هل يمكن حقاً أن نفهم الحبّ؟

هل يمكن حقاً أن نفهم الحبّ؟

مدونة نحن والتنوّع

الثلاثاء 20 يناير 20267 دقائق للقراءة

نميل إلى الاعتقاد بأننا نفهم الحب كلما راكمنا تجارب أكثر. نُحصي العلاقات، نراجع الخيبات، ونخرج بخلاصة تبدو لنا ناضجةً بأنّ هذا حبّ، وهذا تعلّق، وذاك وهم. نُقنع أنفسنا بأننا أصبحنا قادرين على التمييز والتنظير، وربما على تقديم نصائح للآخرين، كأننا نرى أنّ الحبّ مسألة خبرة يمكن امتلاكها. لكن ما نسمّيه فهماً، غالباً ليس سوى اعتياد طويل على مشاعر مختلفة، نخلط بينها ونمنحها جميعها الاسم نفسه.

المواجهة الأولى

أولى مواجهاتي مع الحب لم تكن واعيةً، ولا رومانسية، ولا قابلة للتسمية. كنت في الثامنة من عمري حين سقطت على درج العمارة، وتسبّب لي السقوط بشقّ أسفل فمي وفقدان وعيٍ قصير. عندما أفقت، وجدت العائلة كلّها حولي والقلق ظاهر في الوجوه، والهدايا موزّعة كتعويض عن الألم، مثل مجموعة "فلّة" من عطور وتاتش وفرشاة شعر، وأيضاً "باربي" ومنازلها. لكن ما علق في ذاكرتي لم يكن الألعاب أو العطور، بل جدّتي التي تكبرني بسبعين عاماً، وقد صعدت أربعة طوابق، خطوةً خطوة، فقط لتكون بجانبي.

في ثقافتنا، نميل إلى اختزال الحب في شكله الرومانسي، أو في نجاح العلاقة واستمرارها. نقيسه بمدى التضحية، أو بقدرة الطرفين على البقاء معاً برغم الخيبات، ونادراً ما نلتفت إليه بوصفه تجربةً متحوّلةً، لا تُشبه نفسها في كل مرحلة

أهدتني ثوباً بسيطاً بنّي اللون حاكته بيديها. لم يلفتني جمال الثوب بالمعنى المتداول، لكن ما لفتني أنه كان دافئاً، ومشبعاً بالوقت والصبر. يومها، دون أن أمتلك اللغة اللازمة، كانت أول مرة أشعر فيها بحبٍّ عارم في صدري، حبّ لم أعرف كيف أعبّر عنه بالكلمات، فصرتُ أرتدي ذلك الثوب، وأحتضنه بجسدي الصغير، وأنام به كل ليلة.

صيغة مختلفة

بعد سنوات، في مراهقتي، تكرّر المشهد بصيغة مختلفة. حادثة عبثية: إصابة في إصبع قدمي الكبير، ونزيف لم يتوقف بسبب اقتلاع الظفر من مكانه. الخوف الذي سيطر عليّ لم يكن من الألم، بل من ردّة فعل أمي، لأنها لطالما نبّهتني من اللعب بهدوء والابتعاد عن الطّيش.

في طريقنا إلى المشفى، كان برد كانون القاسي يخيّم على مدينتنا. حملني أخي على ظهره طوال الطريق كي لا تلمس قدماي الأرض، برغم أنني لم أطلب ذلك. كنت صامتةً طوال الوقت، لكنه رسّخ فكرةً تكرّرت لاحقاً في ذهني، بأنّ الحب لا يحتاج إلى طلب؛ أحياناً يكفي ألا تلامس قدمك الأرض.

حينها شعرتُ بالحبّ كثيراً. حبّ مختلف وصامت لم أعرف كيف أعبّر عنه بالكلمات، إلا أنني صرتُ، في الأيام التي تلت، أتسلّق ظهر أخي مازحةً كل يوم، فقط ليحملني من جديد.

حبّ بلا حضور

لاحقاً كبرت أكثر، فجاء الحب على هيئة صداقة. لا قصص كبيرة، ولا اعترافات، ولا وعود. كانت هناك تفاصيل صغيرة تصنع شيئاً جميلاً لا أملك له تفسيراً، كأغنية تُرسَل في ساعة متأخرة، مع توصية عابرة مثل: "اسمعيها عندما تكونين وحدك".

صارت الموسيقى لغةً مشتركةً تحمل ما نعجز أحياناً عن قوله. وأنا ككلّ الناس، أرغب أحياناً في الاختفاء وأن أختلي مع نفسي. لكن وقتها، عندما اختفيت دون خصام أو سبب واضح، لم يُقابل صديقي غيابي بالعتب، بل راح يرسل لي رسالةً قصيرةً بين الحين والآخر، أو يتصل بي هاتفياً ليطرح عليّ سؤالاً بسيطاً يتكرّر دون إلحاح: هل أنتِ بخير؟ ثم ينهي المكالمة قبل أن يحرجني. كان ذلك أوّل حبّ لا يشترط حضوري الدائم بأفضل حالاتي، ولا يعاقبني ويحكم عليّ بحجة الانسحاب المؤقّت.

حينها، لم أكن أعرف كيف أُقابل هذا الحب، فصارت الأغاني هي وسيلتي الوحيدة؛ أقدّم أغنيةً وأستقبل أخرى. هكذا كانت لغة الحب بيننا.

كبرت كثيراً… وبكيت كثيراً

كبرتُ كثيراً، وشعرتُ بالحبّ أكثر فأكثر، حتى بات من الصعب حصره في ذاكرة واحدة أو موقف واحد، ولا يتّسع المقام لذكرها جميعاً.

تعدّدت أشكال الحب. علاقات عاطفية منها العابرة وأخرى استمرّت، اعترافات مرتبكة، لمسات اليد الأولى التي ارتجفت لها روحي قبل كفّي، ووعود قُطعت بحسن نية، وأخرى نُقضت. أول موعد غرامي كان مليئاً بالخجل والتردّد، وبالكلمات التي لم يُقَل إلا نصفها، وبالضحكات التي جاءت لتعويض الصمت. أول هدية كانت في يوم الميلاد. مع كل تجربة، كنت أظنّ أنني أقترب أكثر من الفهم، وأنّ الحب يمكن شرحه وتحليله، وربما السيطرة عليه بأن أقطع عهداً على نفسي بصيانة هذا الحبّ بوصفه مسؤوليةً لا مجرّد شعور عابر.

بكيتُ كثيراً، أحياناً بصمت، وضحكتُ أكثر، ضحكاً حقيقياً خرج من القلب، بين خوفٍ وأمل، وخيبةٍ وانتظار، وبين لحظات ظننتُ فيها أنّ الحبّ يثقلني، وأخرى شعرتُ فيها بأنه يحملني.

… ويستمرّ الحبّ.

قطيعة حادّة

في ثقافتنا، نميل إلى اختزال الحب في شكله الرومانسي، أو في نجاح العلاقة واستمرارها. نقيسه بمدى التضحية، أو بقدرة الطرفين على البقاء معاً برغم الخيبات. نادراً ما نلتفت إلى الحب بوصفه تجربةً متحوّلةً، لا تُشبه نفسها في كل مرحلة. نبحث عن تعريف ثابت لشيء يتبدّل باستمرار، ثم نُصاب بخيبة عندما لا يطابق الواقع تصوّراتنا.

ثم جاءت الأمومة. لا أصفها بأنها امتداد لكل ما سبق، بل بأنها قطيعة حادّة معه.

ربما لا نفهم الحب فعلاً، وكلّ ما نفعله هو الاقتراب منه بدرجات مختلفة، وعبر أشكال متعدّدة، حتى يأتي شكل واحد غير قابل للتأويل يُجبرنا على الاعتراف بأن كل ما سبق لم يكن سوى محاولات ناقصة لفهم شيء لا يُدرَك

كنت وأنا صغيرة أعرف قصة حوّاء، وكيف خلقها الله من ضلع آدم، لكنني كنتُ أصغر من أن أفهم ماذا يعني أن يُخلق كائن من ضلعك، وأن يكون جزءاً منك لا يشبه أي جزء آخر فيك. ظلّت القصة فكرةً بعيدةً، حتى أنجبتُ طفلي الأوّل.

خلال الحمل، لا يعود الجسد ملكاً لصاحبته؛ شهيته، مزاجه، وألمه، كلها تخضع لكائن لم يولَد بعد. يتحوّل الألم إلى احتمالٍ مقبول، أو مرغوب أحياناً، طالما أنه لا يؤذي هذا الكائن. يصبح الجسد مساحةً مشتركةً، ويتحوّل التحكّم إلى وهم.

حينها، شعرتُ بتقلّبات مزاجه وهو في رحمي؛ كنت أتناول الحلو فيرفضه، ويُجبرني على إخراجه من معدتي، فأتقيّأه. يشتهي الحامض، فأطلبه كمجنونةٍ جائعة، لا تهدأ حتى تلبّي حاجة الجنين بأيّ طريقة، فألتهمه بنهمٍ لا يشبهني.

يضجر الجنين في رحمي، ويرغب في اللعب قليلاً، فيركلني بشكلٍ متواصل. أتحمّل ركلاته المؤلمة، لا صبراً فحسب، بل بحبٍّ ورغبةٍ غريبة في المزيد من ذلك الألم العذب. ألم تسمعوا يوماً المثل الذي يقول: "ضرب الحبيب زبيب"؟

بالتأكيد، هذا المثل ينطبق على هذه الحالة.

قبل اللغة وقبل الوعي

عندما يولد الطفل، ويُوضع على الصدر للمرة الأولى، عندها فقط أفهم كيف خُلقت حوّاء من ضلع آدم، وأدرك كيف يمكن لإنسان أن يُخلَق من إنسان آخر، كأنّك تحمل نفسك، لكن بنسخةٍ أغلى من نسختك الأصلية، نسخة تخاف عليها من نسمة هواء خريفية عابرة.

في كلّ شعور بالحبّ رافقني منذ طفولتي حتى أمومتي، لم أكن أعرف كيف أعبّر عنه. لكن طفلي، دون أن ينطق، علّمني الكثير.

يحدث شيء يصعب شرحه دون الوقوع في اللغة العاطفية. فجأةً، تسقط التنظيرات السابقة كلها. لا تعود العلاقات السابقة مقياساً، ولا التجارب معياراً. كلمة واحدة، بسيطة في شكلها، هائلة في معناها؛ "ماما" أو "بابا"، كفيلة بأن تعيد ترتيب العالم الداخلي بالكامل. يصبح الخوف غريزياً، ويكفي أن يتشكّل سيناريو مربك خطر في الرأس حتى تنهمر الدموع، برغم أنّ شيئاً لم يحدث فعلياً.

هنا، يتكشّف الحب في صورته الفطرية. حبّ لا يحتاج إلى تعريف، ولا يُقاس بتجربة، ولا يخضع للمقارنة. حبّ لا يقوم على الاختيار، ولا على التوافق، أو على تبادل الأدوار. هو موجود قبل اللغة، وقبل الوعي، وقبل القدرة على الفهم.

ربما لا نفهم الحب فعلاً. ربما كلّ ما نفعله هو الاقتراب منه بدرجات مختلفة، عبر أشكال متعدّدة، حتى يأتي شكل واحد غير قابل للتأويل، ويُجبرنا على الاعتراف بأن كل ما سبق لم يكن سوى محاولات ناقصة لفهم شيء لا يُدرَك إلا حين يُنادى باسمك لأوّل مرة.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

Website by WhiteBeard
Popup Image