن الحركات ويجعلها رموزاً نحو المقام الأعلى، لذا لم يتحرّج الشيخ الصنعاني من العشق وهو في السبعين طاف بلاداً حتى بلغ مراده وشرب خمراً وقطع دروباً، لأنّه رأى تجلّي الذات الإلهية هناك، في بلاد الأرمن في وجه فتاة مسيحية الدين.
وهنا نستحضر ما قاله الشاعر الكردي الأكبر الملا الجزري تعليقاً على ما فعله الصنعاني بقوله:
مَيْ نَه نُوشِي شَيْخِ صَنْعَانِي غَلَطْ أَو نَه چُو نِیڤْ أَرْمَنِسْتاني غَلَطْ
مِثْلِ مُوسَی وِی تَجَلّایَا تَه دِي إی تُو دِی کَانِي خَطَا هَانِي غَلَطْ
أي: إن الشيخ الصنعاني لم يشرب الخمرة عن خطأ، ولم يذهب إلى بلاد الأرمن عن خطأ، بل إنه قد رأى تجلّيك عليه مثل موسى عليه السلام والذي رآك، فأين خطأه وأين غلطه؟ (أي لا غلط له).
وهكذا تُقرأ ملحمة "الشيخ الصنعاني عند فقيه طيران، مقتدياً بمؤلف القصة الأول، العطار النيسابوري، كمثال على سير القلب بين سكرة الشكل والصورة وصحوة الحقيقة والعشق الحقّ، وليست كحكاية ضلال وغواية فحسب.
وتقود المتصوّف من الوجود المادي إلى الوجود المعنوي، فإن كان العشق الإلهي ماء فإنّ وعاءه هو الجسد الأنثوي والعشق الدنيوي، وعبره يتعرّف المتصوّف على العشق الباقي. لكن يظلّ الخيط ما بين هاتين الحقيقتين رفيعاً، ما بين الانزلاق للغواية والمضيّ إلى العشق الإلهي عبر التنبّه في اللحظة المناسبة لدعوى الحقّ، كما في قصة "بائع السلال" الذي يدعو الله لإنقاذه من غواية امرأة الأمير، أو قصة يوسف وزليخا، حيث الخيط الرفيع يكاد ينقطع في لحظة ما.
وفي النهاية نحنُ أمام أدبٍ رفيع من رباعيات شعرية رقيقة تسردُ في قالبها أحوال القلب والعشق الإلهي وأحوال السالكين؛ هذا الأدب الذي قرّب صنعاء اليمن من مكس كردستان.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
