قبل أن أعود إلى السويداء ببضعة أيام، كنت أتحدث مع مجموعة من الأصدقاء عن الأوضاع في سوريا. ما زلت أذكر كم كنت منهمكة في وصف الاختلافات بين كل من السويداء، جرمانا ودمشق، وكيف تعامل مكوناتها مع مجريات الأحداث والتطورات.
أذكر تماماً سيل الأفكار في تلك الجلسة وكيف أوقفته كلمة واحدة: "التعايش". نطقها أحد الأشخاص الذي يكبرني سناً وينحدر من منطقة جرمانا مع خلفية عسكرية طويلة.
كلمة تمكنت في موجة العصف الذهني تلك أن تبتلع العاصفة والحديث وأفكاري في لمح البصر وشملت معها الكلمات بحلقة طويلة من الصمت. كنت أظن في تلك اللحظة أنني أفهم معناها بصورة كاملة، لكن الحقيقة أن بعد معايشة الأزمة الأخيرة في السويداء، أدركت أن التجربة أعمق من عتبة وعيي حينها. إنها تجربة ممتدة إلى ما قبل دخولي الجامعة وأبعد من زيارات الكنيسة في طفولتي حتى.
الغرفة الزهرية... مختبر التعايش الإجباري
هذه التجربة أعادتني لجلسات كنت أتعهد بها مع زميلاتي في السكن الجامعي بحظر استخدام كلمتي "نحن" و"إنتو". كانت هذه أول قاعدة غير مكتوبة في غرفة 214، وأول درس عمليّ في رفض تقسيم العالم إلى معسكرين، كما أعادتني التجربة إلى ليالي كنّا نستمتع فيها بكسر القواعد بأن نتحدث عن الدين أو السياسة، حيث كنت أفشل في إشباع فضولهنّ وفضولي أيضاً حول مذهب التوحيد؛ بينما كانت أسئلتي كثيرة عن تفاصيل حياتهنّ بطريقة لم تكن تحديّاً بل محاولة لفهم عالم مختلف عن عالمي.
أتذكر تماماً اليوم الأول الذي وصلت فيه إلى السكن الجامعي، كنت الفتاة الوحيدة "السبور" بين عشرة فتيات من حماة، درعا، التضامن، دير الزور وغيرها من المحافظات السورية التي لم ألحق أن أحفظها قبل أن أنتقل إلى الغرفة المجاورة، التي جمعت مزيجاً فريداً من نوعه أقرب ما يمكن وصفه بالوحدة الوطنية: كل فتاة من محافظة: الرقة، درعا، القامشلي، السويداء، حلب، حمص، الساحل...
لم تكن هذه الصفة الوحيدة التي تميزت بها الغرفة 109، بل كانت الغرفة الوحيدة الزهرية اللون في الوحدة بأكملها، والغرفة الأكثر نظافة وتنظيماً واكتظاظاً وانسجاماً في آن واحد. أربع عشرة فتاة في غرفة تحوي ثمانية أسرّة حديد موضوعة فوق بعضها البعض، ثلاث خزانات ومغسلة.
لم ألحق أن أشارك في حفلة طلاء الغرفة بالوردي، لكنني كثيراً ما نظفتها وأعدت تصميمها برفقة زميلاتي، وهو تعاون اضطراري تحوّل إلى طقس جماعي نحافظ به على مساحتنا المشتركة.
في كل مرة أنظر فيها إلى حقيبتي الكحلية وحافظة المياه، أتذكر أنني اشتريتهم برفقة صديقتي سحر. كل يوم كنت أعيش تفاصيل حديثها: كيف كانت تنام بحجابها لأنها قد تضطر في أي لحظة أن تترك بيتها، كم مرة نزحت منه، وإلى كم قرية انتقلت وكيف كانت تمضي ليالي القصف في بداية الأحداث بينما أنا كنت في السويداء أتابع الأخبار وكأنها فيلم بعيد بلا ملامح
لم تكن الغرفة الوحيدة ولا الوحدة الوحيدة التي سكنت بها. خلال فترة دراستي الجامعية تنقلت بين عدّة غرف ووحدات سكنية، كل واحدة منها علمتني درساً إضافياً عن فن العيش المشترك، لكن الغرفة الزهرية بقيت خاصّة، تلك التي اختارتنا أنا و"آفا" صديقتي الكردية الأولى لنستقر بها على الرغم من أن إيصالاتنا تعود لغرف أخرى، فصرنا نعيش في "الغرفة غير الرسميّة"، وهي "غرفة العجائب والتجارب الأولى".
مع بداية الحصار الذي عايشته من داخل السويداء، وبعد مرور أربعة أيام على انقطاع الاتصالات والكهرباء، فتحت حاسوبي المحمول لأفرغ ما في رأسي واستغلال 40% من الطاقة المتبقية فيه، وكنت أستحضر أصدقائي وأتحدث معهم ولو خيالاً كيف أعيش، واشاركهم كم استفدت من تجاربهم في تجاوز الأزمة بعد أن تعود الاتصالات. كنت أفكر بمعاناتهم التي عاشوها في درعا مع بداية الثورة.
وفي كل مرة أنظر فيها إلى حقيبتي الكحلية وحافظة المياه، أتذكر أنني اشتريتهم برفقة صديقتي سحر. كل يوم كنت أعيش تفاصيل حديثها: كيف كانت تنام بحجابها لأنها قد تضطر في أي لحظة أن تترك بيتها، كم مرة نزحت منه، وإلى كم قرية انتقلت وكيف كانت تمضي ليالي القصف في بداية الأحداث بينما أنا كنت في السويداء أتابع الأخبار بحسب رواية وسائل الإعلام وكأنها فيلم بعيد بلا ملامح.
تذكرت كيف كنّا نتمرد معاً ونرفض الرضوخ لعمليات "الشحط على البطاقة" التي كانت تمارسها مسؤولات اتحاد طلبة دمشق، في كل مناسبة أو انتخابات أو مسيرة. تذكرت أيضاً عندما أقفلت الباب علينا يوم الانتخابات الأخيرة، وكيف كان يهتز تحت يد المسؤولة الساعة الخامسة فجراً.
أشعر بوخز في صدري بينما أكتب هذه الكلمات وأغوص في طبقات الألم. هذا القلب نفسه كان ينقبض مع كل عيد أرى فيه جاراتي من إدلب وهنّ يعايدن عائلاتهنّ من خلف الشاشات. نفس الانقباض يطبق على قلبي في كل لحظة أشتاق فيها دمشق، جامعتي أو رؤية أصدقائي مجدداً.
هكذا ذابت الحدود بيننا في جلساتنا حول "سخانة الكهرباء" حيث كنّا نتحدث عن مخاوفنا، أوجاعنا وخساراتنا. تلك الجلسات التي صدمتني فيها جميلة بأنها فقدت أخوتها الخمسة ووالدها، وأنه لم يتبقَّ لها سوى أخ وحيد وآخر معتقل ووالدة حزينة على أبنائها وزوجها وبيوتهم التي غدت سراباً.
احترام متبادل من مشاركة هذه الآلام، احترام لإنسانة تجلس بجانبك كل ليلة وتحمل جراحاً لا تصل لها العين، لكنني في ما بعد، تمكنت من رؤية تلك الجراح في أحداث السويداء، إذ رأيت حزنها في عيون نسائنا. كانت قصتها هي واقع كثيرات. الفارق المؤلم بيننا أنني لم أجد "سخانة الكهرباء" وحولها صديقاتي لأقصّ قصصنا عليهنّ.
في هذه الغرفة وهي رابع غرفة سكنت فيها، عدت للقراءة ولنفسي التي التأمت جروحها بين تلك الجدران. فيها كتبت أول مقال ومنها انطلقت لأول عمل ومنها أيضاً حصلت على أول باقة ورد احتفالاً بتخرجي. المميز في هذه الغرفة أنها لم تكن مكتظة كسابقاتها وكان جميع من فيها من درعا، وأنا الوحيدة من السويداء.
في ذلك السكن الجامعي اختفت كلمتا "نحن" و"إنتو". اختفت حدود المحافظات والانتماءات. عندما كانت براء تريد الصلاة، كنا نهمس إن اضطررنا للكلام، ليس لأنها طلبت، بل لأن آذاننا تعلمت احترام صمتها، كما احترمت الإصغاء لقصصنا.
"تعلمنا أن نتنفس معاً"
هل تساءلتم كيف حلّ النزاع في جرمانا بأدنى قدر من الخسائر مقارنة بباقي المناطق؟
بينما أدرس "كورس" عن التسويق الرقمي مع غوغل، سمعت إحدى المدربات تتحدث عن أن الشركات الناجحة تسعى للتنوع والشمول داخل فريقها ليعكس تنوع جمهورها. هذا بالضبط ما رأيته في جرمانا، لكن على مستوى مجتمعي حيّ.
أكثر كلمتين كنت أسمعهما في جرمانا هما "أخي" و"أختي".
ذابت الحدود بيننا في جلساتنا حول "سخانة الكهرباء" حيث كنّا نتحدث عن مخاوفنا، أوجاعنا وخساراتنا
وعن ذلك، حدثني أحد الأصدقاء ذات مرّة أنّ في جرمانا التعايش لم يكن خياراً أخلاقياً، بل ضرورة حيوية. قائلاً: "تخيلي شارعاً فيه كنيسة تطلّ على جامع، ومحل حلوى لرجل درزي يليه معرض سيارات لآخر سنّي، وفوق المحل العلوي تسكن عائلة شيعية تستأجر من مالك مسيحي".
أضحكني الوصف حينها وعلّقت بالمصري: "تحفة". كنا نتعايش لأننا لم نستطع غير ذلك. كنا نختنق معاً إثر الازدحام والأوضاع الصعبة التي آلت إليها سوريا، فتعلمنا أن نتنفس معاً. الاختلاف لم يكن نظرية ندرسها وإنما واقع نمشي فيه كل يوم.
سألته حينها: "ألم يتغير شيء بعد سقوط النظام؟ هل تأثر الناس بحملات التحريض؟"، أجاب بحكمة العسكري الذي رأى كل شيء: "التعايش لا يعني غياب الخلاف، بل وجود آليات لحله. في جرمانا، يوجد لدينا مجلس الشيوخ والكبار أيضاً، حيث يجتمع الرجال من كل الخلفيات ويعرفون كيف يتحدثون بلغة الجميع ومتى يجتمعون بالضبط. ليس لدينا وثيقة تعايش مكتوبة، لكن لدينا أعراف غير مكتوبة: لا تسبّ دين الجار، لا تستغل الأزمات للانتقام، احفظ وجه جارك حتى لو اختلفت معه".
عندما وقعت الاشتباكات على أطراف جرمانا، كنت هناك. رأيت بالفعل كيف تراصت الصفوف بين جميع سكانها. رأيت بهم الثورة التي رأيتها في شباب السويداء، ومعها الرحمة والانفتاح في أصدقائي من حمص وباب توما، والإلفة والطيب في أصدقائي من إدلب والرقة والحسكة، والثبات والالتزام في أصدقائي من درعا ودمشق، والروح المرحة والوفاء في أصدقائي من اللاذقية وطرطوس وحلب.
لقد نجح سكان جرمانا في تجاوز الأزمة بأقل الخسائر لأنهم كانوا يعرفون بعضهم بعضاً جيداً. وعندما انتشر الفيديو الذي أشعل الفتنة، لم تكن المواجهة مع "الآخر المجهول"، وإنما مع رؤى التي درّست أطفالي اللغة ومحمد الذي عالج والدتي. كانوا يعرفون أن هذا هو أبو حسين البنّاء الذي بنى نصف البيوت هنا، وأن هذه هي أم جورج التي توزع الأقراص لأولاد الجيران في كل عيد.
علقت عبارة صديقي في ذهني: "الناس لا تتعايش لأنها تؤمن بحقوق الإنسان، بل لأنها تكتشف أن مصلحتها في التعايش أكبر من الانعزال".
في جرمانا، التاجر اكتشف أن زبائنه من كل الطوائف. الطبيب اكتشف أن مرضاه من كل الخلفيات. الجار اكتشف أن أمان بيته مرتبط بأمان بيت جاره. وأنا اكتشفت أن الجامعة قد فرضت علينا العيش معاً.
جيران في الوطن
خلال "التجييش" على السويداء، لم أقدر أن أتخذ طرفاً ونسف كل لحظة درست وأكلت وبكيت وضحكت برفقة أصدقائي. قدّرت جودي من الساحل التي كانت تحدثني من هولندا لتطمئن عليّ في أحداث السويداء بينما لم تفعل ذلك سحر التي قضيت معها 3 سنوات في غرفتي الرابعة. كرهت الطائفية ومعها السياسة حينها كثيراً، كرهت كيف تمحو جلساتنا وذاكرتنا وأحباءنا بعنفها اللعين.
اليوم، وأنا أنظر من شباك بيتي في السويداء، أفهم أن الغرفة الزهرية وجرمانا لم تكونا مجرد محطات في حياتي، وإنما مختبران حيان يقولان الشيء نفسه: التعايش ممارسة يومية بسيطة، تبدأ عندما تتحول الفتاة من درعا إلى سحر التي أعرف قهوتها المفضلة، وعندما يصبح قصي من جرمانا الجار الذي يعيرنا سلّمه عندما نصلح الشبّاك.
ممارسة تستمر عندما نرفض تقسيم العالم إلى "نحن" و"إنتو"، لأننا نعلم أن هذه الكلمات الصغيرة هي التي تبني الجدران الكبيرة بيننا.
ممارسة تنتصر عندما نختار أن نرى في بعضنا بعضاً جيراناً في الوطن، لا أعداء في الجغرافيا.
يجب أن ندرك أن التعايش لا يحتاج أن نكون متشابهين، بل إلى أن نعترف أن لنا جميعاً الحق في الاختلاف.
"ليس لدينا وثيقة تعايش مكتوبة، لكن لدينا أعراف غير مكتوبة: لا تسبّ دين الجار، لا تستغل الأزمات للانتقام، احفظ وجه جارك حتى لو اختلفت معه"
في سوريا اليوم، قد تكون الذاكرة المشتركة هي الجسر الوحيد الذي يصل بين ضفتين بعيدتين، وذاكرتنا تقول: لقد عشنا معاً في غرف جامعية صغيرة، وفي أحياء مختلطة، وفي مدن جمعتنا كلنا. عشنا معاً رغم الاختلافات بل أحياناً بسببها.
قرأت في الغرفة الرابعة كتاب الماغوط "سأخون وطني"، لكنني أعلم أن الوطن لا يُخان عندما نحفظ ذاكرته كاملة، بكل ألوانها، بكل أصواتها، بكل جراحها وأفراحها. الوطن يُخان فقط عندما ننسى أننا كنا يوماً في غرفة زهرية اللون أو في حيّ متعدد الألوان، قادرين على أن نعيش معاً، وهذا ما يجب أن لا ننساه أبداً.
الغرفة الزهرية وجرمانا تثبتان أن التعايش ممكن. ليس لأنه مثالي، بل لأنه عملي. ليس لأنه يلغي الاختلافات، بل لأنه يعترف بها ويبني فوقها. وهذا بالضبط ما تحتاجه سوريا اليوم: أن تعود إلى بساطة الجيرة التي تسأل: "هل تحتاج شيئاً؟" قبل أن تسأل: "من أيّ طائفة أنت؟".
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
