العادي الذي يُنسى في الحرب.…

العادي الذي يُنسى في الحرب.… "كان يا ما كان في غزة"

ثقافة نحن والحقوق الأساسية

السبت 29 نوفمبر 20257 دقائق للقراءة

أولى تجاربي في مشاهدة أفلام الأخوان ناصر كانت مشاهدة فيلم "غزة مون آمور" في مهرجان القاهرة عام 2020، ولا أنسى شعوري بالمفاجأة لأني شاهدت فيلماً فلسطينياً عن قصة حب بين رجل وامرأة غزاويَّين في سن كبيرة، وكأن السينما الفلسطينية بكل ما تنقله من حكايات الحرب والمقاومة أنستني أن هناك بشراً عاديين يملكون قصصاً بسيطة وقلوباً تبحث عن الأنس والحب، لأنهم قبل أن يكونوا مواطنين وضحايا احتلال، هم بالأساس بشر.

مشاهدة أي فيلم فلسطيني تحمل معها توقعات عن الحصار والاحتلال والحرب. بنفس المنطق، مشاهدة أي فيلم للمخرجَين الفلسطينيَين، طرزان ناصر وعرب ناصر، تحمل معها توقعات بمشاهدة غزة مختلفة تماماً، واقعية، أبعد عن القضية والمأساة الكبرى وأقرب للإنسان.

بالأحرى يبتعد الأخوان ناصر عن الحكاية المعتادة، ويقربا عدستهما إلى زوايا ضيقة في الشارع الفلسطيني سوف تُنسى إن لم تُحكى.

بعيداً عن الحرب

يبدأ فيلم "كان ياما كان في غزة" بصوت ترامب وهو يتحدث عن "ريفيرا الشرق الأوسط"، إلا أن أحداث الفيلم كلها تبتعد عن اللحظة الراهنة في المشهد الفلسطيني، حيث ترتكز الدراما وتبدأ من عام 2007، وهي سنة فرض إسرائيل الحصارَ على قطاع غزة.

في سينما الأخوين ناصر، لا تبحث غزة عن بطولتها في صدى البنادق، بل في تفاصيل البشر الذين يواصلون الحياة رغم كل ما ينهش جدرانهم

ينطلق الفيلم من ذلك الشعور بالسجن الكبير، ثم ينتقل بذكاء إلى شخصيات الفيلم الثلاثة الرئيسية: يحيى الشاب الجامعي صانع الفلافل، وأسامة صديقه تاجر الممنوعات، وأبو سامي ظابط شرطة مكافحة المخدرات. لعبة من الكر والفر، والقط والفأر، وعلى طريقة أفلام الويسترن: الطيب والشرس والقبيح.

ينقسم سيناريو الفيلم إلى مرحلتين؛ الأولى في بداية الحصار على غزة وتنتهي بمقتل تاجر الممنوعات أمام صديقه يحيى في مشهد مؤثر، لأن الصديق اختبأ، رافقه شعور بالجُبن، ولم يحرك ساكناً. والقسم الثاني يأتي بعد عامين من الحادثة، عندما عُرض على يحيى، بمحض الصدفة، أن يكون بطلاً لفيلم عن قصة حياة ثائر غزاوي شهيد، والفيلم من إنتاج شيوخ وقادة من أحد أحزاب المقاومة.

ما من اشتباك في الفيلم مع الاحتلال، والشخصيات متعايشة داخل الاحتلال ومشغولة بأمور حياتها اليومية العادية، وغارقة في الاختلافات في ما بينها، خاصة مع السلطة، وهو ما يجعلنا نفكر بجدية في أن نصنف الأخوين ناصر باعتبارهما يقدمان سينما فلسطينية واقعية تنشغل بالعادي واليومي في غزة، العادي الذي يُنسى تماماً في خضم الحرب.

أول فيلم أكشن في غزة

هبطت على يحيى فرصة غير متوقعة: دور سينمائي لمقاتل يحمل السلاح ويقفز من خانة الخوف إلى بطولة مصطنعة. لكن السؤال الذي يظل معلّقاً: هل تغيّر شيء في داخله حقاً؟

في مشهد يفاجئ الشخصيات والمشاهدين على حدٍّ سواء، يجد يحيى نفسه وجهاً لوجه أمام أبو سامي، قاتل صديقه أسامة. هناك، يبدأ التحوّل الحقيقي. يتقمّص دور المقاتل الذي يؤديه، ويُفعّل غضبه القديم، ويقرر أن ينتقم لصديقه، مستنداً إلى "عدة" الشخصية: المسدس الذي لا يفارقه في أي مشهد.

ومع تقدّم الحكاية نكتشف أن الأسلحة المستخدمة في الأفلام الفلسطينية ليست مجرد أدوات تمثيل، بل أسلحة حقيقية، نتيجة ضعف الإمكانات وغياب تقنيات الخدع البصرية والصوتية. هذه المعلومة لا تكشف فقط جانباً من ظروف صناعة السينما الفلسطينية التي تدور حول المقاومة، بل تمنح بطل الفيلم وسيلة ملموسة لتحويل دوره السينمائي إلى فعل انتقام حقيقي.

هذا الغليان الداخلي الذي يعيشه الغزّاويون، والارتكاز على التخوم الدقيقة بين الصداقة والخيانة، كلّه يحدث تحت وطأة الحصار، خلف الجدران التي تُطوّق غزة من كل اتجاه. وعندما يُزَجّ بأسامة في المعتقل، نراه أسيرًا داخل سجنٍ يتوالد من سجن، طبقات من الانغلاق لا نهاية لها.

لكن على النقيض من هذا القيد الخانق، يباغتنا ذلك المشهد الطويل الذي يرقص فيه أسامة على أغنية نوال الزغبي "اللي تمنّيته". يفتح ذراعيه، يتمايل، يدندن، يأكل الفلافل، ويتناغم جسده بكامل خفته مع إيقاع الأغنية. مشهدٌ أخذ حيّزاً واسعاً على الشاشة، لأنه يحمل معنى أبعد من الفرح العابر. فهو، وسط العتمة التي تغلّف الفيلم، يشعّ بضوء خفيف يذكّرنا بما يشتاق إليه الجسد الغزّاوي السجين: لحظة حرية، ولو كانت مؤقتة، وانعتاق لا يتاح إلا في الخيال أو في رقصة خاطفة.

تُعمّق لعبة الواقع والخيال تلك رؤية الأخوَين ناصر السينمائية، وتكشف الطريقة التي يوظِّفان بها الكاميرا لابتكار واقعٍ موازٍ؛ واقعٍ نتورّط فيه عاطفياً حتى نتماهى معه كأنه الحقيقة نفسها. وهذا الأسلوب يقف على النقيض تماماً من مقاربة فيلم "الثائر"، الذي ظل أكثر التصاقاً بالواقع المباشر وأقلّ انفتاحاً على خلق عوالم سينمائية بديلة.

توظيف مشاهد صناعة فيلم "الثائر" بداخل الفيلم تلاعبت بذكاء مع المُشاهد الذي اختلطت مشاعره وتنوعت على سؤال الواقع والخيال: أين الحقيقة هنا وأين الوهم؟ هل يحيى الصديق الجبان أصبح حقاً ثائراً ؟ والسؤال الأهم: أي الفيلمَين يعكس الواقع الحقيقي؟

الفيلم لا يقدّم غزة كحكاية واحدة مكتملة، بل كفسيفساء من هشاشة وخوف وتمسّك بالحياة. بين واقع يُفرض بالقوة وخيال يُصنع بالكاميرا، ينهض السؤال الحقيقي: متى نصغي لنبض الإنسان قبل ضجيج الحرب؟

فيلم "الثائر" فيلمٌ موجَّه بوضوح؛ يرفع من شأن المقاتل الشهيد، ويقدّم الحكاية من زاوية واحدة، متشبهاً إلى حدّ كبير بالخطّ السائد في معظم الأفلام الفلسطينية التي تتناول المقاومة. أمّا فيلمنا الأساسي "كان يا ما كان في غزّة"، فلا يقدّم واقعاً مختلفاً بقدر ما يقدّم واقعاً أكثر واقعية من "الثائر". فهو يكتفي باستحضار بشرٍ ليسوا قدّيسين: شخصيات تخطئ وتُصيب، تضعف وتقوى، وتقاوم بطريقتها الخاصة، بعيداً عن النموذج البطولي المجرّد.

لم يُصوَّر الفيلم داخل غزة، بل في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في الأردن، والتي، بحسب المخرجَين، هي أقرب مكان يمكن أن يعكس شكل غزة الحقيقي في تفاصيله، شوارعه، وضيق فضائه اليومي.

صوت الحرب، مرة أخرى

تتكرر في الفيلم لقطات لقصفٍ يستهدف مباني غزة السكنية، ومع كل ضربة كنت أرتجف أنا ومن كانوا معي في قاعة السينما. كان ذلك الرعب يخصّنا نحن المشاهدين، يضرب في ذاكرتنا القريبة، لا في ذاكرة الشخصيات. المفارقة أن هذا الخوف الذي اجتاحنا لم ينعكس على أبطال الفيلم؛ لم يشكّل تهديداً مباشراً لهم داخل سياق الحكاية. وهذه الازدواجية كانت أكثر ما شدّني، وتركت في داخلي سلسلة طويلة من الأسئلة.

جلوسنا أمام الشاشة على مسافة من مشاهد القصف كانت ترعبنا، لكنها تذكرنا أيضاً بأننا في أمان. أما شخصيات الفيلم فلم نرَها تتفاعل مع القصف، لأنه ببساطة قد تحول إلى فعل معتاد؛ صوت مصاحب لحياتهم اليومية. يتكرر القصف لكنه لم يمنع الحياة في غزة عن الاستمرار. لا ننسى أن زمن الفيلم قبل 18 عاماً من أحداث 7 تشرين الأول/أكتوبر.

وظف الأخوان ناصر خلفيات مَشاهد الفيلم لتحكي حكايات موازية عن اللحظة السياسية في زمن الفيلم؛ صوت نشرة الأخبار، ومانشيتات الصحف، كلها معلومات تحكي واقعاً وسياسة، تذكرنا بالماضي وبأن الحاضر ما هو إلا سلسلة ضمن سلاسل كثيرة من حصار غزة.

أما موسيقى أيمن بوحافة فكانت أقرب للحظات تتنفس فيها المدينة والشخصيات في آن، تنتقل بهم من حال إلى حال، تحل محل السلام والسكون، وتحمل في طياتها مشاعر نابضة ورقيقة.

"كان يا ما كان غزة" لا يحكي الحاضر، لكنه بطريقة فنية ذكية يؤكد على معنى خطير: أن الإبادة في غزة الآن ليست نتاج المقاومة في 7 أكتوبر؛ غزة ليست ما يحدث الآن فقط، بل إن لحظة الغليان الكبرى بدأت منذ عام 2007، عام إقرار الحصار عليها. فهل يعقل أن يحاصر السجين ويختنق، ثم نحاكمه عندما يتنفس ويعبر عن غضبه؟

يعيد الفيلم تكرار الأسئلة بداخل المشاهد ولكن بطرق فنية وغير مباشرة. "كان ياما كان في غزة" فيلم ذكي، يريد فقط أن يعطي المساحة لشخصياته الفلسطينية لتحكي حكايتها وتفرد أذرعها لترقص بسلام.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

من 12 سنة لهلّق، ما سايرنا ولا سلطة، ولا سوق، ولا تراند.

نحنا منحازين… للناس، للحقيقة، وللتغيير.

وبظلّ كل الحاصل من حولنا، ما فينا نكمّل بلا شراكة واعية.


Website by WhiteBeard
Popup Image