قبل 17 عاماً تقريباً، بدأت علاقة مينا ذكي بالآثار في العام 2008 عندما التحق بقسم الآثار والدراسات اليونانية والرومانية في كلية الآداب جامعة الإسكندرية، وهو ما تطور في وقت لاحق إلى نشاط دوري للأفراد، بتنظيم زيارات أسبوعية للأماكن الأثرية في المدينة وخارجها، عرفت بمبادرة الجولة.
وتتكرّر التقارير والتحذيرات من داخل الإسكندرية ومن خارجها بشأن مخاطر التغيّر المناخي على المدينة الساحلية، ما يدفع إلى التساؤل عن مستقبلها مع تخوّف جدّي من اندثار ماضيها العريق عبر خسارة آثارها بفعل عوامل مناخية منها التعرية وارتفاع منسوب البحر والأمطار الغزيرة وغيرها. فضلاً عن تقلص المساحات العامة الخضراء، وحجب أجزاء كبيرة من الكورنيش للمشاريع الاستثمارية والسياحية.
تآكل الأماكن الأثرية
بالعودة إلى مينا، فهو يقول لرصيف22 إن تغيرات المناخ أثّرت في الأماكن الأثرية، بما فيها مقابر كوم الشقافة والأنفوشي والشاطبي ومصطفى كامل وعمود السواري، لافتاً إلى أن أجزاء من مقابر الأنفوشي انهارت أو تدهور وضعها بفعل التآكل أو الغرق نتيجة عوامل جوية وتسرب مياه إلى أن غرق بعضها تحت المياه. علماً أن المقبرة السادسة اختفت فيما تعرّضت مقبرة أخرى إلى الضرر بفعل غمر جزئي بالمياه. وتشير تقارير إعلامية إلى أن إهمال العناية بهذه المقابر الأثرية ساهم في تهور وضعها سريعاً. وتقرّ وزارة السياحة المصرية بأن "أغلب مقابر الجبانة تأثرت بفعل المياه الجوفية وقربها الشديد من البحر".
مبانٍ أثرية في الإسكندرية معرضة لخطر التلف والدمار بسبب آثار تغير المناخ مثل ارتفاع مستوى سطح البحر، الظواهر الجوية الشديدة، الأمطار الغزيرة وزيادة الرطوبة. فهل تخسر الإسكندرية تاريخها؟
وفيما ينبّه إلى أن الحفاظ على آثار الإسكندرية، جزء هام من تاريخ مصر والمدينة الكوزموبوليتية، يستطرد مينا بأن "حالة مقابر الشاطبي اليوم جيدة، بسبب ما خضعت لها من أعمال صيانة ودرء مخاطر، وهو ما يجب تكراره في مقابر الأنفوشي ومصطفى والمسرح الروماني ومقابر أبوقير".
هل تراث الإسكندرية في خطر؟
في آذار/ مارس 2025، تقدم عضو مجلس النواب عن محافظة الإسكندرية، محمود عصام، بطلب إحاطة موجه إلى رئاسة الحكومة المصرية ووزارتيّ التنمية المحلية والبيئة، للرد على تحذيرات علمية دولية من خطر غرق أجزاء من مدينة الإسكندرية نتيجة تداعيات التغيّر المناخي.
وجاء في طلب الإحاطة أن دراسات حديثة حذّرت من تسارع تآكل سواحل الإسكندرية وانهيار مئات المباني بسبب ارتفاع منسوب مياه البحر الأبيض المتوسط وتسرّب المياه المالحة إلى أساسات المنشآت، كما دمر 280 مبنى خلال العقدين الماضيين مع تعرُّض 7 آلاف مبنى لخطر الانهيار.
مخاوف عديدة يتشارك فيها سكان الإسكندرية حول تراثها الأثري، وهو ما يعد هماً عالمياً لدى سكان العديد من المدن الساحلية، إذ تشير دراسة "تأثيرات تغيّر المناخ على التراث المكشوف... منطقة البحر الأبيض المتوسط نموذجاً"، المنشورة في 21 تشرين الأول/ أكتوبر 2024 في مجلة nature، إلى أن العالم اليوم يشهد زيادة ملحوظة في القلق من الأضرار التي تصيب التراث الثقافي، نظراً لما يسببه التغيّر المناخي من أضرار واضحة ومخاطر متزايدة وتدهور تراكمي في أصول التراث.
وتظهر القدرة التدميرية لتأثيرات التغيّر المناخي بوضوح أكبر في مناطق مثل حوض البحر المتوسط. وتنبّه الدراسة إلى أن تغيّر المناخ قضية متعددة الأبعاد، غالباً ما يُساء فهمها باعتبارها مجرد أزمة "احتباس حراري"، بينما الأمر أكثر تعقيداً، كما أن الضرر الذي يلحق بالمواقع التراثية، قد يعني فقدان أصول ثقافية واجتماعية واقتصادية لا يمكن تعويضها.
وتشير دراسة أخرى للباحثة ندى سلام، المدرّسة في كلية الفنون الجميلة في جامعة الإسكندرية، بعنوان "معالجات العمارة التراثية وتحدياتها نحو مواجهة التغيّرات المناخية بمدينة الإسكندرية الكوزموبوليتانية"، المنشورة في نيسان/ إبريل 2024، إلى أن المباني الأثرية في الإسكندرية معرّضة لخطر التلف والدمار بسبب آثار تغيّر المناخ مثل ارتفاع مستوى سطح البحر، والظواهر الجوية المتطرفة، والأمطار الغزيرة وزيادة الرطوبة.
بدوره، يقول أستاذ ترميم وصيانة الآثار القبطية، الدكتور عزت صليب، لرصيف22: "تسرّب مياه البحر المالحة الى أساسات وجدران المباني مثل قلعة قايتباي وقصر المنتزه ورأس التين وكوم الدكة والمباني التي تطل على البحر تسبب عوامل التلف، إذ يدفع ذلك إلى حدوث تفاعلات بلورية لأملاح الكبريتات والكربونات التي تؤدي إلى تفتت سطوح الأحجار وطبقات المحارة (الإسمنت)، فضلاً عن زيادة الرطوبة الجوية وارتفاع منسوب المياه (تحت السطحية) والتي توجد أسفل هذه المباني".
ويعقب على ذلك، الباحث والمحلل في مجال السياسة العامة والتنمية الحضرية، شريف محي الدين، لرصيف22، بأن "التغيّر المناخي الحاد أصبح واقعاً يومياً نعيشه بعدما كان مجرد كلام علمي نظري منذ سنوات. وبالتالي، مهم جداً مراعاة الحفاظ على الأرواح والتاريخ، بدايةً بتأهيل المباني السكنية وترميمها إلى أخذ الاحتياطات اللازمة للمباني الأثرية".
ويعزو شريف ما يراه من سوء للوضع الحالي إلى ما يسميها "ثقافة التأجيل والمماطلة"، فضلاً عن "عدم تحديد المسؤوليات أو الجاهزية لسيناريوهات المستقبل الخطرة التي أصبحت أقرب بكثير من أي وقت مضى".
مخاطر مناخية
شهدت الإسكندرية ارتفاعاً متفاوتاً في مستوى سطح البحر على مدار العقود الماضية إذ سجلت زيادة قدرها 2 سم بين عامي 1944 و1989، بينما بلغ متوسط الارتفاع 1.6 سم خلال الفترة من 1944 إلى 2001، وارتفع إلى 3 سم بين 1974 و2006. ومع ذلك، فإن زيادة قدرها 10 سم قادرة على التسبّب بأضرار ملموسة في شمال دلتا النيل، وبمعدل ارتفاع سنوي متوقع يتراوح بين 2 و3 ملم، قد يستغرق تحقق "السيناريو التدميري" ارتفاع منسوب البحر بمقدار نصف متر فترة تراوح بين 167 و250 عاماً.
وفي هذا السياق، يحذّر أحد تقارير البنك الدولي لعام 2022 من أن الإسكندرية تواجه مخاطر متعدّدة للفيضانات المفاجئة التي يمكن أن يؤدي إلى انقطاع الخدمات وأضرار اقتصادية واجتماعية كبيرة، فضلاً عن تعطّل سبل العيش ونزوح السكان وغمر المباني التراثية والبنية التحتية. ويقدّر التقرير أن ما بين 22.7% إلى 30.1% من مباني المدينة عرضة للخطر بسبب هذه الفيضانات المحتملة.
"التغيّر المناخي الحاد أصبح واقعاً يومياً نعيشه بعدما كان مجرد كلام علمي نظري منذ سنوات. وبالتالي مهم جداً مراعاة الحفاظ على الأرواح والتاريخ، من تأهيل المباني السكنية وترميمها وأخذ الاحتياطات اللازمة للمباني الأثرية"
قلعة قايتباي في مواجهة أمواج البحر
من أجل تحصين الإسكندرية من الغزوات البحرية وحمايتها، بنى السلطان المملوكي قايتباي قلعة، ناحية الطرف الشرقي لجزيرة فاروس (حي الأنفوشي حالياً)، إلا أن قلعة قايتباي لا تستطيع حماية نفسها اليوم من البحر، وقد شهدت تلف وانهيار أجزاء من هياكلها، نتيجة ارتفاع منسوب مياه البحر وتلاطم الأمواج، وأصبحت معرّضة للخطر ولا يُستبعد غرقها مستقبلاً، بفعل التيارات القوية التي دفعت الأمواج بشكل متزايد إلى الأساسات الداخلية للقلعة، وهو ما دفع الحكومة المصرية أخيراً إلى تثبيت سلسلة طويلة من الحواجز البحرية الخرسانية لحماية القلعة من نحر البحر وشدّة التيارات البحرية.
المقابر في مواجهة المياه الجوفية
على نفس نمط بناء المنازل في العصر البطلمي، بنيت مقابر الأنفوشي والتي تنتمي إلى القرن الثالث قبل الميلاد وتضم خمس مقابر، اثنتان منها من أهم المقابر الأثرية في المدينة، نتيجة تميّز النقوش والتصميم المعماري، بحسب ما تصفها البوابة الإلكترونية للمحافظة.
ومع هذا، تعرّضت المقابر الأثرية في منطقة الأنفوشي للانهيار، نتيجة زيادة منسوب المياه الجوفية التى أدت إلى تآكل الجدران وفقدان معظم طبقات الدهان وتكون الأملاح جراء الظروف البحرية، كما أن النباتات والأشجار أصبحت تخترق أسقف المقابر، ما أدى إلى تدهور كبير في العمارة الإنشائية. علماً أنها خضعت إلى مشروع تطوير في عام 2020 لامتصاص المياه من الأماكن المتضررة واستخدام تقنيات للتحكّم في نسب المياه الجوفية ثم إعادة ترميم الأجزاء المتهالكة.
وتفسر مرممة الآثار ومديرة مؤسسة "راقودة" للفن والتراث، روضة عبد الهادي، لرصيف22، أن البيئة المناخية المستقرة لا تمثل مشكلة، أما البيئة المتغيّرة في درجات الحرارة أو ارتفاع وانخفاض المياه ومعدّل الأمطار، فتشكل صدمات متجدّدة ومتغيّرة تمثّل تهديداً لكامل أنسجة المباني وتكوينها.
ربما مقابر كوم الشقافة أفضل حالاً بفضل ما شهدت من أعمال الترميم ما بين عامي 2018 و2019، إذ تم حفر 6 آبار بعمق 40 متراً، وتركيب طلمبات غاطسة بنظام تحكم إلكتروني لطرد وصرف المياه وتزويد المكان بمظلات جديدة لحماية المقابر والدرج المؤدي إليها من أمطار الشتاء. فضلاً عن أنها كانت تعاني من ارتفاع منسوب المياه الجوفية منذ اكتشافها كما أن المستوى السفلي لها كان مغموراً بالمياه.
وتشير دراسة "تأثير التغيرات المناخية على استدامة النشاط السياحي والمواقع الأثرية بالتطبيق على مدينة الإسكندرية"، للباحثتين عزة عبد السلام ومروة أبو الفتوح، المنشورة في حزيران/ يونيو 2023، إلى أن سلسلة من التغيرات الصناعية والزراعية في الإسكندرية بدأت منذ العام 1975، أدت إلى زيادة مستوى المياه الجوفية في بحيرة مريوط والتي تبعد 400 متر تقريباً عن المقابر.
المسرح الروماني والتدهور الخفي
المسرح الروماني الذي يقع في منطقة كوم الدكة بمحافظة الإسكندرية، والذي بُني أوائل القرن الرابع الميلادي، هو موقع مفتوح وبلا حماية أيضاً، ما يجعله أكثر عرضة للتأثّر بتغيّرات درجة الحرارة خلال اليوم والأمطار والشمس، فضلاً عن الاهتزازات الناتجة من النشاط السياحي واستخدام المعدات أو إقامة الفاعليات الثقافية والفنية.
وتشير البيانات الميدانية طبقاً للدراسة التي نشرتها nature إلى أن هذه العوامل مجتمعة تؤدي إلى تدهور تدريجي بطيء لكن تراكمي.
عدم الاستقرار المناخي وآثاره
التغيرات المناخية الأخيرة في الإسكندرية، متمثلة في تغير درجات الحرارة ونسب هطول الأمطار وسقوط أمطار ثلجية، مختلفة وغير مألوفة. ويتوقع أن تؤثر هذه التغيرات العنيفة في آثار المدينة، سواء بغمرها تحت سطح البحر أو غرقها تحت مياه الأمطار إذا استمر التغير المناخي على حاله.
ويشرح عزت صليب أن تكرار دورات التمدّد والانكماش الحراري لمكوّنات الأحجار وطبقات المحارة الإسمنتية تسبب تشققات في الأحجار والمحارة، كما أن تغيّر الحرارة على مدار اليوم وبخاصة في المواسم الانتقالية بين الفصول تؤدي إلى خلل ميكانيكي داخل مكونات الحجر.
كما يشير إلى أن ارتفاع الرطوبة النسبية في الجو يعزّز نمو الكائنات الدقيقة مثل الطحالب والفطريات على الأسطح، ما قد يتسبّب في تفتّت المباني بمرور الزمن، معتبراً أن زيادة معدلات الملوثات الغازية وتفاعل غاز ثاني أكسيد الكربون، وغاز ثاني اكسيد الكبريت، عوامل من شأنها أن تؤدّي إلى تكوين أمطار حمضية ذات تأثير مدمّر على المباني التراثية والمواجهة للبحر والمعرضة للأمطار، إذ تتسبّب هذه الملوثات بتلف كامل وسريع للمباني بصفة عامة في الواجهات والجدران والأساسات.
ويضرب الإسكندرية سنوياً بين 18 و20 نوة، والنوّة هي عبارة عن رياح قد تتجاوز سرعتها 50 كم/ ساعة، وتختلف ما بين ممطرة وشديدة أو غزيرة الأمطار، كما تعاني الإسكندرية من تلوث الهواء نتيجة وسائل النقل وعمليات التصنيع وإنتاج الطاقة والتخلص غير الآمن من النفايات، ويستنشق المقيمون بها هواء يحتوي على جسيمات صدرية ذات القطر أقل من 10 ميكرومتر PM10، وهو معدل أعلى من الحد المسموح به في القانون المصري.
ويعُادل هذا التركيز 6.7 أمثال القيمة التي توصي بها منظمة الصحة العالمية، وذلك بحسب ورقة بحثية بعنوان "تلوث الهواء خطر يهدد الإسكندرية"، نشرت في نيسان/ أبريل 2024.
كما أن التحولات المفاجئة والسريعة في دورات انتقال موسمي بين الطقس الحار والطقس البارد يمكن أن تؤثر في عدم استقرار التربة تحت الأرض وفي تكوين مواضع مرتفعة ومواضع انخساف في سطح الأرض، مما يسبب حدوث انهيارات أرضية كبيرة.
ويُسهم ارتفاع درجة الحرارة والرطوبة في تنشيط الكائنات الحيّة الدقيقة مثل الطحالب والفطريات والبكتيريا، التي تستقر على الأسطح المعمارية وتشكل طبقات عضوية تتسبب في تغيّر اللون، وتفكك المواد، وتآكل السطوح، وفق الدراسة المنشورة في nature.
تاريخ من المعاناة
تؤكد الباحثتان عزة عبد السلام ومروة أبو الفتوح، في دراستهما عن الإسكندرية، أن المدينة تعاني الآثار السلبية لتغير المناخ منذ فترات سابقة، إذ غمرت المياه بعض المواقع وتوجد آثار عدة غارقة بالفعل تحت مباني الإسكندرية الحديثة، في مناطق قلعة قايتباي والميناء الشرقي والشاطبي وخليج أبو قير، وتعد الإسكندرية من أعلى المدن الساحلية الكبرى في العالم المعرضة لخطر ارتفاع مستوى سطح البحر.
وعرفت الإسكندرية على مر العصور عدة زلازل وحالات غمر وغرق وحوادث هبوط أرضي. ففي 21 تموز/ يوليو عام 365م، وقع زلزال قوي مركزه جزيرة كريت، تسبب في انحسار البحر ثم غمره لسواحل مصر، مما أحدث دماراً كبيراً بنطاق وطول الساحل، وعدد من الوفيات يقدر بنحو خمسين ألفاً من السكان، وفي 1303 وقع زلزال آخر مركزه جزيرة رودس، وكان له نفس الأثر من التدمير وغمر المياه.
التغيرات المناخية الأخيرة في الإسكندرية، متمثّلة في تغيّر درجات الحرارة ونسب هطول الأمطار وسقوط أمطار ثلجية، مختلفة وغير مألوفة. ويتوقع أن تؤثّر هذه التغيرات العنيفة في آثار المدينة، سواء بغمرها تحت سطح البحر أو غرقها تحت مياه الأمطار إذا استمر التغير المناخي على حاله
هل يمكن تفادي التبعات الخطيرة؟
ويقول عزت صليب: "تعد التغيرات المناخية فى الإسكندرية من أخطر التحديات التى تواجه المباني بها لأنها تمسّ الأساس المادي لها، ويستلزم الأمر وضع خطط علمية لحمايتها، سواء كانت مباني تراثية أو عادية، من خطر الانهيار والسقوط وتعريض حياة الناس إلى الخطر".
ويضيف أن "هناك حاجة إلى مراقبة دورية للمناخ (حرارة - رطوبة - رياح)، والعمل على تقوية الأساسات والتربة باستخدام مواد عزل ضد الأملاح والملوحة، باستخدام مواد بناء وترميم مقاومة للأملاح. ولا بد من استخدام الإسمنت والجبس ومواد البناء المخلقة والصناعية والالتزام باستخدام المواد الطبيعية الآمنة في عمليات البناء والترميم، وقصر عمليات الترميم على المؤهلين فقط في التعامل مع هذه النوعية من مواد البناء".
كما يشدّد على ضرورة استخدام مواد الترميم الطبيعية، مثل الجير والرمل، التي تتوافر في الصحراء المصرية بكثرة، وهي مواد رخيصة التكلفة وسهلة الاستخدام وآمنة بيئياً وصحياً ومناسبة للظروف المناخية المصرية، مستدركاً بأن "العودة إلى الطبيعة والخامات الطبيعية الموجودة في مصر، هي أنسب الطرق لسلامة المباني في مصر وبخاصة في المناطق التي تطل على البحر والتي استخدمها المصريون القدماء في العصر الفرعوني واستمر استخدامها في الريف المصري حتى عهد قريب".
ومن جهتها، تلفت روضة عبد الهادي إلى أن الأمر أكبر من قدرة المؤسسات العلمية والبحثية، والتي تعمل على دراسة الحالات وفحصها ورصدها، إلا أن ما يصدر عن تلك المؤسسات من نتائج علمية وتوصيات يجب أن يتحول إلى خطوات تنفيذية من الدولة، لكن تبقى مشكلة التغير المناخي أكبر بكثير، وتحتاج إلى تكاتف عالمي لخفض نسبة التلوث العالمي، نظراً لما يمثله من تهديد لجميع دول العالم.
وتضيف: "في النهاية أمور مثل صناعة المصدات أمام الشواطئ لن تغير من ارتفاع سطح البحر، لكنها تواجه النحر بدرجة ما، والأمر ذاته بالنسبة لمواد الترميم، هي تقلّل من آثار التغير المناخي على المباني، لكن لا توقفها".
ختاماً، تعيش الإسكندرية بين حين وآخر على وقع تهديدات بغرق المدينة أو أجزاء منها، مع تصاعد المخاوف من فقدان تراثها المعماري بفعل عوامل من أبرزها التغيّر المناخي، الذي يبدو أنه غير قابل للترويض، وربما كل ما يمكن فعله هو تعطيل تبعاته لبعض الوقت. فهل يأتي اليوم الذي تصبح فيه قلعة قايتباي ومقابر الشاطبي والمسرح الروماني ومقابر الأنفوشي في طي كتب التاريخ؟
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



